من التناقض إلى التنسيق… لماذا تغيرت العلاقة بين الجهاديين و”ثوار الطوارق” في مالي؟


نواكشوط – “القدس العربي”: فجأة ظهر جهاديو جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” في جنوب ووسط مالي، بل وسط العاصمة باماكو، وعناصر جبهة “تحرير أزواد” في شمالها وهم ينفذون ضمن تحالف منسق، لأول مرة، خ عسكرية محكمة لاقتلاع نظام أكويتا.

ولم تكن الأمور على هذا النحو من قبل، فجماعة “النصرة” غير راضية عن عناصر الجبهة لعدم انضمامهم لصفوفها، فيما ظلت الجبهة حريصة على إظهار بعدها التام عن الجهاديين المتطرفين خوفاً من أن تصنفها المجموعة الدولية ضمن قائمة “الإرهاب”. فما هي أسباب توصل “الثوار” و”الجهاديين” لتفاهم تام وتنسيق كامل؟ وكيف ستكون انعكاساته على الوضع في الساحل الإفريقي وعلى جمهورية مالي بؤرته الهشة على وجد التحديد؟

الأسئلة الجوهرية

ففي تطور لافت يعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة الصراع في منطقة الساحل، كشفت الهجمات المنسّقة التي شهدتها مالي نهاية الأسبوع عن مستوى غير مسبوق من التنسيق بين “جماعة النصرة” وعناصر “جبهة تحرير أزواد”، ما أعاد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل الدولة المالية وتوازن القوى في المنطقة.

فقد نفّذت “جماعة نصرة الإسلام والمسلمين”، بالتوازي مع عناصر جبهة “تحرير أزواد”، سلسلة هجمات متزامنة استهدفت عدة مدن، من العاصمة باماكو إلى معاقل الشمال مثل كيدال. وعكس هذا التنسيق الميداني، وفق مراقبين، انتقال الصراع من حالة التنافس بين الفاعلين المسلحين داخل مالي، إلى مرحلة “التحالفات الظرفية” ضد عدو مشترك هو السلطة العسكرية الحاكمة في باماكو.

من التنافس إلى التنسيق

لطالما مثّل كل من التيار الجهادي ومقاتلي أزواد مشروعاً متناقضاً في مالي. فـجماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” تسعى إلى فرض نموذج عابر للحدود قائم على أيديولوجيا جهادية مرتبطة بتنظيم “القاعدة”، معتمدة أساليب حرب العصابات والهجمات “الإرهابية” لإضعاف الدولة؛ وفي المقابل، تتمسك جبهة “تحرير أزواد” بمطلب استقلال أو حكم ذاتي لإقليم أزواد، مستندة إلى خلفية تاريخية واجتماعية مرتبطة بالطوارق.

لم تقتصر الهجمات الأخيرة على الأطراف النائية، بل طالت قلب السلطة في باماكو، في مؤشر على اختراق أمني خطير

غير أن ما بدا تناقضاً جذرياً لعقود، تحوّل اليوم إلى نوع من “التكامل البراغماتي”، فالحركات الانفصالية توفر المعرفة المحلية وشبكات النفوذ الاجتماعي، بينما تقدّم الجماعات الجهادية القوة النارية والخبرة القتالية والدعم اللوجستي العابر للحدود. ولا يعكس هذا التقاطع تقارباً أيديولوجياً بقدر ما يعكس إعادة تشكيل لخرائط النفوذ، حيث تتراجع الاعتبارات العقائدية لصالح حسابات ميدانية ظرفية.

تحالف جديد تماماً

ورغم توصيف هذا التقارب بأنه “تحالف ضد الطبيعة”، إلا أن سوابق تاريخية مشابهة تعود إلى بداية العقد الماضي. ففي 2012، شهد شمال مالي تحالفاً بين الحركة الوطنية لتحرير أزواد وجماعات جهادية مثل تنظيم “القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي” و”أنصار الدين”، قبل أن ينقلب هذا التحالف سريعاً إلى صراع دموي انتهى بإقصاء الثوار.

وتشير هذه التجربة التاريخية إلى أن مثل هذه التحالفات تبقى هشّة بطبيعتها، إذ تصطدم سريعاً بتناقض الأهداف الاستراتيجية لكل طرف؛ ومع ذلك، فإن فعاليتها التكتيكية في المدى القصير تجعلها قادرة على إحداث صدمات كبيرة في بنية الدولة.

ضربة في عمق السلطة

ولم تقتصر الهجمات الأخيرة على الأطراف النائية، بل طالت قلب السلطة في باماكو، في مؤشر على اختراق أمني خطير.

ويُعد مقتل وزير الدفاع المالي، صاديو كامارا، في هجوم استهدف مقر إقامته، تطوراً بالغ الدلالة، إذ يعكس هشاشة المنظومة الأمنية المالية حتى داخل الدوائر الأكثر تحصيناً.

وزاد هذا الحدث، إلى جانب التأخر في تواصل القيادة السياسية مع الرأي العام، من حالة الغموض والارتباك داخل النظام، وأثار تساؤلات حول قدرة نظام أكويتا على احتواء التهديدات المتصاعدة. كما أن استهداف شخصية محورية مثل الجنرال كامارا لا يمثل مجرد خسارة بشرية، بل يضرب أيضاً في عمق سلسلة القيادة العسكرية، ويضعف تماسك المؤسسة الأمنية.

إعادة رسم المشهد

وتلوح وراء هذه التطورات ملامح إعادة تشكيل أوسع للمشهد الأمني في منطقة الساحل، حيث بدأت خطوط الانقسام التقليدية بين “الجهاديين” وعناصر الجبهة، تتلاشى تدريجياً، لصالح تحالفات مرنة وعابرة.

ويأتي ذلك في سياق إقليمي معقّد، حيث تعيش مالي عزلة نسبية عن شركائها الغربيين، مقابل اعتماد متزايد على روسيا وتحالفها ضمن تحالف دول الساحل.

فالفجوة الأيديولوجية بين جماعة “نصرة الإسلام والمسلمين” وجبهة “تحرير أزواد” ليست تفصيلاً ثانوياً، بل تناقض جوهري يتعلق بطبيعة الدولة المنشودة: هل هي دولة قومية مستقلة للطوارق أم مشروع خلافة إسلامية عابرة للحدود؟

وبسبب هذا التناقض، فإن التحالف بين هذين الطرفين أقرب إلى “هدنة قتالية” منه إلى شراكة استراتيجية؛ فبمجرد اختلال ميزان القوة لصالح أحد الطرفين، أو تراجع الضغط على الدولة المالية، قد تعود الصراعات القديمة إلى الواجهة، وربما بوتيرة أعنف من السابق، لكن الإشكال الأعمق لا يكمن في دوام هذا التحالف أو انهياره، بل في قدرته، حتى لو كان مؤقتاً، على إحداث اختلالات عميقة في بنية الدولة، يصعب ترميمها لاحقاً.

تطرح الهجمات الأخيرة التي وقعت في مالي سؤالاً يتجاوز البعد الأمني: هل تواجه مالي أزمة نظام سياسي أم أزمة دولة؟

تبدو السلطة العسكرية أمام معادلة معقدة، فهي مطالبة بإظهار الحزم والسيطرة، وفي الوقت نفسه تواجه خصماً أكثر مرونة وتنظيماً

فاستهداف مراكز القرار، ومقتل شخصيات وازنة مثل صاديو كامارا، واختراق العمق الأمني، كلها مؤشرات على أن التحدي لم يعد محصوراً في الأطراف، بل انتقل إلى قلب الدولة.

كما أن طبيعة الرد الرسمي الذي ركّز على عدم الدخول المباشر في حرب ضد الجماعات المسلحة، تعكس إدراكاً متزايداً لصعوبة المواجهة التقليدية مع خصم يتكيّف باستمرار ويغيّر تكتيكاته بسرعة.

في هذا السياق، تبدو السلطة العسكرية أمام معادلة معقدة، فهي مطالبة بإظهار الحزم والسيطرة، وفي الوقت نفسه تواجه خصماً أكثر مرونة وتنظيماً، ضمن بيئة إقليمية ودولية متقلّبة.

العزلة والرهان

وتأتي هذه التطورات في لحظة حساسة من علاقات مالي الخارجية، حيث اختارت باماكو الابتعاد عن شركائها الغربيين، والتقارب مع موسكو ضمن إطار تحالف دول الساحل.

غير أن هذا التموضع يطرح تحديات عملية، فالدعم الخارجي، مهما كان حجمه، لا يمكن أن يعوّض غياب بنية أمنية داخلية متماسكة أو شرعية سياسية قادرة على تعبئة المجتمع في مواجهة التهديدات، بل إن مراقبين لهذا الملف يرون أن تضييق هامش الشراكات الدولية قد يحدّ من خيارات باماكو، ويجعلها أكثر عرضة للضغط في حال تصاعدت الهجمات أو توسّعت رقعتها.

ولم تعد التحذيرات من انتقال العدوى الأمنية إلى دول الجوار مجرد سيناريوهات نظرية؛ فالنموذج الذي يتشكل اليوم تحالفات مرنة بين جماعات متباينة قد يصبح قابلاً للاستنساخ في بيئات مشابهة تعاني هشاشة الدولة وضعف السيطرة على الأطراف.

وهنا تكمن الخطورة، ليس فقط في قوة هذه الجماعات، بل في قدرتها على التكيّف وإعادة تشكيل نفسها وفق الظروف، بما يجعل مواجهتها أكثر تعقيداً.

مقاربة إقليمية جديدة

أمام هذا المشهد يتزايد الإجماع بين الخبراء على أن المقاربات الوطنية لم تعد كافية؛ فطبيعة التهديد أصبحت عابرة للحدود، وكذلك يجب أن تكون الاستجابة للتهديد.

ولعل غياب تنسيق فعّال بين دول المنطقة، سواء ضمن المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا أو الأطر الجديدة مثل تحالف دول الساحل، يمنح الجماعات المسلحة أفضلية استراتيجية.

يذهب بعض المحللين إلى أن الأولوية لم تعد فقط عسكرية، بل تشمل أيضاً إصلاح أنماط الحكم، ومعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية

ويذهب بعض المحللين إلى أن الأولوية لم تعد فقط عسكرية، بل تشمل أيضاً إصلاح أنماط الحكم، ومعالجة الأزمات الاجتماعية والاقتصادية، وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمعات المحلية.

ما كشفته أحداث مالي الأخيرة أنه حين تلتقي قوى متعارضة تاريخياً على أرضية مصلحة مشتركة، فإن ذلك يعني أن طبيعة الصراع نفسها قد تغيّرت. ويضع هذا التحول دولة مالي ومعها دول الساحل، أمام اختبار حاسم وهو إما التكيّف مع هذا الواقع الجديد عبر بناء استراتيجيات مرنة وشاملة، أو مواجهة خطر التآكل التدريجي أمام خصوم يتقنون لعبة التحالفات المؤقتة.

وفي كلتا الحالتين، يبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون امتداداً لما سبق، بل بداية فصل جديد أكثر تعقيداً في تاريخ الصراع بمنطقة الساحل.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *