الجزائر- “القدس العربي”:
خرج الأمين العام لثاني أكبر أحزاب الموالاة في الجزائر عن صمته إزاء الاتهامات التي تلاحق تشكيلته السياسية، إثر ظهور تسجيل صوتي بين اثنين من إطارات التجمع الوطني الديمقراطي في ولاية قسنطينة شرق البلاد، يوحي بوجود عمليات تلاعب واستقطاب لرجال المال لإعداد قوائم الانتخابات البرلمانية.
وقال منذر بوذن وهو نائب رئيس المجلس الشعبي الوطني حاليا، في تجمع له بولاية سطيف شرق الجزائر، إن حزبه يخلو من أي ممارسات مشبوهة في تشكيل القوائم الانتخابية، “لأن معيارنا هو النزاهة والكفاءة والالتزام بخدمة المواطن ونملك آليات رقابية فعالة”، كما قال. مضيفًا أن “في الماضي كانت هناك بعض الممارسات المعزولة المتعلقة بمحاولة شراء الترشيحات، ونحن نأسف لهذه السلوكيات، لكننا اليوم أمام صفحة جديدة، وأي تصرف مشبوه سيقع تحت مراقبتنا وسيُواجه بكل صرامة”.
وبخصوص التسجيل الصوتي المنسوب إلى أمين المكتب الولائي بقسنطينة، أوضح بودن أن “عصام بحري، أمين المكتب الولائي بقسنطينة، مناضل أصيل يملك سيرة يشهد لها أبناء قسنطينة قبل مناضلي التجمع الوطني الديمقراطي”، مشيرًا إلى أنه “منذ اللحظات الأولى لظهور التسجيل الصوتي المشبوه المنسوب إليه ونحن نحاول فهم الموضوع، لنتنبه إلى أن التسجيل مبتور ونتيجة استدراج واضح، رغم وجود كلام غير مسؤول فيه”.
وأضاف أن “ثمة استغلالا دنيئا لهذا التسجيل، مع التذكير بأن القانون يجرّم التسجيلات غير المرخصة. نعم سجلنا وجود كلام غير مسؤول، لكن لا يمكن القفز على حقيقة أن التسجيل مبتور ويحاول التشويش على العملية الانتخابية”، محذرًا من أنه “إذا تهاونا مع مثل هذه الأساليب، فإننا سنشجع الممارسات الدنيئة ومحاولات الاستدراج والتلاعب التي تستهدف الحياة السياسية والمسار الانتخابي”.
وفي السياق ذاته، أشار بودن إلى أن “الأمين الولائي طلب الإعفاء بعد سنوات من السيرة الطيبة والحسنة والنضال الوفي، ورغم ذلك فإننا لم نحسم بعد القرار النهائي الذي يجب اتخاذه في هذه القضية”، مؤكدًا أن “أي أمين ولائي يثبت عليه بشكل قطعي تورط في ممارسات دنيئة أو غير أخلاقية لن يبقى في الحزب دقيقة إضافية، لكننا في المقابل لن ننساق وراء المكائد أو السلوكيات الدنيئة التي تهدف إلى التشويش وضرب الاستقرار الداخلي”.
وفي حديثه عن الجانب المالي في الانتخابات، لفت بودن إلى أن “قانوني الأحزاب والانتخابات يتيحان للأحزاب تلقي مساهمات تصل إلى 300 مرة الأجر القاعدي المضمون، على أن تتم هذه المساهمات بكل شفافية عبر الحسابات الرسمية للحزب”، مضيفًا أنه “يمكن للمترشحين ضمن القوائم الانتخابية المساهمة قانونيًا في المجهود المالي للحملة الانتخابية، بمبلغ أقصاه 250 مليون سنتيم، وفق ما يسمح به القانون”.
وتابع يقول “وعدناكم بالشفافية، وها نحن اليوم نخاطبكم بكل شفافية وصراحة وشجاعة، ونطرح أمامكم كل ما يمسنا لأننا صادقون ولا نخفي شيئًا عن مناضلينا والرأي العام”، مضيفًا أن “تعاملنا مع كل القضايا سيكون أمام الرأي العام بالمواجهة والصراحة، وليس بالاختباء أو التخفي أو الصمت. جدراننا من زجاج، ولا نخشى الحجر الطائش”.
كما أكد تمسكه بإطارات الحزب قائلاً: “لن أتخلى بسهولة عن إطارات التجمع الوطني الديمقراطي، فهم رصيد الحزب وعموده الأساسي، ونحرص على الحفاظ عليهم وتثمين جهودهم ما لم يثبت قطعا تورطهم في مخالفة قوانين الجمهورية”، مشددًا في السياق ذاته على أن “مرجعنا هو القانون وفقط، ولا نخضع إلا للقانون، وهو الإطار الوحيد الذي ينظم عملنا وسلوكنا السياسي والتنظيمي”.
وفي رده على ما وصفها بحملات التشويش، قال بودن: “لا يمكن لأي أطراف تحاول إعطاء الدروس في تسيير الشأن الحزبي أو السياسي أن تملي علينا أسلوب عملنا. مناضلونا مسؤولون أمام حزبهم وأمام القانون، وليس أمام حملات التشويش أو الابتزاز السياسي”، مضيفًا: “لن نظلم نخبنا التي تعبنا في تكوينها وبنائها، ولن نسمح باستهدافها أو تشويهها من طرف أي محاولات استدراج أو حملات تصدر من خلايا الظلام”.
وكانت القضية قد تفجّرت عقب تسريب تسجيل صوتي في ولاية قسنطينة، نُسب إلى رئيس المجلس الشعبي الولائي عصام بحري، جمعه بإطار حزبي آخر، تناول كواليس إعداد قائمة التجمع الوطني الديمقراطي للانتخابات التشريعية.
وأظهر التسجيل المتداول، الذي انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، حديثًا مفصلًا عن ترتيب الأسماء داخل القائمة الانتخابية، والتوازنات المعتمدة بين المترشحين، إلى جانب ذكر أسماء بعينها ومحاولات إقناعها بالالتحاق بالقائمة.
كما تضمن حديثًا عن مبالغ مالية قيل إنها طُرحت في سياق الترشح ضمن القوائم الانتخابية خلال فترات سابقة، حيث تم تداول أرقام تتراوح بين 5 و10 ملايين دينار، وهي معطيات وردت ضمن المحادثة وساهمت في توسيع الجدل حول احتمال وجود ممارسات مرتبطة بشراء مواقع في القوائم.
كما أثار التسجيل مخاوف بعد تضمنه إشارات إلى دور محتمل للإدارة المحلية، حيث ورد ذكر والي الولاية في أحد المقاطع، مع حديث عن اختيار أحد الأشخاص بناءً على “توصية”، ما فتح باب التساؤلات حول تدخل الإدارة في العمل الحزبي.
وفي أعقاب انتشار التسجيل، صدرت توضيحات متتالية، إذ نفى المعني بالأمر، عصام بحري، في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي أي علاقة لمسؤولي الولاية، وعلى رأسهم الوالي، بعملية اختيار مرشحي الحزب، مؤكدًا أن الأمر يندرج ضمن صلاحيات الحزب الداخلية. كما أصدرت مصالح الولاية بيانًا رسميًا نفت فيه بشكل قاطع أي صلة للإدارة بمضمون التسجيل، واعتبرت ما يتم تداوله “تفسيرات مغلوطة وافتراءات”، مع التشديد على “الحياد التام للإدارة” في المسار الانتخابي. غير أن حذف هذه التوضيحات لاحقًا من صفحات التواصل الاجتماعي أعاد الجدل إلى الواجهة، ووسّع دائرة التساؤلات حول خلفيات القضية وتداعياتها، مع مطالبات بتدخل القضاء للتحقيق في هذه القضية.
وفي موقف يلامس هذه الواقعة، قال الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إن الرد على أي تخوف من وجود تداخل بين صلاحيات الإدارة والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات لن يكون إلا قانونيا، وذلك في إطار الحرص على ضمان شفافية المسار الانتخابي.
وأوضح تبون خلال اللقاء الإعلامي الدوري مع ممثلي وسائل الإعلام الوطنية، مساء السبت، أن كل الظروف متوفرة لضمان نزاهة العملية الانتخابية، مؤكدا أن استحداث السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات جاء لتجسيد سياسة الدولة الرامية إلى تفادي أي شبهات قد تمس بنزاهة الانتخابات.
ولفت إلى ضرورة النظر إلى الجانب الإيجابي الذي تحقق في المسار الانتخابي بالجزائر، مبرزا أنه منذ وصوله للرئاسة “تم التخلص من مصطلح التزوير في العملية الانتخابية ولم يعد موجودا في القاموس السياسي للجزائريين”. كما شدد على أن الدولة ماضية في ضبط العملية الانتخابية، وهو ما تجسد حسبه في “قانون نظام الانتخابات وفي الدستور، حتى وإن وجدت بعض الثغرات”.
وفي السياق ذاته، أشار الرئيس تبون إلى أنه تقدم باقتراحات إلى رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تتعلق بالاستعانة ماديا بالمؤسسات الموجودة، على غرار البلدية أو الولاية أو غيرها في تنظيم الانتخابات، موضحا أن هذا الدعم يقتصر على الجانب المادي فقط ولا يمس بالجانب القانوني أو بجوهر العملية الانتخابية.
وينص قانون الانتخابات في الجزائر على أن تمويل الحملة يكون من مصادر محددة، تشمل مساهمات الأحزاب واشتراكات أعضائها، والمساهمة الشخصية للمترشح، والهبات المقدمة من المواطنين كأشخاص طبيعيين، إلى جانب مساعدات محتملة من الدولة. كما يحدد سقفًا لنفقات الحملة الانتخابية لا يتجاوز 2.5 مليون دينار عن كل مترشح في الانتخابات التشريعية.
كما تشير المادة 200 من القانون ذاته، في فقرتها السابعة، إلى شرط يتعلق بسمعة المترشح، حيث تشترط ألا يكون “معروفًا لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة، أو تأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين”. وقد استُخدم هذا المقتضى القانوني خلال انتخابات 2021 لإقصاء مئات المترشحين، في ظل جدل حول معايير تطبيقه.