دمشق – “القدس العربي”: أجرى وزير الخارجية السوري، أسعد حسن الشيباني، مباحثات رسمية في العاصمة المصرية القاهرة، تناولت سبل تعزيز التعاون الثنائي في مختلف المجالات، وسط مؤشرات على تقارب تدريجي بين البلدين بعد فترة من الفتور، مدفوعاً بتحديات إقليمية متصاعدة وحسابات سياسية واقتصادية مشتركة، في وقت تسعى فيه العاصمتان إلى تذويب الجليد الذي طبع علاقاتهما خلال المرحلة الماضية، وفتح صفحة جديدة قائمة على التنسيق السياسي والتكامل الاقتصادي.
وحسب وزارة الخارجية، فقد أجرى الشيباني، بمشاركة وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، سلسلة مباحثات موسعة في القاهرة مع وزير خارجية جمهورية مصر العربية بدر عبد العاطي، إلى جانب وزير الصناعة خالد الهاشم.
وتركزت هذه المباحثات على سبل تعزيز التعاون الثنائي بين سوريا ومصر في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية والتجارية، إضافة إلى مناقشة عدد من القضايا المرتبطة بالأمن الإقليمي، بما يسهم في دعم الاستقرار في المنطقة وترسيخ العلاقات الأخوية التي تجمع البلدين.
تركزت هذه المباحثات على سبل تعزيز التعاون الثنائي بين سوريا ومصر في مختلف المجالات، ولا سيما الاقتصادية والتجارية
وكان الشيباني قد التقى، في وقت سابق الأحد، نظيره المصري بدر عبد العاطي في القاهرة، حيث بحث الجانبان آفاق تطوير العلاقات الثنائية، والعمل على توسيع مجالات التعاون في القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك، فضلاً عن استعراض آخر التطورات على المستويين الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، نشر الشيباني، عبر حسابه على منصة “إكس”، تعليقاً عبّر فيه عن سعادته بهذا اللقاء، مشيراً إلى أنه ناقش مع نظيره المصري جملة من القضايا المشتركة، والوضع الراهن في المنطقة، بالإضافة إلى سبل تعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري، انطلاقاً من العلاقات الأخوية الراسخة بين البلدين. كما أعرب عن شكره لجمهورية مصر العربية على حسن الاستقبال وكرم الضيافة.
وخلال الزيارة الرسمية إلى مصر، عقد الشيباني، برفقة الشعار، لقاء مع عدد من رجال الأعمال السوريين المقيمين هناك. وتناول الاجتماع التحديات التي تواجه الاستثمار في سوريا، إلى جانب استعراض الفرص المتاحة في مختلف القطاعات.
كما تم التأكيد خلال اللقاء على الدور الحيوي الذي يمكن أن يلعبه رجال الأعمال السوريون في دعم الاقتصاد الوطني، والمساهمة في مشاريع إعادة الإعمار، إضافة إلى خلق فرص عمل وتعزيز التنمية الاقتصادية في البلاد.
تحديات إقليمية
وفي سياق قراءة أبعاد هذه الزيارة وتداعياتها على مسار العلاقات بين البلدين، رأى الكاتب والمحلل السياسي محمود علوش أن هذه الزيارة تمثل خطوة لافتة في إطار إعادة تنشيط العلاقات السورية – المصرية بعد فترة من التباطؤ.
وأوضح لـ”القدس العربي” أن زيارة الشيباني إلى القاهرة جاءت متأخرة نسبياً، إلا أنها تظل محطة مهمة في مسار تطوير العلاقات بين دمشق والقاهرة، والتي لا تزال، حسب رأيه، تسير بوتيرة بطيئة مقارنة بعلاقات سوريا مع عدد من دول المنطقة.
البيئة الإقليمية تفرض على كل من سوريا ومصر استثمار الفرص المتاحة لدفع العلاقات نحو مستويات أكثر تقدماً
وأشار إلى أن هناك عدة عوامل تقف وراء هذا البطء، من أبرزها الموقف المصري الذي اتسم بالحذر تجاه طبيعة الحكم الجديد في سوريا، ولا سيما في ظل طابعه الإسلامي. ومع ذلك، لفت إلى أن المرحلة الراهنة تشهد مؤشرات على تطور ملحوظ في هذه العلاقات، مدفوعة بجملة من التحديات الإقليمية المتصاعدة التي باتت تشكل حافزاً رئيسياً لتقارب البلدين.
وأكد أن هذه البيئة الإقليمية تفرض على كل من سوريا ومصر استثمار الفرص المتاحة لدفع العلاقات نحو مستويات أكثر تقدماً، مشدداً على أهمية الدور المصري كدولة فاعلة في المنطقة، وضرورة أن يكون لها حضور متعدد الأبعاد داخل سوريا، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي. وفي المقابل، أوضح أن العلاقة مع مصر تحمل أهمية كبيرة لسوريا أيضاً على أكثر من مستوى.
وأضاف أن التحديات الإقليمية، إلى جانب الفرص الاقتصادية الواعدة، تفرض على البلدين تسريع وتيرة تطوير علاقاتهما وتجاوز مرحلة بناء الثقة التي استغرقت، وفق تقديره، نحو عام ونصف. واعتبر أن المرحلة الحالية تتطلب انخراطاً مصرياً أوسع في سوريا، خاصة في المجالات الاقتصادية، للاستفادة من الفرص الكبيرة التي تتيحها عملية إعادة الإعمار، والتي لا تقتصر فوائدها على مصر فقط، بل تمتد إلى دول المنطقة.
هناك ملفات لا تزال بحاجة إلى خطوات عملية لتعزيز الثقة بين الطرفين
كما أشار إلى إمكانية توسيع التعاون بين الجانبين في مجالات متعددة، وعلى رأسها قطاع الطاقة، لافتاً إلى أن سوريا يمكن أن تلعب دوراً مهماً في التحولات الجارية في تجارة الطاقة على مستوى المنطقة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، شدد على أن العلاقات السورية –المصرية لم تصل بعد إلى المستوى المأمول، إلا أن المبادرات الحالية تسير في الاتجاه الصحيح. وأوضح أن هناك ملفات لا تزال بحاجة إلى خطوات عملية لتعزيز الثقة بين الطرفين، وفي مقدمتها ملف المقاتلين الأجانب، ولا سيما المصريين الموجودين في سوريا، والذي يُعد قضية حساسة بالنسبة للقاهرة.
وختم بالتأكيد على أن البيئة الحالية تبدو مهيأة إلى حد كبير لدفع العلاقات بين سوريا ومصر نحو مرحلة جديدة أكثر تقدماً، إذا ما تم استثمارها بالشكل الصحيح من قبل الجانبين.
أبعاد سياسية واقتصادية
وفي قراءة دلالات هذه الزيارة، سلط الباحث السياسي عباس شريفة الضوء على السياق الإقليمي الأوسع الذي تأتي فيه هذه التحركات، وما تفرضه من متغيرات على طبيعة العلاقات بين دمشق والقاهرة.
ويرى شريفة في حديث مع “القدس العربي” أن زيارة وزير الخارجية السوري إلى القاهرة تأتي في ظل ظروف سياسية وأمنية وعسكرية معقدة تشهدها المنطقة بأكملها، حيث تتصاعد التوترات بشكل ملحوظ، الأمر الذي يفرض حالة من التنسيق العربي، ويستدعي التوجه نحو تفاهمات مشتركة تتعلق بالأمن القومي العربي.
وأشار إلى أن مصر تمثل ركيزة أساسية في هذا الإطار، نظراً لما تمتلكه من ثقل سياسي واستراتيجي، فضلاً عن دورها المحوري في قيادة العمل العربي المشترك، ما يجعل من تعزيز العلاقات السورية–المصرية أولوية مهمة لدى القيادة السورية في هذه المرحلة.
وأضاف أن هناك مصالح اقتصادية مشتركة بين البلدين، تتصل بشكل مباشر بملف أمن الطاقة، حيث يمكن لكل من سوريا ومصر أن تؤديا دوراً مهماً في هذا المجال.
ولفت إلى ما يعرف بمبادرة “البحار الخمسة”، التي تشمل البحر الأحمر والخليج العربي والبحر الأسود وبحر قزوين والبحر المتوسط، موضحاً أن الموقع الجغرافي لمصر، بإطلالتها على البحرين الأحمر والمتوسط، يجعلها شريكاً أساسياً في هذا المشروع في حال تفعيله.
بيّن شريفة أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تكتسب بعداً عملياً مهماً، إذ تعتمد سوريا جزئياً على الغاز المصري لتأمين احتياجاتها من الطاقة
كما بيّن شريفة أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تكتسب بعداً عملياً مهماً، إذ تعتمد سوريا جزئياً على الغاز المصري لتأمين احتياجاتها من الطاقة، ما يضفي أهمية إضافية على تطوير العلاقات الثنائية وتعزيز التعاون في هذا القطاع الحيوي.
وتطرق إلى مسار العلاقات في الفترة السابقة، مشيراً إلى وجود حالة من التوجس لدى الجانب المصري تجاه الإدارة السورية الجديدة، باعتبارها لم تكن معروفة بشكل كافٍ في بداياتها. إلا أنه أوضح أن هذه المخاوف بدأت بالتراجع تدريجياً، مع بناء جسور من الثقة بين الطرفين.
وأوضح أن هذا التحول جاء نتيجة تبني سوريا سياسات وصفها بالمتوازنة على المستوى الإقليمي، إلى جانب إظهار حرص واضح على احترام الأمن القومي العربي وعدم التدخل في شؤون الدول العربية، وهو ما شجع القيادة المصرية على الانفتاح بشكل أكبر وفتح قنوات الحوار مع دمشق.
وحول توقعاته، أشار شريفة إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد مزيداً من التطور في العلاقات، مرجحاً إمكانية حصول زيارات متبادلة على مستوى القيادات العليا، بما يعكس انتقال العلاقات السورية–المصرية إلى مستويات أكثر تقدماً وتنظيماً.
هواجس أمنية
وفي قراءة تعكس زاوية النظر المصرية تجاه الزيارة، حدد أحمد محمد العسكري، الحاصل على دكتوراه في القانون الدولي والعلاقات الدولية من مصر، أبرز الدوافع والتحديات التي تحكم مسار العلاقات بين القاهرة ودمشق، في المرحلة الراهنة.
الترتيبات لهذه الزيارة قد تكون جرت خلال لقاء جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع في قبرص
واعتبر في حديث مع “القدس العربي” أنه لو أراد توصيف هذه الزيارة بعنوان مختصر، فسيكون “تذويب الجليد بين القاهرة ودمشق”، مشيراً إلى أنه منذ سقوط نظام بشار الأسد في مطلع ديسمبر 2024، ساد نوع من التباعد غير المعلن بين البلدين، تجلى في تصريحات ضبابية قابلة لتفسيرات متعددة، إلى جانب مواقف وتصرفات اتسمت بشيء من الجفاء، ما جعل إنهاء هذا الوضع أمراً ضرورياً.
ورجح المتحدث أن تكون الترتيبات لهذه الزيارة قد جرت خلال لقاء جمع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره السوري أحمد الشرع في قبرص، وتحديداً أثناء انتظار التقاط الصورة التذكارية، في إشارة إلى أن التنسيق السياسي بدأ قبل الإعلان الرسمي عنها.
وحول المطالب المصرية من سوريا، أوضح أن المطالب في هذه المرحلة تبدو واضحة، وتتمثل أساساً في ضرورة ألا تتحول سوريا إلى ساحة لاستقطاب عناصر أو تيارات تعادي الدولة المصرية أو تعارض نظامها السياسي.
خطأ تقديري
ولفت إلى أن القاهرة وقعت سابقاً في خطأ تقديري، حين قرأت التحولات التي شهدتها سوريا من منظور داخلي مصري، فاعتبرت ما جرى هناك ليس ثورة انتصرت بعد تضحيات كبيرة، وإنما هو صعود لتيار “الإسلام السياسي” على حساب “الدولة الوطنية”، ما دفعها إلى الربط بين النظام السوري الجديد وجماعة الإخوان المسلمين.
وبناء على ذلك، أشار العسكري إلى أن مصر تسعى اليوم للحصول على تعهدات واضحة وصريحة بأن سوريا الجديدة لن تكون ملاذاً لأي تيارات أو شخصيات معارضة، ولن تشكل منصة لتهديد الأمن الداخلي المصري.
وإزاء المطالب السورية، اعتبر المتحدث أنها تبدو محدودة نسبياً، إذ تتركز بشكل أساسي على تخفيف القيود المفروضة على الجالية السورية في مصر، إلى جانب فتح آفاق تعاون طبيعي بين البلدين، خصوصاً في المجالات الاقتصادية، وذلك ضمن الحدود التي تسمح بها الظروف الحالية.
وأشار إلى أن سوريا تبدي استعداداً كبيراً لتقديم تطمينات لمصر إلى أقصى حد ممكن، لكنها في الوقت ذاته تنتظر بادرة حسن نية من الجانب المصري، تتمثل في تخفيف الإجراءات التي اتخذتها السلطات في القاهرة مؤخراً بحق السوريين المقيمين هناك، والتي وصفها بأنها غير مبررة بشكل واضح.
وفيما يتعلق بآفاق التعاون بين البلدين، رأى العسكري أن نجاح مسار “تذويب الجليد” من شأنه أن يجعل بقية الملفات أكثر سهولة، حيث يمكن أن تتطور العلاقات بشكل تلقائي ومدفوع ذاتياً إذا ما تم تجاوز حالة التوتر الحالية.
القاهرة لا تزال مهتمة بمتابعة بعض الأسماء التي غادرت مصر في فترات سابقة، وشاركت في القتال داخل سوريا
وعن مجالات التعاون المحتملة، أوضح أن المجال الاقتصادي يعد الأكثر جاهزية للتقدم، نظراً لوجود أرضية قوية قائمة بالفعل، تتمثل في النشاط الاقتصادي للسوريين في مصر خلال السنوات الماضية، وما حققوه من نجاحات ملموسة.
أما على الصعيد الأمني، فأكد أن القاهرة لا تزال مهتمة بمتابعة بعض الأسماء التي غادرت مصر في فترات سابقة، وشاركت في القتال داخل سوريا، وهو ملف لا يزال يحظى بحساسية خاصة لدى الجانب المصري، في حين توقع ألا تشهد بقية الملفات الأمنية تطورات كبيرة في الوقت القريب.
وفيما يخص أولويات التعاون السياسي وآليات تفعيله، شدد العسكري على أن الأولويات تظل مرتبطة أساساً بالهواجس الأمنية المصرية، إلى جانب تنظيم العلاقة بشكل مؤسسي. واقترح في هذا السياق جملة من الخطوات العملية، من أبرزها تعزيز عمل السفارات في كلا البلدين، والاتفاق على عقد لقاءات دورية بين وزيري الخارجية، بمعدل مرتين سنوياً على الأقل، على أن تمتد هذه اللقاءات لتشمل رؤساء أجهزة الاستخبارات، وفق الصيغة المعروفة دولياً بـ “2+2″، بما يضمن استمرارية التنسيق وتعزيز قنوات الحوار بين الجانبين.