كيف باتت حروب إيران ولبنان مقامرة غير محسوبة أمريكياً وإسرائيلياً؟ 


هل يجوز القول بأن ترامب يبحث عن مخرج من الحرب التي أشعلها مع إيران، أو أن هذا ينطوي على جرح كبير لمشاعر مؤيدي نتنياهو؟ عندما طرحت هذه النظرية بحذر قبل 6 – 7 أسابيع رد عليها مؤيدو نتنياهو بسيل من الازدراء، وأوضحوا بأن وسائل إعلام اليسار قصيرة النظر، تغفل مرة أخرى عن العبقرية الاستراتيجية لرئيس الحكومة وشريكه الرئيس الأمريكي. إن ثنائي ترامب – نتنياهو مصمم على دحر محور الشر الإيراني، ولن تنتهي الحرب حتى يتم تغيير النظام في طهران. لقد مر شهران على بدء الهجوم الأمريكي – الإسرائيلي، وتم تمديد وقف إطلاق النار عدة مرات، وأصبح واضحاً أن الأمور ربما تكون أكثر تعقيداً. 

ما زال استئناف القتال، بل ومحاولة إسقاط النظام، احتمالاً قائماً. وقد أمر ترامب جنرالاته بإعداد خطط لهجوم آخر، بما في ذلك على مواقع البنى التحتية المدنية في إيران. ربما يدفع تعنت النظام، انطلاقاً من موقع قوة متوهم، الأمريكيين إلى استئناف النشاطات العسكرية، بل وتصعيدها. ولكن ذلك ينطوي على مقامرة قد تؤدي إلى المزيد من التعقيد. وتواصل أسعار النفط الارتفاع، وقد تجاوزت بالفعل حاجز الـ 120 دولاراً للبرميل. 

إن تردد ترامب في اختيار الخيار العسكري، في ظل صعوبة التوصل إلى اتفاق، لا يترك له إلا الخيار الاقتصادي – استمرار الحصار لجنوب مضيق هرمز، على أمل أن يؤتي الضغط على الاقتصاد الإيراني ثماره في نهاية المطاف. وفي غضون ذلك، يمدد الرئيس وقف إطلاق النار مرة تلو الأخرى، ويبرر ذلك لنفسه بقصص عن استسلام الإيرانيين الفعلي، وعن استبدال القيادة كما يقول، بمجموعة أشخاص أكثر براغماتية. وفي الوقت نفسه،يهاجم بانتظام حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين بسبب رفضهم الانضمام لحرب لم يكلف نفسه عناء دعوتهم إليها مسبقاً. 

وغياب الحسم في الخليج يلقي هو الآخر بظلاله السلبية على إسرائيل. فرغم أن ترامب أوقف إطلاق النار في بداية نيسان وفرضه على الجيش الإسرائيلي، فإنه من المستحيل التحدث عن عودة الأمور إلى حالها. ففي مركز البلاد وجنوبها، بالكاد بدأت الجبهة الداخلية تتعافى من خمسة أسابيع من سقوط الصواريخ الإيرانية. وتنشغل وزارات الحكومة حالياً في علاج التأخر الناتج عن حالة الطوارئ. ومثلما تظهر الاستطلاعات، فإن الرأي العام في معظمه يدرك أن الحرب لم تحسم بعد، وأن الهدنة قد تكون مؤقتة، سواء في إيران أو في قطاع غزة. 

ثمة فجوة كبيرة بين ما يحاول نتنياهو تسويقه والواقع السياسي؛ ففي رواية رئيس الحكومة للأحداث، تعافت إسرائيل تحت قيادته بسرعة بعد مذبحة 7 أكتوبر، متجاهلا ًمسؤوليته عن التقصير الذي مكن من حدوثها – وهي الآن تتبنى سياسة أمنية مختلفة كلياً. ويتم التعامل على الفور مع أي تهديد حتى لو كان على بعد ألف كيلومتر، مثلاً، الأسطول الأوروبي المتوجه إلى غزة، الذي تم اعتراضه أمس قبالة شواطئ جزيرة كريت. لقد قتل كبار قادة الدول والمنظمات المعادية، وتم تدمير قدراتهم العسكرية. لا تكتفي إسرائيل بفرض سيطرتها على المنطقة، بل هي في عهد نتنياهو توسع حدودها من خلال ثلاثة أحزمة أمنية أقامتها جنوبي لبنان وهضبة الجولان السورية ونصف قطاع غزة. 

أشار العقيد المتقاعد أودي افينتال إلى الابتكارات والتناقضات في رواية نتنياهو، في مقال طويل ومبرر نشره الأسبوع الماضي في شبكة “اكس”. وكتب بأن رئيس الحكومة يركز على القوة العسكرية واستخدامها، ولا يتطرق إلى الترتيبات السياسية أو حتى السعي إليها. وبحسبه، يشهد مفهوم الأمن الإسرائيلي تحولاً عميقاً ومثيراً للجدل، وكدرس من أحداث 7 أكتوبر،يسوق نتنياهو فكرة الوقاية – “القضاء على التهديدات فور ظهورها، في جميع الجبهات، من خلال استخدام القوة وأحياناً بشكل غير متناسب، وبدون مراعاة قيود الموارد”. لذلك، هو ينحرف عن المبادئ التي وضعها دافيد بن غوريون، والتي استرشد بها كل رؤساء الحكومات بعده. فقد عملوا على خوض حروب قصيرة بقدر الإمكان، مع إدراك نقاط ضعف إسرائيل. 

يرى افينتال أن هذا التحول في الرؤية قد يضعف أمن إسرائيل. وحسب رأيه، انتقلنا “من سياسة سعت إلى إطالة فترة الهدوء بين الحروب، استناداً إلى إدارة المخاطر في مواجهة التهديدات والسعي إلى التوصل إلى تسويات، إلى سياسة تبقي على سلسلة من الحروب دون انقطاع ودون تحركات سياسية، بينما تستنزف موارد الدولة وتلقي عبئاً متزايداً على الجيش النظامي والاحتياط والاقتصاد”. 

ويقول العميد آساف اوريون، من معهد بحوث الأمن القومي، لـ “هآرتس” بأن الجمع بين نهج نتنياهو والموقف الذي وجدت فيه قيادة الجيش الإسرائيلي نفسها تجاه المستوى السياسي، نتيجة مسؤوليتها عن الإخفاقات المحيطة بالمذبحة، ترك إسرائيل بدون تخطيط استراتيجي: “في ظل غياب هذا التخطيط ينتهي بك الأمر إلى التفكير في الرغبات والأمنيات. هكذا تتعثر الأمور دون إتمامها. إذا كانت الطريقة الوحيدة لمنع إيران من امتلاك القنبلة النووي هي تغيير النظام، فإنك تؤمن بتغيير النظام دون السؤال إذا كان هذا هدفاً واقعياً. بقيت المحادثات مع الإيرانيين من مسؤولية ترامب. تنازلنا عن البعد السياسي، وننتظر استئناف الحرب. لقد وصلنا إلى حالة خيار واحد مزيف، بين نصر مطلق وكارثة أخرى مثل كارثة 7 أكتوبر”. 

يقول العميد احتياط أورن بأن استنزاف الموارد، الذي ذكره افينتال، ليس اقتصادياً فحسب؛ فهذا يظهر أيضاً في العبء على المقاتلين وازدياد عدد الجنود المنتحرين، وفي تقدير العدد الكبير من الإسرائيليين الذين يعانون من مشكلات نفسية حادة بسبب الحرب، فضلاً عن التراجع الكبير للتأييد الشعبي لإسرائيل في الولايات المتحدة. عندما تحدث نتنياهو في السنة الماضية عن رؤيته تحويل إسرائيل تحت قيادته إلى “إسبرطة عملاقة”، لم يكن ذلك مجرد ومضة عابرة. صحيح أنه تراجع في حينه أمام ردود الفعل المتوترة في الأسواق، ولكن طموحه بقي على حاله. 

    هل الهدف مقدس؟ 

إن الساحة الأكثر صعوبة ودموية في الوقت الحالي هي لبنان. يفترض أن ترامب قد فرض وقفاً لإطلاق النار هناك أيضاً، لكن لا إسرائيل ولا حزب الله التزما به. وفي ظل غياب اتفاق مع إيران، يصعب التوصل إلى اتفاق ملزم في لبنان. في النصف الثاني للعام 2025 بدأ جهاز الاستخبارات العسكرية يحذر من استعادة حزب الله لقدراته العسكرية في جنوب لبنان، وقد أوصى الجيش الإسرائيلي بـ “أيام قتال”، جولة هجمات كثيفة قد تؤدي إلى التصعيد وإطلاق النار من قبل حزب الله على البلدات في الشمال. ولكن الاحتجاجات الواسعة التي اندلعت في إيران في كانون الثاني وبداية الحرب هناك، أدت إلى تجميد الخطة. وعندما أطلق حزب الله بضعة صواريخ على الشمال رداً على اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، استغلت إسرائيل الفرضة وشن الجيش الإسرائيلي هجوماً على الحزب. 

ولكن الأمور لم تسر وفق الخطة التي تبين بعد ذلك بأنها لم تكن محكمة الإعداد، وأنها استخفت بالخصم بعد الضربة التي تعرض لها في الجولة السابقة في 2024. بسرعة، لاحظ حزب الله أن الجيش الإسرائيلي سيقاتله بنقص حاد بالقوة الجوية، بسبب التركيز الكامل على الهجوم في إيران. ونتيجة لذلك، أرسل الحزب عدداً أكبر من المقاتلين إلى جنوب لبنان لمواجهة القوات الإسرائيلية. ورغم أن نسبة الخسائر في الطرفين في الصراع الحالي هي تقريبا 1: 100 حسب الجيش، لكن حزب الله لا يظهر أي نية للاستسلام. ففي نظر قيادة الحزب، يعتبر الهدف – تغيير قواعد اللعب بحيث يمنع إسرائيل من مهاجمته – أمراً مهماً جداً إلى درجة التضحية بعدد كبير من رجاله. 

بعد إعلان ترامب وقف إطلاق النار في لبنان في منتصف نيسان، قلص الجيش الإسرائيلي عدد القوات المتبقية هناك. وفي الوقت نفسه، أدخل حزب الله سلاحاً جديداً إلى حملته، مثل طائرات مسيرة صغيرة متفجرة تعمل بالألياف الضوئية. هذه الطائرات المسيرة تحلق بارتفاعات منخفضة، ويتجنب بعضها الرادارات الإسرائيلية، ولأنها لا تعمل لاسلكياً، فإن نظام الحرب الإلكترونية التابع للجيش الإسرائيلي لا يمكنه تعطيل الاتصال معها وإسقاطها. ويكمن حل هذه المشكلة في نشر تدابير دفاعية مثل الشباك المموهة واتباع نهج عملياتي واستخدام السلاح الخفيف من الأرض. وقد أظهر فيلم فيديو يوثق أحد الأحداث عندما انفجرت طائرة مسيرة قرب مروحية تخلي مصابين، مدى صعوبة ذلك. في أحداث هذا الأسبوع، قتل جنديان ومدني وأصيب عشرات الجنود، معظمهم بهجمات الطائرات المسيرة. 

تتطور هنا مشكلة حقيقية وملحة تثير تساؤلات إضافية. فبما أن معظم قوات حزب الله في جنوب لبنان قد تضررت أو تراجعت نحو الشمال، فإن معظم نشاطات الجيش الإسرائيلي على الأرض يبدو وكأنها نسخة طبق الأصل لتحركات العام 2025 في قطاع غزة: تدمير منهجي للبيوت في القرى التي توصف بأنها بنية تحتية إرهابية. ويثير العدد الكبير من الضحايا التساؤلات في الوحدات نفسها: هل يبرر الهدف الأخطار الكبيرة التي يتعرض لها الجنود من الطائرات المسيرة؟ وتتمثل الصعوبة الإضافية في القرار الواضح لإنشاء نوع من المنطقة الأمنية في جنوب لبنان. لقد كان الهدف العلني إزالة خطر الصواريخ المضادة للدروع، التي تبعد حوالي 8 – 10 كم عن المستوطنات على الحدود. ولكن بعض الطائرات المسيرة الجديدة تحلق على مدى أطول بقليل، وتعاني المستوطنات الآن من إنذارات لا تنقطع.

عاموس هرئيل

هآرتس 1/5/2026

 

 



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *