وقفة تأمل في حياة الزعيم التونسي المعتقل راشد الغنوشي


إلى متى ستظل السجون العربية مكتظة بالمفكّرين والعلماء والنشطاء الذين لم يرتكبوا جرما يعاقب القانون عليه؟
ما الذي يمكن أن يقترفه رجال في العقود التاسعة من أعمارهم سوى ما تطلقه ألسنتهم من كلمات تهدف للإصلاح وتستنكر الاستبداد والظلم؟ وهل يمكن إقامة دولة حديثة على جثث رجال طاعنين في السن يتم التنكيل بهم وراء القضبان بسبب مواقفهم أو تصريحاتهم السياسية التي يطلقونها بشكل سلمي؟ فأين هي دساتير الدول التي يُفترض أن تجرّم الاعتقال التعسفي والتعذيب والقتل خارج القانون؟ وإلى متى يظل المعتقلون السياسيون يقضون أعمارهم في السجون بأحكام تصدرها محاكم أمن الدولة في بعض البلدان، ولا يحق لضحاياها استئناف أحكامها؟ كيف يمكن بناء مجتمع مؤهّل للقيام بأعباء النهضة ومواجهة  التحدّيات الداخلية والخارجية إذا لم يكن آمنا على نفسه؟ وما الذي يكسبه نظام الحكم الذي يقتل مواطنيه بأساليب شيطانية خوفا من مواقفهم أو تصريحاتهم؟ في حالة  الصمت التي تخيّم على بلداننا العربية في ظل القمع السلطوي، لا يبقى مجال للتفاؤل بإمكان الانطلاق في خطط التنمية والبناء الذاتي الذي يبدأ ببناء الإنسان.
قبل أكثر من عشرين عاما اغتالت القوات الإسرائيلية الشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة حماس وزعيمها الروحي. حدث ذلك بقصف صاروخي نفذته مروحيات إسرائيلية في مدينة غزة في 22 مارس 2004، أثناء عودته من صلاة الفجر. أسفر الهجوم عن مقتله مع مرافقيه، مما أثار ردود فعل واسعة، ويُعد من أبرز الاغتيالات في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي.  كان الرجل معوّقا بشكل كامل، لا يستطيع الحركة، بل يستخدم كرسيا متحرّكا يجرّه آخرون. فهل أدّى ذلك الاغتيال لكسر شوكة المقاومة الفلسطينية؟ وما الذي حصدته «إسرائيل» سوى التداعي الأخلاقي والقيمي، بدون مردود سياسي ذي قيمة. كان وجوده رمزيا وليس فعليا، وكان رجلا مرتبطا بربّه من خلال عبادته ومواقفه. هذا النهج في استهداف الخصوم لا يشرّف المجتمع الدولي الذي يصرّ على أنه يسعى لتطوير أداء الحكومات التي تعمل وفق القانون ولا تبحث عن أقصر الطرق لتنفيذ خططها، مهما كانت مهمّة.
وليس أمرا غريبا أن يكون رموز الأمة وقادتها وعلماؤها في طليعة المستهدفين من أعدائها الذين يرون فيهم أساسا لبقاء الدولة وتطوير قدراتها. ألم يستهدف الإسرائيليون العلماء في العديد من البلدان العربية؟ ألم يقم الموساد الإسرائيلي بتصفية الكثير من العلماء المتخصصين في مجالات تهدد -بحسب النظرية الإسرائيلية- وجود إسرائيل، وفي مقدمتها التكنولوجيا النووية؛ لقد حظيت دول عربية في مقدمتها فلسطين ومصر بنصيب كبير من استهدافات الموساد.
ومن هؤلاء مصطفى مشرفة المعروف بـ «آينشتاين العرب» الذي ولد في 11 يوليو/تموز 1898 في حي المظلوم بمدينة دمياط الساحلية وتوفي  في 15 يناير/كانون الأول 1950 إثر نوبة قلبية يقال إنها نجمت عن تسميمه. وهناك  سميرة موسى التي تلقّب بـ «مس كوري المصرية» التي لقيت مصرعها في حادث مروري مدبّر في كاليفورنيا في 15أغسطس/آب 1952. كما أن هناك يحيي المشد، الخبير المصري في مجال التصميم والتحكم في المفاعلات النووية، الذي عثر عليه مذبوحا في غرفته الفندقية يوم 14 يونيو/حزيران 1980. وكذلك سلوى حبيب، الأستاذة في معهد الدراسات الأفريقية، التي عُثر عليها مذبوحة في شقتها في القاهرة في اكتوبر 1990. وفي إيران اغتيل محسن فخري زاده(2020)  الذي وصف بـ «أب البرنامج النووي الإيراني» وفريدون عباسي دواني (2025)، رئيس سابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيراني.
فما هي اليد التي تمتد عبر الحدود لتصفية العلماء المسلمين؟  وفي 22 سبتمبر 2017 توفي محمد مهدي عاكف، المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، داخل مستشفى القصر العيني بالقاهرة عن عمر يناهز 89 عاماً. كان عاكف محبوساً على ذمة قضايا ضد جماعة الإخوان المسلمون، ونُقل للمستشفى بعد تدهور حالته الصحية. ولم يحظ عاكف بما يليق بمكانته من تشييع ومجالس عزاء.

 في ضوء استهداف الرموز الإسلامية يتصاعد القلق حول مصير الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية ومؤسسها

وتتوجه أنظار البعض إلى عدد من الرموز الإسلامية والسياسية المعتقلة في سجون العديد من البلدان العربية والإسلامية. ففي البحرين مثلا، يرزح في السجن رموز كبيرة من رجال الصحوة الإسلامية مثل الأستاذين حسن مشيمع وعبد الوهاب حسين والشيخ علي سلمان. وقد قضى هؤلاء حتى الآن أكثر من 15 عاما وراء القضبان منذ اعتقالهم في العام 2011 في ذروة ثورات الربيع العربي. ويعاني بعضهم من أمراض عديدة خصوصا أن أعمارهم متقدمة ويعانون من أمراض عديدة. وعندما توفي أحد المعتقلين السياسيين، السيد محمد الموسوي في 19 مارس الماضي، اتضح خلال تغسيله أن جسده قد تعرّض لأصناف من التعذيب الذي ادّى إلى وفاته. ويمكن اعتبار اغتيال مرشد الثورة الإسلامية في إيران، آية الله السيد علي خامنئي، في 28 فبراير الماضي ذروة استهداف الزعماء والقادة المسلمين، فقد استهدف بعملية اغتيال أمريكية – إسرائيلية في منزله وقتلته مع بعض أفراد عائلته وعدد من المسؤولين السياسيين والعسكريين الإيرانيين. ومع ذلك استمرت الجمهورية الإسلامية في سياساتها التي وضعت فلسطين في محور سياستها الخارجية، فأصبحت هدفا للتحالف الأمريكي – الإسرائيلي طوال ما يقر من خمسة عقود متواصلة.
في ضوء استهداف الرموز الإسلامية يتصاعد القلق حول مصير الشيخ راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية ومؤسسها بعد الإعلان يوم الخميس الماضي عن نقله بشكل عاجل من زنزانته ألى أحد المستشفيات في تونس. ويقبع الغنوشي، 84 عاما، وهو معارض عنيد للرئيس قيس سعيد وشخصية بارزة في الحياة السياسية التونسية منذ ثورة 2011، اعتقل هذه المرّة في عام 2023. جاء اعتقاله الحالي في سياق ما وصفته المعارضة بأنه حملة قمع واسعة ضد شخصيات المعارضة الرئيسية. الغنوشي، الذي شغل منصب رئيس البرلمان الذي علق سعيد عمله في عام 2021، حكم عليه بالسجن لفترات تصل إلى 70 عاما في قضايا ملفقة، ورفض المثول أمام القضاة في المحكمة، قائلا إنه لا يثق في قضاة تكون أحكامهم جاهزة ويتلقون تعليماتهم من رأس السلطة.  وعلى مدى نصف القرن الأخير، تكرر اعتقال الغنوشي وسجنه. فقد اعتقل للمرة الأولى في ديسمبر 1979، ثم توالت حالات اعتقاله، فقضى ثلاث سنوات أخرى (1981-1984) في سجون الحبيب بورقيبة. وفي مارس/آذار 1987 أوقفت السلطات التونسية الغنوشي مجددا ومعه 37 من قيادات حركة الاتجاه الإسلامي. ولم يُخف بورقيبة رغبته في إعدام الغنوشي، لكن القضاء التونسي اكتفى بالحكم عليه بالمؤبَّد، ثم أُلغي الحكم بعد أن انقلب زين العابدين بن علي في 7 نوفمبر 1987 على بورقيبة معلنا «بداية صفحة جديدة في تاريخ تونس» سرعان ما اتضح أنها أكثر سوادا من سابقاتها. أمّا الغنّوشي فقد غيّر اسم حركته من «الاتجاه الإسلامي» إلى «النهضة»، لكن بن علي وإن كان قد سمح للإسلاميين بالمشاركة في انتخابات 1989 بوصفهم مستقلين، إلّاأنه انزعج من النتائج التي حققوها، فبدأ التضييق عليهم، حتى انتهى هذا الفصل بفرار الغنوشي من البلاد في ذلك العام تحاشيا لاعتقاله. وبقي في المنفى 22 عاما، ولم يعد إلى تونس إلا بعد الإطاحة بحكم بن علي في ثورة الياسمين عام 2011. وحقق الغنّوشى أداء انتخابيا جيدا في الانتخابات المبكرة في العام 2011 التي خاضها على رأس حزب العدالة والتنمية، وأصبح رجل دولة بارزا بعد أن أصبح رئيسا للبرلمان التونسي الذي لم يستمر فيه طويلا. فقد حدثت خلافات تنظيمية ضمن الحركة وصلت ذروتها في سبتمبر/أيلول 2022، حينما أعلن 113 عضوا من الحركة، من بينهم نواب ووزراء سابقون، استقالتهم من الحزب محتجين على ما سمّوه بـ «الخيارات السياسية الخاطئة لقيادة الحركة».
لكن حكومة الرئيس قيس سعيّد لم تستطع التعايش مع حركة معارضة عملاقة يقودها الغنوشي برغم ما ظهر من تصدّع فيها. فقبل خمس سنوات فرض الرئيس قيس سعيّد إجراءات استثنائية، منها حل البرلمان، وإصدار تشريعات بمراسيم، وإقالة الحكومة وتعيين أخرى. وهرع القضاء التونسي لتجميد حساب الغنوشي البنكي مع 9 آخرين، من بينهم نجله معاذ الغنوشي وصهره رفيق عبد السلام وزير الخارجية السابق بتهم مزيّفة من بينها اتهامات بغسيل الأموال. ومع ذلك، لم يقف الغنوشي مكتوف الأيدي إذ دعا رئيس حركة النهضة إلى تجاوز الرئيس قيس سعيَّد بنفسه، والعمل على إجراء حوار سياسي في تونس يؤدي إلى تشكيل حكومة إنقاذ تأخذ شرعيتها من البرلمان وتنقذ البلاد من سقوط الدولة. في ضوء هذه الحقائق تتضح ملامح شخصيّة الغنّوشي الذي بقي الرمز الإسلامي الأطول صمودا في ميادين الكفاح السياسي في العالم العربي.

كاتب بحريني



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *