لندن- “القدس العربي”
نشرت صحيفة “صاندي تايمز” تحليلا لكريستوفر هاردينغ، أستاذ التاريخ الآسيوي في جامعة إدنبرة، قال فيه إن حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ضد إيران تعتبر فرصة للصين كي توسع مناطق نفوذها في آسيا.
وأشار إلى زيارة ترامب المتوقعة منتصف أيار/مايو إلى الصين، حيث تجري الاستعدادات على قدم وساق لأحد أكثر اللقاءات الدبلوماسية ترقبا هذا العام. ويعمل مئات المسؤولين في الولايات المتحدة والصين على ضمان سير زيارة ترامب إلى بكين، المقرر عقدها في الفترة من 14 إلى 15 أيار/مايو، بسلاسة تامة. وسيتم نقل سيارتين على الأقل من طراز “الوحش”، وهما سيارتان مدرعتان من طراز كاديلاك، يقال إنهما مزودتان بقاذفات قنابل الغاز المسيل للدموع ومقابض أبواب قادرة على صعق المهاجمين بالكهرباء، إلى الصين جوا عبر طائرة نقل عسكرية.
ويجري فحص قوائم الطعام والمكونات للتأكد من سلامتها، كما تم وضع خطة الزيارة على فترات زمنية مدتها 15 دقيقة.
ويقول هاردينغ إن هذه الجهود تبذل بلا شك لتجنب تكرار المشاكل التي اندلعت خلال الزيارة الرئاسية الأخيرة إلى الصين، والتي قام بها ترامب عام 2017.
فقد حاول مسؤول أمني صيني منع حقيبة تحتوي على رموز إطلاق أسلحة نووية أمريكية من دخول قاعة الشعب الكبرى برفقة الرئيس، ما أدى إلى اشتباك مع عناصر من جهاز الخدمة السرية الأمريكية.
ومع ذلك، يظل التأكد من سلامة الجوانب العملية للقمة شيئا، وإتقان سياقها السياسي شيئا آخر تماما.
فقد كان ترامب يأمل في الوصول إلى بكين على موجة انتصار تاريخي على إيران، لكنه بدلا من ذلك أظهر للصين محدودية القوة الأمريكية في مواجهة حقائق جغرافية واقتصادية صعبة، مثل مضيق هرمز وتفكك حلف الناتو ونضوب مخزون الذخائر الأمريكية، يضاف إلى كل هذا أنه يخاطر، ببطء ولكن بثبات، بخسارة آسيا.
وأضاف الكاتب أن جزيرة تايوان التي تطالب بها الصين ستكون على رأس جدول أعمال شي جين بينغ عند لقائه ترامب.
وينقسم المحللون حول الدروس التي قد يستخلصها شي من الحرب الإيرانية: هل يخشى أن يسمح الوضع التكنولوجي الحالي، والطائرات المسيرة الرخيصة التي تتطلب تدابير مضادة مكلفة، للدول الأضعف عسكريا بإحراج القوى العظمى؟ أم أنه استنتج أن الحصار ناجح، وأن الصين من خلال خنق صادرات أشباه الموصلات التايوانية يمكنها ابتزاز الصناعة العالمية وإجبار الولايات المتحدة على السعي إلى إبرام صفقة؟
ويعتبر مضيق تايوان من الممرات الحيوية التي تعتمد عليها حركة الملاحة البحرية العالمية، حيث تمر عبره نسبة 40% من أسطول حاويات الشحن العالمي، وهو عدد يفوق بكثير ما يمر عبر مضيق هرمز. ويتوقع خبراء اقتصاديون في “بلومبيرغ” أن حصارا لمدة عام لمضيق تايوان قد يكلف الاقتصاد العالمي 5 تريليونات دولار.
ويضيف هاردينغ أن الرأي العام في تايوان، وإن كان على الأغلب يفضل أمريكا على الصين، إلا أن التوجهات في أجزاء أخرى من جنوب شرق آسيا تسير في الاتجاه المعاكس.
ولسنوات، كان الشغل الشاغل للمنطقة هو مطالب الصين المتكررة بالسيادة في بحر الصين الجنوبي الغني بالنفط والغاز، حيث تمارس القوة بقوة وتقوم بعسكرة الجزر المتنازع عليها وتستخدم الليزر ومدافع المياه ضد السفن المنافسة.
وردا على ذلك، تسعى دول مثل الفلبين وفيتنام إلى توثيق علاقاتها مع واشنطن وطوكيو.
وبعد أن خففت اليابان القيود على صادرات الأسلحة الشهر الماضي، بات من المتوقع نقل ثلاث سفن حربية إلى الفلبين.
إلا أن استطلاعا للرأي العام في جنوب شرق آسيا، أجراه معهد يوسف إسحاق، المعروف سابقا باسم معهد دراسات جنوب شرق آسيا في سنغافورة، يشير إلى أن القيادة الأمريكية غير الموثوقة باتت تشكل مصدر قلق أكبر للعديد من دول المنطقة من العدوان الصيني المحتمل.
وإذا اضطرت دول مثل تايلاند وسنغافورة وماليزيا وإندونيسيا للاختيار بين التحالف مع واشنطن أو بكين، فإن معظم القادة السياسيين فيها سيختارون الصين على حساب أمريكا.
وبالنسبة لماليزيا وإندونيسيا، وهما دولتان ذات أغلبية مسلمة، فقد كانت المشاعر المعادية لأمريكا تتصاعد بالفعل بسبب دعم الولايات المتحدة لإسرائيل في غزة.
وأجري الاستطلاع الأخير قبل الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، ولكن من المرجح أنها فاقمت الوضع. وندد أنور إبراهيم، رئيس الوزراء الماليزي، في شباط/فبراير بالهجوم الأولي ووصفه بأنه “محاولة دنيئة لتخريب المفاوضات الجارية”.
وفي غضون ذلك، كانت آسيا الأكثر تضررا من انقطاع تدفق ناقلات النفط والغاز المسال من الخليج. فالمنطقة غنية بالصناعات، لكنها تعاني في الغالب من نقص الطاقة اللازمة لتشغيلها.
ويتجه نحو 84% من النفط الذي يمر عادة عبر مضيق هرمز إلى آسيا، وكذلك نسبة مماثلة من إنتاج قطر من الغاز الطبيعي المسال الذي تضرر بشدة. وفي ظل النقص وارتفاع الأسعار وانخفاض التحويلات المالية الحيوية من ملايين العمال الباكستانيين والهنود والفلبينيين والبنغلاديشيين في الخليج، بدأ الإحباط من واشنطن يتسرب إلى العلن.
وفي الأسبوع الماضي، قال وزير الخارجية التايلاندي، سيهاساك فوانغكيتكيو، لصحيفة “واشنطن بوست” إن الحرب “ما كان ينبغي أن تندلع”، وإن بلاده لم تتلق أي عروض للمساعدة من الولايات المتحدة، على الرغم من ارتفاع أسعار سماد اليوريا الذي يستخدمه المزارعون التايلانديون إلى الضعف تقريبا، حيث بدأ موسم الزراعة للتو. وانتقد عدم استقرار الولايات المتحدة في الفترة الأخيرة، مضيفا أن الصين تظهر أنها في الوقت الحالي شريك أكثر استقرارا.
وقال هاردينغ إن الصين تحقق أيضا طموحها الذي طالما سعت إليه، وهو الظهور بمظهر القوة العالمية الفاعلة. فبينما هدد ترامب بأن “حضارة بأكملها ستنهار الليلة”، تعاونت بكين مع باكستان في جهود وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز.
ومن جهة أخرى، يتزايد الرأي العام الهندي تشددا، إذ تواجه الهند نقصا في كل من النفط والغاز المسال المستخدم في الطهي.
ويرى منتقدو رئيس الوزراء ناريندرا مودي أن اضطرار الهند للحصول على إعفاء أمريكي لشراء النفط الروسي يثبت أنها دولة تابعة للولايات المتحدة، التي فرض رئيسها مؤخرا تعرفات جمركية بنسبة 50% على الهند، وأعاد الأسبوع الماضي نشر تعليقات لمقدم بودكاست يصف فيها البلد بأنه “حفرة جهنمية”.
وحتى حليفي أمريكا الرئيسيان في آسيا، اليابان وكوريا الجنوبية، يعيدان تقييم علاقاتهما. فكلتا الدولتين تستضيفان قواعد أمريكية على أراضيهما، ولديهما أسباب للخوف من النفوذ الصيني في المنطقة. ومع ذلك، فإن كلا البلدين يستثمران بكثافة في الخليج، ولا سيما فيما يتعلق بإمداداتهما النفطية.
وقد أجبرتهما دعوة ترامب لهما بإرسال سفن حربية إلى مضيق هرمز، إلى جانب القيود القانونية الداخلية وتضارب الآراء العامة، على اتخاذ مواقف ملتبسة ومحرجة. وقد واجهت رئيسة وزراء اليابان، سنائي تاكايتشي، مؤخرا احتجاجات في طوكيو على خلفية احتمال حشد قوات الدفاع الذاتي اليابانية في الشرق الأوسط.
ويلاحظ هاردينغ المفارقة في كل هذا، وهي أن الصين لم تبذل الكثير لكي تحصل على هذه المكاسب لمصالحها في آسيا.
فوعود المساعدة التي قطعتها لجيرانها في جنوب شرق آسيا في بداية الحرب لم تثمر إلا قليلا. وتتحكم الصين في إدارة احتياطياتها النفطية الهائلة، بينما تجني ثمار استثماراتها في مصادر الطاقة المتجددة.
وفي خضم ما تعتبره وكالة الطاقة الدولية أسوأ أزمة طاقة في التاريخ، تصدر الصين ألواح الطاقة الشمسية ذات التكلفة المنخفضة إلى أفريقيا وجنوب شرق آسيا بكميات قياسية. والساذج في آسيا من يظن أن الصين ليست لديها طموحات على المدى المتوسط، لكن خيبة أمل آسيا من الولايات المتحدة جعلت الصين تبدو شريكا جذابا، وبشكل متزايد، بحكم الواقع.
كما يواجه شي جين بينغ مشاكله الخاصة قبل اجتماعه مع ترامب، فالاقتصاد الصيني المتعثر في أمسّ الحاجة إلى تعزيز وصوله إلى الأسواق الأمريكية. لكن في الشؤون العالمية، لطالما كانت استراتيجية الصين هي اللعب على المدى البعيد. وقد يجد شي بعض العزاء في حقيقة أن قطاعات واسعة من آسيا، على الأقل في الوقت الراهن، تعيد، على ما يبدو، ترتيب أولوياتها حسب ما خطط له.