لندن ـ “القدس العربي”:
عاد الجدل في الجزائر حول مخاطر تأثير “المال السياسي” بمناسبة الانتخابات التشريعية مع بدء الأحزاب إعداد القوائم التي ستنافس بها على البرلمان المقبل. وجاء هذا النقاش، على خلفية حديث منسوب لأحد المنتخبين المحليين في حزب سياسي، وهو ما دفع البعض للمطالبة بتدخل القضاء للتحقيق، خاصة في ظل تشديد قانون الانتخابات على معاقبة كل أشكال التمويل المشبوه للعملية الانتخابية.
وبحسب ما نقله موقع “توالى الجزائر”، فإن التسجيل الصوتي الذي انتشر على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، تطرق إلى تفاصيل تتعلق بترتيب الأسماء داخل القائمة الانتخابية والتوازنات المعتمدة، إضافة إلى ذكر أسماء مرشحين محتملين ومحاولات استقطابهم لدى حزب التجمع الوطني الديمقراطي على الموالاة. وتضمنت المحادثة مزاعم حول وجود مبالغ مالية مرتبطة بترشح بعض رجال الأعمال.
وأثار ورود اسم والي قسنطينة في أحد مقاطع التسجيل جدلًا، حيث نُسب إليه حديث عن “توصية” مرتبطة باختيار أحد الأسماء. غير أن الشخص المنسوب له التسجيل نفى، في منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أي علاقة لمسؤولي الولاية بعملية إعداد القوائم، مؤكدًا أن الاختيارات تظل شأنًا داخليًا للحزب. كما أصدرت مصالح ولاية قسنطينة بيانًا رسميًا نفت فيه بشكل قاطع أي صلة للإدارة بمضمون التسجيل، وشددت على “الحياد التام” في المسار الانتخابي، معتبرة ما تم تداوله “تفسيرات مغلوطة وافتراءات”.
وأشار موقع “توالى الجزائر” إلى أن هذه التوضيحات، سواء المنشور أو بيان الولاية، جرى حذفها لاحقًا من صفحات التواصل الاجتماعي، وهو ما أعاد إحياء النقاش بدل إنهائه، وفتح الباب أمام تساؤلات إضافية حول خلفيات القضية وتداعياتها.
ولم يشأ الأمين العام للتجمع الوطني الديمقراطي منذ بوذن التعليق على الواقعة، لكنه أكد بشكل غير مباشر في لقاء تلفزيوني أن الترشح في حزبه يخضع لشروط واضحة، هي الإلمام بمشاكل المواطنين وقدرة المترشح على التفاعل مع واجباته كمنتخب وأن يكون لديه قبول في المحيط الشعبي والاجتماعي. كما نشرت صفحة الحزب، تدوينات تدعو فيها لعدم الانسياق وراء تصريحات مغلوطة منسوبة لقائد الحزب، واعتبرت أن ثمة محاولات للنيل من التجمع والزخم الذي أحدثه حضوره الميداني.
ويأتي هذا الجدل في سياق قانوني ينظم بدقة تمويل الحملات الانتخابية وشروط الترشح. إذ ينص القانون العضوي رقم 21-01 المؤرخ في 10 مارس 2021 على أن تمويل الحملة يكون من مصادر محددة، تشمل مساهمات الأحزاب واشتراكات أعضائها، والمساهمة الشخصية للمترشح، والهبات المقدمة من المواطنين كأشخاص طبيعيين، إلى جانب مساعدات محتملة من الدولة. كما يحدد سقفًا لنفقات الحملة الانتخابية لا يتجاوز 2.5 مليون دينار عن كل مترشح في الانتخابات التشريعية.
كما تنص المادة 200 من القانون ذاته، في فقرتها السابعة، على شرط يتعلق بسمعة المترشح، حيث تشترط ألا يكون “معروفًا لدى العامة بصلته بأوساط المال والأعمال المشبوهة، أو تأثيره بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على الاختيار الحر للناخبين”. وقد استُخدم هذا المقتضى القانوني خلال انتخابات 2021 لإقصاء مئات المترشحين، في ظل جدل حول معايير تطبيقه.
وفي تفاعله مع القضية، اعتبر الصحافي محمد مولوج أن التسجيل الصوتي المتداول، سواء ثبتت صحته أو لم تثبت، يعكس ما وصفه بـ“تطبيع خطير” مع منطق المساومة السياسية، مشيرًا إلى أن أخطر ما ورد فيه هو الحديث عن تسعير محتمل للترشحات الانتخابية. ولفت إلى أن طرح مبالغ مالية في سياق الترشح كما لو كانت أمرًا اعتياديًا، يثير تساؤلات حول طبيعة الممارسات داخل بعض الأوساط السياسية. كما أشار إلى أن تداول مثل هذه المعطيات، في غياب توضيحات شاملة، يطرح مسألة التعامل مع الظاهرة، داعيًا إلى فتح تحقيقات رسمية من قبل الجهات المختصة، مع تأكيده أهمية دور القضاء والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات في ضمان شفافية المسار الانتخابي.
ويستحضر هذا النقاش سوابق شهدتها الساحة السياسية الجزائرية، لاسيما خلال الانتخابات التشريعية لسنة 2017، التي برزت خلالها قضية بيع وشراء مواقع في القوائم الانتخابية. وخلال محاكمة الأمين العام الأسبق لحزب جبهة التحرير الوطني جمال ولد عباس وعدد من المتهمين، كُشفت معطيات تتعلق بآليات ترتيب القوائم، حيث تحدث متهمون عن مبالغ مالية مقابل تصدر القوائم في بعض الولايات، إضافة إلى ضغوط مورست خلال إعدادها.
وتضمنت تلك القضية اعترافات بوجود عمليات تلقي أموال من راغبين في الترشح، مقابل ضمان مواقع متقدمة، كما أشارت التحقيقات إلى تدخلات على مستويات مختلفة في تشكيل القوائم. وقد شكلت هذه الوقائع أحد السياقات التي دفعت إلى تشديد الإطار القانوني المنظم للانتخابات في السنوات اللاحقة.
وفي نفس السياق، برزت خلال الانتخابات الرئاسية الأخيرة قضايا مرتبطة بجمع التوقيعات، حيث أعلنت النيابة العامة عن تورط بعض الراغبين في الترشح في شراء توقيعات منتخبين مقابل مبالغ مالية. وأظهرت التحقيقات سماع عشرات المنتخبين والوسطاء، مع تسجيل اعترافات بتلقي مبالغ مقابل منح التزكيات، ما أدى إلى متابعة المتورطين قضائيًا، وانتهى الأمر بسجن ثلاثة من الراغبين بالترشح، بينهم الوزير السابق بلقاسم ساحلي وسيدة الأعمال سعيدة نغزة.
وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون شدد على ضرورة “أخلقة الحياة السياسية”، وقد صرح في أول انتخابات تشريعية تجري في عهده سنة 2021 بأن عهدة “الكوطة” (الحصص التي تمنح للأحزاب خارج الصندوق) قد ولى، واصفًا ما كان يجري من قبل بـ“عهد الجاهلية”. وأكد، خلال زيارة قادته إلى مقر السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات قبيل الاقتراع آنذاك، أن القانون الانتخابي يتضمن أحكامًا صارمة لمعاقبة أي تجاوزات، خاصة ما يتعلق باستعمال المال الفاسد، معتبرا أن الهيئة المشرفة على الانتخابات تمثل “صمام أمان” لضمان نزاهة العملية وتعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات.