سيكون ردنا خارج حسابات ترامب


 تسفي برئيل

إن عبور سفينتي الشحن الأمريكيتين لمضيق هرمز أمس، لا يعني تغييرا جذريا لأن حوالي 2000 سفينة من كل الأنواع عالقة حالياً في الخليج، وعلى متنها حوالي 20 ألف بحار لا يعرفون متى سيعودون إلى بلادهم. وكعادته، يصور ترامب “العملية” كإنجاز عظيم واختراق. ولكن يجب الانتباه للمصطلحات التي استخدمها عند تحديد أهداف “مشروع الحرية” الذي أعلن عنه. فقد أوضح بأنه استجابة لنداء “كل دول العالم للمساعدة في تحرير سفنها… سترشد الولايات المتحدة السفن إلى كيفية الخروج الآمن من هذا الممر المائي المحظور”. وأضاف بأن الهدف الإنساني هو “تحرير الأفراد والشركات والدول التي لم ترتكب أي خطأ، والتي كانت ضحية الظروف”.

لكن السفن والبحارة لا يحتاجون إلى “إرشاد أو توجيه” بشأن كيفية الخروج من المضيق. هم يريدون الحماية، والولايات المتحدة تعجز حتى الآن عن توفير هذا الغطاء الواقي. وقد وعد ترامب بنشر قوة كبيرة من السفن الحربية والطائرات وحوالي 15 ألف جندي لحمايتهم ومرافقة السفن، لكن لم يُعرف حتى الآن متى ستتمكن هذه القوة من البدء في عملياتها ومن أين ستأتي ومدة العملية وما التعليمات المتعلقة بفتح النار من قبل القوة المرافقة.

لقد أعلن البنتاغون بأن التوجيه الجديد يسمح بفتح النار “لضرب وتدمير” أي سفينة إيرانية تحاول ضرب سفن تحاول مغادرة الخليج أو زرع ألغام، لكن إيران أوضحت أمس بأن ردها لن يكون بالضرورة ما يتوقعه ترامب. إن محاولة استهداف ناقلة نفط تابعة للإمارات، والتحذيرات التي حصل عليها سكان الدولة بشأن إطلاق صواريخ من إيران في سمائها، للمرة الأولى منذ وقف إطلاق النار، تشير إلى طبيعة الحوار العنيف الذي تستعد إيران لخوضه ويمكنها القيام به إذا قررت تصعيد ردودها. في هذه الحالة، هل ستصدر أوامر للقوات الأمريكية للرد بقوة، أم ستعتبر العمل ذريعة لاستئناف الحرب؟ لم يقدم ترامب إجابة على هذا السؤال.

إن قدرة إيران المؤكدة على نقل ساحة الصراع من الخليج إلى الدول المجاورة، وإلحاق الضرر بالبنى التحتية للطاقة والمياه، والبنى التحتية المدنية، وتخريب السفن في الخليج، من خلال زوارق هجومية سريعة غير مأهولة، كل ذلك يثير الشك حول نجاعة العملية الأمريكية. وحتى لو نجحت الولايات المتحدة في مرافقة كل السفن المغادرة للخليج، فلن يحل ذلك مشكلة حرية الملاحة، ولن يسمح لناقلات النفط الفارغة بدخول موانئ الدول العربية لتعبئة مخزون النفط، الذي يزداد حتى أصبح يجبر كل هذه الدول على خفض إنتاجها للنفط.

تصعيد الحرب لن يضمن حرية الملاحة، لا سيما في المدى القريب. فقد تكبدت إيران، وما زالت، خسائر كبيرة بسبب الحصار البحري، حيث تقدر خسارتها في الإيرادات بـ 400 مليون دولار كل يوم تقريباً، ويحصل موظفوها على رواتب جزئية، في حين لم يتسلم كثيرون رواتبهم منذ أسابيع كثيرة، وانخفض سعر العملة الإيرانية أمس إلى مستوى غير مسبوق، وبلغ 2 مليون ريال للدولار.

الخزانات في إيران آخذة في الامتلاء. وتشير التقارير من إيران بأنها اضطرت أيضاً إلى خفض إنتاجها للنفط، وأن الحلول التي تتجاوز الخليج، مثل النقل البري للنفط، لا تساعد في مواجهة النقص في مواقع التخزين. مع ذلك، تمكنت إيران من تنويع مصادر دخلها في السنوات الأخيرة، وقلصت اعتمادها على مداخيل النفط لصالح مداخيل التصدير لمنتجات أخرى التي تصدرها عن طريق البر إلى الدول المجاورة. بالتالي، في ظل التنافس بين قدرة إيران على استيعاب الأزمات وقدرتها على الصمود وبين الضرر الذي تلحقه بالاقتصاد العالمي، لا تمثل خسارة عائدات النفط إلا أحد العوامل. ورغم أهميتها، فإنها لا تشير إلى حجم الاحتياطات المالية التي ما زال النظام يمتلكها، وإلى متى ستصمد قبل أن يتراجع النظام ويعلن استعداده لقبول شروط ترامب.

بما أن تركيز الصراع في منطقة الخليج، حيث أصبحت حملة تحرير السفن العالقة معياراً لنجاح ترامب، فإيران لا تملك إلا أداة الضغط الرئيسية لديها، المصممة لتحقيق مكاسب عبر القناة الدبلوماسية التي ما زالت فعالة. وحسب تقرير نشرته “إكسيوس” وإحاطات لمسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية، يواصل الطرفان تبادل المسودات والاقتراحات لحل الأزمة. ويدعي ترامب بأنه لا يعرف من هو المخول باتخاذ القرارات في إيران، لكنه سؤال لن يكون بالأهمية الآن، لأنه بمجرد تقديم اقتراح يقبله الطرفان، سيكون في إيران من يوقع عليه ويوافق على تمثيلها في المفاوضات في المستقبل. في تلك اللحظة، ربما يعلن ترامب عن وجود “شريك” إيراني يمكن معه، ليس فقط التحاور، بل أيضاً “التوصل إلى اتفاق”.

في هذه المرحلة، ما زالت إيران مصرة على فصل المفاوضات بين قضية حرية الملاحة في الخليج والسيطرة على مضيق هرمز وبين القضايا الجوهرية الأخرى، بما في ذلك تخصيب اليورانيوم على أراضيها وإخراج اليورانيوم المخصب بمستوى 60 في المئة وبرنامج الصواريخ البالستية ودعمها لوكلائها في العراق ولبنان واليمن. ضمن هذه القضايا، هناك تقسيم فرعي بين البنود التي ترغب إيران في مناقشتها، بل والتنازل بشأنها، مثل تخفيف تخصيب اليورانيوم، وتجميد تخصيب اليورانيوم لمدة 5 – 15 سنة، وعودة الرقابة للوكالة الدولية للطاقة النووية، وبين البنود التي تعلن عنها إيران بصراحة على الأقل، غير القابلة للتفاوض، مثل الصواريخ البالستية وعلاقتها مع وكلائها.

يجدر الذكر أن إيران والولايات المتحدة توصلتا إلى اتفاق مبدئي بشأن الملف النووي في جولات المحادثات التي سبقت الحرب. وربما يهدف طلب طهران فصل هذا الملف عن قضية هرمز إلى جعل الملف النووي رهينة لموافقة الولايات المتحدة على ترتيبات جديدة في الخليج.

هذا الملف نفسه مقسم إلى بنود فرعية. وهذه الطلبات تتراوح بين مطالبة إيران بالاعتراف بسيادتها الكاملة على مضيق هرمز، مثلما هي الحال مع سيادة مصر على قناة السويس وتركيا على مضيق الدردنيل ومضيق البوسفور، وبين صياغة “ترتيبات إدارة” فريدة في نوعها للملاحة في الخليج. ويفترض أن تعطي هذه الترتيبات إيران حقها على الأقل في تحصيل رسوم من أي سفينة تعبر المضيق. وهو مبلغ تقول بأنه “تعويض” عن الأضرار التي لحقت بها في الحرب. وحسب الاقتراح الذي رفضه ترامب، تسعى إيران أيضاً إلى إنشاء “آلية إقليمية” تضم دول الخليج العربي لإدارة الملاحة في الخليج.

إن هذا الكم الكبير من القضايا وتقسيمها إلى قضايا فرعية يعطي مجالاً واسعاً للمناورة، حيث يمكن لكل طرف تبرير إنجازاته والتفاخر بانتصاره. وفي الوقت نفسه، قد يقلل ذلك من مبررات الحرب، على الأقل في ظل استمرار المفاوضات الدبلوماسية.

 هآرتس 5/5/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *