إسرائيل تؤجج الاستقطابات العالمية والعربية!


فتحت حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة مترادفة مع «حرب ضم الضفة الغربية» المنطقة على موجة واسعة من الحروب الأخرى بدأت مع لبنان، ثم امتدّت إلى اليمن فإيران، خلال حرب الإثني عشر يوما، في حزيران/ يونيو، وصولا إلى الحرب الحاليّة التي شملت تداعياتها الخطيرة منطقة الخليج العربي ولبنان والعراق والأردن وسوريا.
أخذت حرب الإبادة في غزة، منذ الشهور الأولى لاندلاعها، طابع مواجهة إسرائيلية مفتوحة مع العالم، وعلى وجه الخصوص مع الأمم المتحدة، ومنظماتها، وما لبثت أن امتدت إلى محكمتي العدل والجنايات الدوليتين، كما انعكست تداعيات هذه الإبادة في بلدان العالم الإسلامي، والبلدان الغربية، التي شهدت مظاهرات تضامن مع الفلسطينيين، واعتصامات في الجامعات، وأشكالا من التضامن في الملاعب، وتصاعد دور مؤسسات مثل «حملة المقاطعة» وأساطيل فك الحصار عن غزة، و»بالستاين أكشن»، بالترادف مع إجراءات مسعورة لقمعها، وخصوصا في الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا، في معارك مفتوحة في المحاكم ووسائل الإعلام والشوارع والجامعات ومراكز البحوث ومهرجانات السينما والأدب والفن التشكيلي ووسائل التواصل الاجتماعي.
لا تزال هذه الحرب دائرة، ونرى آثارها كل يوم، على شاكلة ما يجري حاليا من تحالفات لمقاطعة مهرجان «يوروفيجن»، بالتناظر مع إعلان العشرات من الفنانين احتجاجاتهم، وما يجري في بينالي البندقية الذي شهد مقاطعة رسمية لإسرائيل وروسيا، وما رأيناه من تحوّل هذه الحرب على الفلسطينيين عنصرا فاعلا في تشكّل تيارات وأحزاب سياسية جديدة.
أدت الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران إلى تداعيات هائلة جديدة تراكبت على ما جرى في فلسطين وتمددت خطورته نحو بلدان المشرق العربيّ، وعزّزت هذه التداعيات الجديدة آليات التفكك في المنظومات الإقليمية، على شاكلة ما جرى من إعلان الإمارات انسحابها من منظمتي أوبك وأوبك +، وتبلور الخلاف الأمريكي – الأوروبي حول هذه الحرب، وصولا إلى الردود المباشرة غير المسبوقة، من جهات أوروبية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما نراه الآن من سجال حاد بين المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي تحدث عن تعرض أمريكا للإهانة على المسرح العالمي.
يجب القول، مع ذلك، إن هذا التراكب الموضوعي بين المسألة الفلسطينية والحرب على إيران، لا يعفي إيران من المسؤولية الخطيرة عن الهجمات التي شنتها على دول الخليج العربي، وقبل ذلك، على إصرارها على الحفاظ على أذرعها العسكرية في البلدان العربية التي كان لها، وما زال، أدوار قمعية وطائفية خلّفت آلاما، وانتهكت سيادات دول، وأضرّت بشعوب عربية عديدة.
يظهر هذا التراكب، بصورة جلية، في أن الجهات الأوروبية الأكثر رفضا للحرب الأمريكية على إيران، هي الجهات التي تقود مبادرات لمعاقبة إسرائيل على إجرامها بحق الفلسطينيين، كما حصل من مبادرة إسبانيا، المتواصلة، لتعليق الشراكة الأوروبية مع إسرائيل، وقيادة السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، مبادرة لمشروع في الكونغرس لوقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل، وفي المقابل نرى توجّهات مضادة، من قبل إدارة ترامب، لا يمكن فيها فصل موقف هذه الدولة أو تلك من الحرب على إيران، مع موقفها من إسرائيل.
يمثّل خروج الإمارات من منظمتي أوبك وأوبك + مثالا على تراكب الاستقطابات المذكورة، فقد أعلن في الوقت نفسه الذي كشفت وسائل إعلام عن دعم إسرائيلي للإمارات، بالعتاد والرجال خلال الحرب مع إيران، وكلا الخطوتين اعتبرتا ضربة للسعودية، والدول الأخرى المنتجة للنفط، وخطوة تمهيدية للخروج أيضا من الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي، وتعميقا للتحالف الاستراتيجي مع إسرائيل، مما يرفع منسوب التوترات داخل البيت الخليجي والمنظومة العربية ويهدد بإمكانيات تفكك أخرى.
من جهة أخرى، فإن خروج الإمارات، مع استمرار مفاعيل الحصار الأمريكي، والتوتّر الذي يمكن أن ينقلب حربا جديدة، يجعل الإمارات أقرب للتأثر سلبا من هذا التوتّر كونها وضعت نفسها في اصطفاف حرج معاند للجغرافيا والمعادلات الإقليمية، كما أن خروجها يعكس تراجع القوة الأمريكية بما هي أساس التحالفات ضمن دول الخليج العربي، وأحد أساسيات الأمن والاستقرار، والرخاء في المنطقة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *