لندن ــ “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” تقريرا أعده ستيفن إرلانغر قال فيه إن الرئيس دونالد ترامب يواصل البحث عن الوصفة السحرية التي ستحقق له النصر في إيران، مع أنها غير موجودة.
فقد كانت البداية مع الضربة الجوية التي شنها في حزيران/ يونيو الماضي، والتي قال إنها تهدف إلى “تدمير” البرنامج النووي الإيراني. ثم جاءت الحملة الجوية المكثفة التي شنّها في شباط/ فبراير بالتعاون مع إسرائيل، والتي صممت، كما قال، لإحداث تغيير في النظام وانتفاضة شعبية. ثم راهن على فرض حصار على الملاحة الإيرانية لإنهاء سيطرة إيران على مضيق هرمز.
ويرى المسؤولون والمحللون أن قناعة ترامب بأن هذه التكتيكات ستؤدي إلى استسلام إيران خاطئة تماما. ويقولون إنها قراءة خاطئة لاستراتيجية الجمهورية الإسلامية، ونفسيتها، وقدرتها على التكيف.
تعتقد الحكومة الإيرانية أنها تملك زمام المبادرة حاليا، وأنها قادرة على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية، كما فعلت في الماضي، لفترة أطول مما يستطيع ترامب تحمل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن توقف حركة الملاحة عبر مضيق هرمز
وتعتقد الحكومة الإيرانية أنها تملك زمام المبادرة حاليا، وأنها قادرة على الصمود أمام الضغوط الاقتصادية، كما فعلت في الماضي، لفترة أطول مما يستطيع ترامب تحمل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن توقف حركة الملاحة عبر المضيق.
بل إن مواقف إيران قد ازدادت تشددا. لكن تكتيكات ترامب لم تتغير.
يقول علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية: “في كل مرة لم يحقق فيها الضغط النتيجة المرجوة، سعى إلى أداة إكراه جديدة ظنا منه أنها ستجلب النصر بطريقة سحرية. إنه يعتقد دائما أنه على بُعد خطوة واحدة من تحقيق النصر”.
ويضيف واعظ: “قد يجدي الضغط نفعا مع مرور الوقت، لكن الضغط دون وجود باب مفتوح هو مضيعة للوقت. لا يدرك ترامب أنه مهما بلغت الضغوط، فلن يتم التوصل إلى اتفاق ما لم يمنحوا مخرجا يحفظ ماء الوجه واتفاقا مرضيا للطرفين، لا استسلاما ولا تنازلا”.
ويشكك الخبراء في أن الوقت سيصب في مصلحة ترامب. وقالت سوزان مالوني، المتخصصة في الشأن الإيراني ومديرة برنامج السياسة الخارجية في معهد بروكينغز: “بإمكان الولايات المتحدة بالتأكيد إلحاق المزيد من الضرر بالاقتصاد الإيراني، لكن إيران صمدت أمام ضغوط أكبر من أي اقتصاد آخر في التاريخ، ولم يفض ذلك إلى انهيار النظام أو تبني مواقف أكثر اعتدالا”.
وأكدت الصحيفة أن إيران دولة استبدادية لدرجة أن الدوافع السياسية التي قد تدفع نحو التسوية غير موجودة، في ظل قيام النظام بإعدام المتظاهرين بشكل منتظم.
واعتبرت هذه المواجهة تمثل اختبارا للإرادات بين إيران والولايات المتحدة. وقالت سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، إن معرفة الجانبين ببعضهما البعض محدودة، إذ نادرا ما التقيا في مكان واحد.
وأضافت: “لديهما نهجان ثقافيان مختلفان تماما في إبرام الصفقات، ويتحدثان دون فهم متبادل”.
وأضافت: “أعتقد أن الرئيس ترامب لا يفهم حقا دوافع الإيرانيين. فهم لا يتخذون قراراتهم بناء على ناتجهم المحلي الإجمالي، وإلا لكانوا قد أبرموا اتفاقا منذ سنوات”.
ورغم أن المخاطر الاقتصادية كبيرة بالنسبة لإيران، يبدو أن ترامب قد أخطأ في تقدير مدى صعوبتها. فهو يراهن على أن قدرة إيران على تخزين النفط الذي تستخرجه ولا تستطيع تصديره ستنفد قريبا، مما سيجبر طهران على تقديم تنازلات كبيرة.
وأكد ترامب في أواخر الشهر الماضي قائلا: “إذا لم يحركوا نفطهم، فإن بنيتهم التحتية النفطية بأكملها ستنفجر”، مضيفا: “يقولون إن أمامهم ثلاثة أيام فقط قبل حدوث ذلك”.
وكان كلامه هذا مبالغة واضحة، حيث يختلف الخبراء مع هذا الرأي. مع أن بعضهم يعتقد أن أمام إيران عدة أسابيع على الأقل قبل أن تضطر إلى التوقف عن الضخ. فقد كانت إيران تصدر نحو 1.81 مليون برميل من النفط يوميا في نيسان/ أبريل وتستطيع خفض إنتاجها مع الاستمرار في تخزين النفط في ناقلات فارغة أو قديمة تتسع كل منها لما يقدر بمليوني برميل، ونقل جزء منه برا وعبر السكك الحديدية إلى باكستان.
وخلال ولاية ترامب الأولى، خفضت إيران إنتاجها إلى حوالي 200 ألف برميل يوميا دون إلحاق ضرر كبير ببنيتها التحتية النفطية.
وفي الماضي، نجحت العقوبات الأمريكية والدولية الصارمة المفروضة على الاقتصاد الإيراني وقطاع النفط في دفع إيران في نهاية المطاف إلى التفاوض. وأفضت سنوات من المفاوضات في النهاية إلى الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، حيث وافقت إيران على فرض قيود صارمة على برنامجها لتخصيب اليورانيوم لأكثر من عقد من الزمان مقابل رفع معظم تلك العقوبات الاقتصادية القاسية.
والتزمت إيران بالاتفاق. لكن الرئيس ترامب، في ولايته الأولى، تخلى عنه عام 2018 وأعاد فرض عقوبات اقتصادية قاسية في إطار سياسة “الضغط الأقصى”، لإجبار إيران على التفاوض على اتفاق أكثر تقييدا. ورغم الصعوبات الاقتصادية الشديدة وقرار إيران خفض إنتاجها النفطي بشكل حاد، لم يتم التوصل إلى اتفاق نووي جديد.
قناعة ترامب بأن تكتيكاته ستؤدي إلى استسلام إيران خاطئة تماما، وهو لا يفهم استراتيجية الجمهورية الإسلامية، ونفسيتها، وقدرتها على التكيف.
بعد عام، وبعد فشل الدول الأوروبية الموقعة على الاتفاق في تجاوز العقوبات الأمريكية، بدأت إيران بتجاوز حدود التخصيب. ومنذ ذلك الحين، أنتجت إيران كمية كافية من اليورانيوم عالي التخصيب، قريبة من مستوى التخصيب اللازم لصنع الأسلحة، تكفي لبناء ما يقدر بنحو 10 قنابل نووية، إذا ما قررت ذلك. ويُعتقد أن هذا المخزون، الذي يبلغ نحو 440 كيلوغراما، لا يزال سليما، وتؤكد إيران الآن أنها لن تتفاوض بشأن برنامجها النووي حتى تنتهي الأعمال العدائية الحالية وتحصل على ضمانات بعدم استئنافها.
وتستمر المحادثات الهادئة مع الأمريكيين، إذ يرى النظام في هذه اللحظة من الجمود فرصة لحل نزاعه الطويل الأمد مع الولايات المتحدة. لكن هذا يختلف عن الاستسلام للإكراه.
ويرى واعظ أن إيران ترغب في التوصل إلى اتفاق، لكن قادتها يعتقدون أن الاستسلام للضغوط لن يؤدي إلا إلى مزيد من الضغوط في المستقبل. لذا، تسعى إيران إلى الحفاظ على سيطرتها على المضيق وفرض رسوم مرور لتمويل إعادة الإعمار، لعدم ثقتها بأي رئيس أمريكي في تخفيف العقوبات. وأضاف: “إنهم لا يريدون النجاة من حرب طاحنة ثم الاستسلام لسلام بارد”.