انقسام عميق بين الخليجيين حول مواصلة الحرب ضد إيران 


باريس- “القدس العربي”:

قالت صحيفة “لوموند” الفرنسية إنه في ظل أجواء تسبق عاصفة محتملة، قام وزير الخارجية الفرنسي جان-نويل بارو بجولة في دول الخليج، حيث زار الدول المطلة على مضيق هرمز في مهمة تهدف إلى استشراف مرحلة ما بعد الحرب. إلا أن هذه الزيارة، التي انتهت يوم الجمعة، جرت تحت تهديد تجدد الصراع.

وأضافت الصحيفة الفرنسية القول إن المملكة العربية السعودية تتوقع احتمال وقوع ضربات أمريكية جديدة خلال الثماني والأربعين ساعة المقبلة تستهدف البنى التحتية المدنية في إيران. وقد تعتبر مثل هذه الضربات، التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد هدد بها منذ نهاية مارس/ آذار، قد تعتبر جرائم حرب، ومن شأنها أن تؤدي إلى رد إيراني مماثل يستهدف دول الخليج.

وتابعت “لوموند” موضّحة أن فرنسا حاولت التأثير على المفاوضات المتعثرة بين الولايات المتحدة وإيران خلال فترة وقف إطلاق النار الهشة التي استمرت لنحو ثلاثين يومًا، لكن تنسيق المواقف يبدو صعبًا بين الأوروبيين الذين يخشون التكلفة الاقتصادية الباهظة لإغلاق مضيق هرمز، وبين دول الخليج التي تعاني مباشرة من تداعيات الأزمة، رغم استمرار رفضها الدخول في حوار مع طهران.

تبدو دول الخليج منقسمة بعمق في مواجهة هذه التهديدات. فالسعودية، التي لم تتعرض كثيرًا للهجمات الإيرانية، لا ترغب في التصعيد. في المقابل، تدعم الإمارات العربية المتحدة استمرار العمليات العسكرية، بعد أن كانت الهدف الرئيسي للضربات الإيرانية لأكثر من شهر.

وعلى المدى الطويل، تقول “لوموند”، ترى باريس إمكانية وجود أرضية مشتركة مع هذه الدول، التي تشعر بضعف في ظل سياسات الإدارة الأمريكية، لكنها ما تزال تعتمد على الحماية الأمنية التي توفرها واشنطن. وتعتقد فرنسا أن هذه فرصة لتعزيز التعاون مع دول الخليج في مجالات الدفاع والأمن الاقتصادي.

ومضت “لوموند” قائلةً إن باريس تسعى إلى تطوير شراكات عسكرية جديدة مع هذه الدول، التي تقدر دعمها في اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية خلال الأيام الأولى من النزاع. كما تلاحظ فرنسا أن دول الخليج تعمل على إعادة تقييم منظومتها الدفاعية، بما يشمل الدفاع الجوي وأنظمة التشويش وقدراتها العسكرية المختلفة.

في المقابل، توضح “لوموند”، نجحت إيران في استغلال الانقسامات بين دول الخليج. فخلال الأسابيع الأولى من الحرب، بدت ضرباتها عشوائية، لكنها سرعان ما أصبحت أكثر دقة وتنظيمًا، رغم تعرض مراكز قيادتها لأضرار كبيرة. وقد ساهمت هذه الاستراتيجية في تعميق الانقسام بين الدول الخليجية، حيث تعرضت الدول التي تتبنى مواقف أكثر تشددًا، مثل الإمارات والبحرين، لهجمات أكبر، بينما كانت الدول الأكثر حيادًا مثل قطر وسلطنة عمان أقل تعرضًا للضربات.

على سبيل المثال، أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال في بداية النزاع، ما ساهم في تقليل تعرضها للهجمات، رغم الأضرار التي لحقت ببعض منشآتها. أما بالنسبة للإمارات، فقد شكلت هذه الحرب صدمة وجودية. إذ لا ترى أبوظبي إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مع إيران، بل تدعم استمرار الضغط العسكري، وتأمل على المدى الطويل في سقوط النظام الإيراني.

كما تصاعدت التوترات داخل المعسكر الخليجي، خصوصًا بين السعودية والإمارات، بعد اتخاذ أبوظبي قرارات نفطية منفردة وخروجها من منظمة أوبك، ما أثار غضب الرياض التي تدرس إجراءات رد محتملة، تقول “لوموند”؛ مضيفة أن السعودية تسعى، في المقابل، إلى إنشاء إطار إقليمي للحوار يضم تركيا ومصر وباكستان، بهدف تحقيق توازن إقليمي وفتح باب التفاوض مع إيران، وربما التوصل إلى اتفاق عدم اعتداء في المستقبل.

تنظر فرنسا بحذر إلى هذه المبادرات الإقليمية التي لا تشمل القوى الغربية، لكنها ترحب بأي جهود يمكن أن تسهم في تحريك المفاوضات، توضّح “لوموند”، مشيرة إلى أن دول الخليج ما تزال تعتمد على الولايات المتحدة الأمريكية في معالجة الملف النووي الإيراني، بينما تفضل مناقشة برنامج الصواريخ الإيراني ضمن إطار إقليمي.

في المحصلة، تقول “لوموند”، تكشف هذه الأزمة عن انقسامات عميقة داخل دول الخليج، وعن تحولات في موازين القوى والتحالفات في المنطقة، في ظل تصاعد التوتر مع إيران وتراجع الثقة في الدور الأمريكي.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *