الصحافي المحرر علي السمودي يروي لـ«القدس العربي» عذابات الأسر الإسرائيلي: فقدت نصف وزني (فيديو)


الضفة – «القدس العربي»: في الوقت الذي يحتفي فيه العالم باليوم العالمي لحرية الصحافة، يبدو هذا اليوم في فلسطين أقرب إلى مرثية مفتوحة لصحافيين استشهدوا وهم ينقلون الحقيقة، أو شهادة حيّة لمن نجوا من الموت ليواجهوا أشكالًا أخرى من القمع خلف القضبان. هنا، لا تُقاس حرية الصحافة بمساحة التعبير، بل بعدد الشهداء والمعتقلين، وبحجم الاستهداف الذي طال كل صحافي يمارس عمله الصحافي وينقل الحقيقة والجرائم بحق الفلسطينيين.
يروي الصحافي الأسير المحرر علي السمودي من مدينة جنين لـ»القدس العربي» تجربته التي تختصر معاناة الصحافي الفلسطيني. فبعد عام كامل في سجون الاحتلال، خرج السمودي بجسد منهك وواقع صحي قاسٍ، لكنه يحمل رواية تكشف ما يجري خلف الجدران المكبّلة.
يقول السمودي: «منذ بداية اعتقالي تعرضت للاحتجاز لمدة 80 ساعة، مقيّد اليدين والقدمين، ومعصوب العينين، دون طعام أو شراب أو علاج»، ويضيف أن ما تعرّض له كان جزءًا من سياسة ممنهجة تقوم على العزل والضغط والضرب والقمع والتنكيل والتجويع، أي سياسة القتل البطيء.
ويشير السمودي إلى التحول الكبير في حالته الصحية: «دخلت السجن بوزن 120 كيلوغرامًا، وخرجت بوزن 60 كيلوغرامًا فقط»، مؤكدًا إصابته بعشرة أمراض نتيجة الإهمال الطبي والتجويع.
ويضيف: «أعاني اليوم من مشاكل في السمع والنظر والجهاز الهضمي، إضافة إلى آلام مزمنة في أماكن إصاباتي السابقة»، حيث أُصيب عدة مرات خلال تغطياته الميدانية، قبل أن يخوض تجربة الأسر القاسية هذه.
ولا ينفصل ما تعرّض له السمودي عن سياق أوسع من استهداف الصحافيين الفلسطينيين، الذي تصاعد بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، خاصة منذ اندلاع الحرب على غزة في تشرين الأول/ أكتوبر 2023. فبحسب مؤسسات الأسرى، استُشهد أكثر من 260 صحافيًا وصحافية، في واحدة من أكثر الفترات دموية في تاريخ الصحافة الفلسطينية.

شاهد على اغتيال شيرين أبو عاقلة

هذا الاستهداف لم يكن عشوائيًا، بل جاء في إطار سياسة تهدف إلى إسكات الصوت الفلسطيني ومنع توثيق الانتهاكات. ويوضح السمودي في هذا السياق ما حصل وقت اغتيال الصحافية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، التي شكّل استشهادها لحظة مفصلية في استهداف الإعلام الفلسطيني. ويقول السمودي لـ»القدس العربي» إن اغتيال شيرين كان رسالة واضحة أن الصحافي أصبح هدفًا، خاصة أن استهدافها جاء بعد أسبوع فقط من اليوم العالمي لحرية الصحافة.
ولم تتوقف هذه السياسة عند القتل، بل امتدت إلى الاعتقال، حيث اعتُقل أكثر من 240 صحافيًا، لا يزال أكثر من 40 منهم داخل سجون الاحتلال، بينهم صحافيات، إضافة إلى صحافيين رهن الاعتقال الإداري دون تهم واضحة، ودون توجيه اتهام مباشر بأن السبب وراء الاعتقال هو تغطية الصحافيين لجرائم الاحتلال. كما يواجه آخرون الإخفاء القسري، في انتهاك صارخ للقانون الدولي.
داخل السجون، تتكشف صورة أكثر قسوة. شهادات الصحافيين المعتقلين تتحدث عن تعذيب جسدي ونفسي، وتجويع ممنهج، وحرمان من العلاج، إضافة إلى العزل والإذلال. وقد استُشهد الصحافي مروان حرز الله داخل السجن في آذار / مارس 2026 نتيجة الإهمال الطبي، في مؤشر خطير على الأوضاع داخل المعتقلات.

الكاميرا هدف مباشر

وفي الميدان، لا تقل المخاطر عن السجون. عشرات الصحافيين أُصيبوا خلال التغطيات، بعضهم بإصابات خطيرة تركت آثارًا دائمة. ومن بين هذه الحالات إصابة الصحافي معاذ عمارنة، التي تعكس حجم الخطر الذي يواجهه الصحافي أثناء أداء عمله، حيث تتحول الكاميرا إلى هدف مباشر.
كما طالت الانتهاكات أشكالًا أخرى، مثل الحبس المنزلي والإبعاد عن أماكن التغطية، خاصة في القدس، ومنع الصحافيين من الوصول إلى المسجد الأقصى. وبرزت حالات مثل الصحافية إسلام عمارنة التي اعتُقلت مؤخرًا، تاركة طفلتها وحيدة، في استمرار واضح لسياسة ملاحقة الصحافيين حتى داخل بيوتهم، إلى جانب الصحافية سمية جوابرة من مدينة نابلس، التي لا تزال في الحبس المنزلي منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وهي، بالإضافة إلى ذلك، ممنوعة من التواصل مع أي وسيلة إعلام، الأمر الذي قد يعيدها إلى الاعتقال مرة أخرى.

تكميم الأفواه وكسر الأقلام

ويرى السمودي أن الهدف من هذه السياسات هو تكميم الأفواه وكسر الأقلام، لكنه يؤكد أن هذه المحاولات لم تنجح في كسر إرادة الصحافيين. ويقول إنه تعرض للإصابة ثماني مرات، ونجا من الموت بعد استهدافه في مخيم جنين برفقة الصحافية الشهيدة شيرين أبو عاقلة، ومرّ بتجربة اعتقال قاسية، لكنه مستمر في نقل الحقيقة.
ويستعيد السمودي واحدة من أكثر اللحظات تأثيرًا خلال اعتقاله، فيما يسميها «كعكة الحرية». يروي كيف كان الأسرى يجمعون حصصهم القليلة من الطعام، «ملعقة من اللبنة وقليل من المربى وفتات الخبز»، لأيام، لصناعة كعكة بسيطة لأسير يُفرج عنه. ويقول: «رأيت الأسرى، رغم الجوع والتعب، يجمعون الطعام ليصنعوا لي كعكة يوم خروجي. كانت رسالة أن الألم لم يكسرهم».
هذا المشهد الإنساني يعكس جانبًا آخر من معاناة الأسرى، حيث يمتزج القهر بالصمود، ويؤكد أن الاستهداف لم ينجح في كسر الروح المعنوية. ويضيف أن الأسرى متألمون، لكن إرادتهم قوية، وهي مستمدة من صمود الشعب الفلسطيني.

انتهاكات أمام القانون الدولي

ويشير مراقبون إلى أن ما يتعرض له الصحافيون الفلسطينيون يمثل انتهاكًا واضحًا للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقيات جنيف التي تكفل حماية المدنيين، وكذلك المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تضمن حرية الرأي والتعبير. ويرون أن استهداف الصحافيين قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، خاصة عندما يتم بشكل ممنهج ومتعمد.
في اليوم العالمي لحرية الصحافة، يطرح هذا الواقع تساؤلات عميقة حول دور المجتمع الدولي، الذي يقف عاجزًا أمام واحدة من أخطر حملات استهداف الصحافيين، خاصة في السنوات الأخيرة. فبينما يُفترض أن يكون هذا اليوم مناسبة للدفاع عن حرية الكلمة، يتحول في فلسطين إلى مناسبة لتوثيق الانتهاكات.

الصحافي جزء من الحدث

اليوم، لم يعد الصحافي الفلسطيني مجرد ناقل للحقيقة، بل أصبح هو نفسه جزءًا من الحدث، وهدفًا مباشرًا للانتهاكات. من يحمل الكاميرا قد يُقتل، ومن يكتب قد يُعتقل، ومن ينجو قد يُطارد أو يُمنع من العمل.
ورغم ذلك، يصر الصحافيون الفلسطينيون على مواصلة رسالتهم. يقول السمودي: «نحن جزء من هذا الشعب، وصوت له، ولن نتوقف عن نقل الحقيقة مهما كان الثمن».
في هذا اليوم، لا يحتاج الصحافي الفلسطيني إلى شعارات عن حرية الصحافة، بل إلى حماية حقيقية تضمن له الحق في الحياة والعمل. وحتى يتحقق ذلك، سيبقى هذا اليوم شاهدًا على مفارقة قاسية: عالم يحتفل بحرية الصحافة، بينما تُنتهك في فلسطين بأبشع صورها.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *