خاص/المدى
تشهد محافظات عراقية عدة تصاعداً مقلقاً في حوادث الغرق خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، بالتزامن مع موجات السيول التي اجتاحت مناطق واسعة من البلاد، من الشمال والغرب إلى الفرات الأوسط والجنوب، وسط مخاوف من تفاقم الأزمة مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
وبحسب تقديرات غير رسمية، فإن عدد الضحايا اقترب من 30 حالة غرق، بينها نحو 12 حالة سُجلت في محافظة نينوى، فيما تركزت أغلب الحوادث في الأنهار الرئيسة، ولا سيما نهري دجلة والفرات، إلى جانب نهر ديالى.
وفي هذا السياق، أوضح مدرب السباحة أسامة العتبي، خلال حديث تابعته(المدى) أن أسباب الغرق لا تقتصر على ارتفاع مناسيب المياه وقوة التيارات، بل تمتد إلى عوامل بدنية وصحية، أبرزها التشنجات العضلية المفاجئة الناتجة عن الإجهاد وضعف اللياقة، والتي قد تصيب حتى السباحين المتمرسين.
وأكد أن الشد العضلي يُعد من الأسباب المباشرة للغرق، خاصة مع الإرهاق السريع داخل المياه، محذراً من أن صيف 2026 قد يحمل مخاطر كبيرة إذا لم تُتخذ إجراءات وقائية حازمة، خصوصاً في ما يتعلق بمراقبة الأطفال ومنعهم من السباحة في المواقع الخطرة.
وأضاف أن حالة الخوف والذعر لدى الأطفال قد تؤدي إلى حوادث غرق حتى في المياه غير العميقة، ما يعكس خطورة الوضع ويستدعي مزيداً من الحذر.
من جهته، أشار عضو مجلس النواب مضر الكروي إلى أن عدد حالات الغرق منذ شهر آذار الماضي قد يصل إلى نحو 40 حالة في بعض المحافظات، لافتاً إلى أن أغلبها سُجل في نهري دجلة والفرات، وبمعدل يومي يتراوح بين حالتين إلى ثلاث.
وبيّن خلال حديث تابعته(المدى) أن المناطق الريفية تسجل النسبة الأكبر من هذه الحوادث، رغم التحذيرات المتكررة، نتيجة ضعف الالتزام بإجراءات السلامة، مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين في بعض الحوادث، من بينها حادثة غرق شاب في محافظة ديالى.
بدوره، أكد السباح إبراهيم القيسي، في حديث تابعته (المدى) أن التهور والاندفاع لدى بعض الشباب يسهمان بشكل كبير في وقوع الحوادث، خصوصاً عند السباحة في مناطق عميقة أو ذات تيارات قوية دون إدراك كافٍ للمخاطر.
وأضاف أن الأرقام الفعلية قد تكون أعلى من المعلن، بسبب وجود حالات إنقاذ لا تُوثق رسمياً، داعياً إلى تعزيز دور الشرطة النهرية، ومنع السباحة في المواقع الخطرة، إلى جانب تخصيص أماكن آمنة ومراقبة وتوفير فرق إنقاذ مجهزة.
وتتكرر هذه الحوادث سنوياً مع ارتفاع درجات الحرارة وزيادة الإقبال على الأنهار، في ظل غياب بنى تحتية مناسبة للسباحة، وضعف الوعي بثقافة السلامة المائية، فضلاً عن تأثير التغيرات المناخية وارتفاع مناسيب الأنهار بعد مواسم الأمطار، ما يجعل السباحة في المياه المفتوحة مغامرة محفوفة بالمخاطر، خاصة بين الأطفال والشباب.
يرى الناشط المدني علي أحمد خلال حديث لـ(المدى) أن تفاقم حوادث الغرق في العراق خلال الفترة الأخيرة يكشف عن خلل واضح في إدارة ملف السلامة العامة، خاصة في ما يتعلق بالأنهار والمسطحات المائية المفتوحة.
ويؤكد أن المشكلة لا تتعلق فقط بارتفاع مناسيب المياه أو قوة التيارات، بل ترتبط أيضاً بضعف التوعية المجتمعية وغياب الإجراءات الوقائية الصارمة.
ويشير أحمد إلى أن العديد من العوائل تفتقر إلى الثقافة الأساسية المتعلقة بالسلامة المائية، ما يؤدي إلى ترك الأطفال يسبحون في أماكن غير مؤهلة أو خطرة، دون رقابة كافية، وهو ما يضاعف من احتمالات وقوع الحوادث. كما ينتقد غياب اللوحات التحذيرية في كثير من المواقع، وعدم وجود رقابة فعلية تمنع السباحة في المناطق الخطرة.
ويضيف أن الحلول يجب أن تبدأ بإطلاق حملات توعية واسعة عبر المدارس ووسائل الإعلام، لتعزيز ثقافة السلامة، إلى جانب تفعيل دور الشرطة النهرية وتشديد الرقابة على ضفاف الأنهار. كما يدعو إلى إنشاء مسابح عامة ومواقع سباحة آمنة ومجهزة، تكون بديلاً عن الأنهار، خصوصاً في المدن التي تشهد كثافة سكانية عالية.
ويشدد أحمد على ضرورة توفير فرق إنقاذ مدربة ومجهزة في النقاط الحيوية، مع فرض عقوبات على المخالفين لإجراءات السلامة، معتبراً أن حماية الأرواح تتطلب تكاملاً بين الجهود الحكومية والمجتمعية للحد من هذه الظاهرة المتكررة.