العراق: معضلة رئيس مجلس الوزراء!


قلنا في مقال سابق إن منصب رئيس مجلس الوزراء، الذي يحتكر، في الواقع، السلطة التنفيذية بعيدا عن مجلس الوزراء، يخضع لاشتراطات ثلاثة فاعلين: إيران والولايات المتحدة والنجف، وأنه يبقى رهينا لاشتراطات الفاعلين السياسيين الشيعة الذين قرروا بدايةً من عام 2014، أنهم يريدون رئيس مجلس الوزراء بصفة «ساعي بريد» لديهم، وليس رئيسا فعليا، وهو ما يحيّد تماما الخبرة والكفاءة والنزاهة وطبيعة الأداء السياسي والاقتصادي، عن محدّدات الترشح لهذا المنصب.
لم يكن ترشيح رئيس مجلس الوزراء سلسا طوال السنوات الثلاث والعشرين الماضية، باستثناء ما جرى عام 2018 حين ترشح عادل عبد المهدي في سياق صفقة بين تحالفي البناء وسائرون، في محاولة لإيقاف هيمنة حزب الدعوة الذي احتكر هذا المنصب على مدى 13 عاما؛ ففي عام 2005، كان هناك انقسام حاد داخل الائتلاف الوطني الذي كان يضم القوى الشيعية، حول مرشح رئاسة مجلس الوزراء، وحسم الأمر لصالح ابراهيم الجعفري بفارق صوت واحد فقط. وفي العام 2006، وعلى الرغم من الاتفاق داخل الائتلاف العراقي الموحد، الذي كان يضم القوى الشيعية، على ترشيح ابراهيم الجعفري لدورة ثانية، إلا أن الفيتو الأمريكي المدعوم برفض سني وكردي لهذا الترشيح، في مقابل تمسك الجعفري، عطَل تشكيل الوزراء لستة أشهر كاملة، لينتهي الأمر بتدخل المرجع الشيعي الأعلى لإجبار الجعفري على الانسحاب!
تحول الأمر في العام 2010، إلى مشهد دراماتيكي حين فازت القائمة العراقية التي يرأسها إياد علاوي بالعدد الأكبر من المقاعد، بسبب دخول القوى السياسية الشيعية لأول مرة بتحالفين (دولة القانون والائتلاف الوطني العراقي)، بدلا من تحالف واحد، مما أجبر الفاعلين السياسيين الشيعة إلى التحالف مرة أخرى بعد الانتخابات، واستصدار قرار مسيس من المحكمة الاتحادية العليا ينص على أن «الكتلة الأكثر عددا» التي ترشح رئيس مجلس الوزراء هي ليست الكتلة الفائزة بالانتخابات، بل الكتلة التي تتشكل بعد الانتخابات، لضمان عدم خروج منصب رئيس مجلس الوزراء من الحيازة الشيعية.
إلا أن هذا الاتفاق لم يسر على مرشح رئاسة مجلس الوزراء، فقد رفض مقتدى الصدر وعمار الحكيم، عودة نوري المالكي لولاية ثانية ما أدى إلى تأخر تشكيل الحكومة قرابة ستة أشهر، قبل أن يتدخل الايرانيون عبر قاسم سليماني، لإقناع الصدر بقبول التجديد للمالكي، في مقابل حصوله على ضعف حصته في الحكومة!
عام 2014، كنا أمام مشهد لا يقل دراماتيكية بسبب إصرار المالكي على الولاية الثالثة، وحصوله على دعم «اتحاد القوى الوطنية» السني (الذي تشكل بعد الانتخابات وضم الحزب الإسلامي وحركة الحل وجبهة الحوار الوطني فضلا عن نواب انشقوا عن قوائمهم وانضموا الى هذا التحالف) لكن رفض المرجع الأعلى السيد علي السيستاني لفكرة عودة المالكي، أحدث انشقاقا داخل حزب الدعوة، دعمته القوى الشيعية الأخرى المناوئة للمالكي، وهو ما أفضى في النهاية إلى ترشيح حيدر العبادي لهذا المنصب.
وبعد استقالة عادل عبد المهدي عام 2020 نتيجة لاحتجاجات تشرين وتبعاتها، كان هناك صراع شديد على ترشيح رئيس مجلس الوزراء البديل، وبالفعل فشل المرشح المكلف محمد توفيق علاوي في تشكيل الحكومة، ليكلَف رئيس الجمهورية عدنان الزرفي بتشكيل الحكومة، ويفشل هو الآخر، وهو ما أدى إلى التوافق على ترشيح مصطفى الكاظمي في النهاية.
بعد الانتخابات المبكرة التي جرت عام 2021، كان الصراع هذه المرة أكثر حدة بين القوى الشيعية، ولم يحسم هذا الصراع إلا بتدخل الايرانيين بشكل مباشر، عبر استصدار قرار «ديليفري» من المحكمة الاتحادية العليا؛ قضى بأن نصاب الجلسة الأولى لانتخاب رئيس الجمهورية هو الثلثين، وهو ما مكَن القوى الحليفة لإيران من تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية، وبالتالي منع تكليف مرشح الكتلة الأكثر عددا، جعفر الصدر، لينتهي الأمر باستقالة نواب التيار الصدري، وإعادة صياغة علاقات القوة داخل المجلس بعد صعود النواب البدلاء، ثم ينتهي الأمر إلى ترشيح محمد شياع السوداني لرئاسة مجلس الوزراء.

 من غير المنطقي بالتأكيد انتظار «مفاجآت» اقتصادية وسياسية من دولة فاشلة، ومن نظام سياسي هجين غير قابل للإصلاح

الآن، وبعد تجاوز للتوقيتات الدستورية استمر لأكثر من 100 لتمرير رئيس الجمهورية، ومن ثم تكليف رئيس مجلس الوزراء، حسم الأمر لصالح مرشح تسوية لم يكن مرشحا أصلا ضمن قوام المرشحين المعلنة، ولم يكن لديه أي حضور سياسي قبل لحظة الترشيح، وغير محسوب على جهة أو مدعوم من أي كتلة داخل مجلس النواب، ومع هذا افترض من جاء به أنه قادر على مواجهة تبعات الأزمة الإقتصادية الحادة التي يمر بها العراق، ليس فقط بسبب إغلاق مضيق هرمز الذي أفقد العراق قدرته على تصدير أكثر من 100 مليون برميل شهريا، أي ما نسبته 93.8% من صادراته، وبالتالي فقدان إيرادات تزيد على 6 مليارات دولار شهريا (بأسعار ما قبل الحرب)، واضطراره لوقف الإنتاج في عدد كبير من حقوله النفطية، وهو ما يعني استمرار خسارة هذه الإيرادات على مدى أشهر بعد لحظة إعلان وقف الحرب رسميا، من أجل العودة إلى مستويات ما قبل وقف الإنتاج، بل أيضا بسبب سياسة الإفراط في الإنفاق التي اعتمدتها حكومة محمد شياع السوداني على مدى السنوات الثلاث السابقة. وهو ما سيضطر الحكومة القادمة إلى الاستخدام غير القانوني لاحتياطات البنك المركزي العراقي لتمويل هذا العجز (قانون البنك المركزي العراقي يحظر إقراض للحكومة).
يأتي هذا في سياق ضغوط أمريكية صريحة فيما يتعلق بتسليم شحنات الدولار (الكاش) إلى العراق من حساباته الموجودة في الولايات المتحدة الأمريكية، ففي نهاية نيسان/ أبريل 2016 علقت وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الاحتياطي الفيدرالي تسليم شحنة قيمتها 500 مليون دولار، فيما أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية أن هذا الإجراء مؤقت، من دون تحديد تاريخ لإرسالها!
سياسيا أيضا يواجه رئيس مجلس الوزراء المكلف تحديات حقيقية فيما يتعلق بالموقف من الميليشيات، فثمة فيتو أمريكي معلن تجاه مشاركتها في التشكيلة الحكومية، مع أن الجميع يعرف أن هذه الميليشيات تمتلك أكثر من 90 نائبا في مجلس النواب! وبالتالي لا أحد يعرف كيف يمكن، عمليا، منع ميليشيا عصائب أهل الحق، على سبيل المثال التي تمتلك 27 مقعدا في مجلس النواب، من الوصول إلى حصتها (سيكون لديها وزيران على أقل تقدير) خاصة أن الوزارة في العراق لا تعني التمثيل السياسي، بقدر ما تعني الريع والاستثمار في المال العام!
وثمة أيضا شروط أمريكية معلنة حول تفكيك هذه الميليشيات خاصة بعد تصنيف ستة من هذه الميليشيات بأنها «منظمات إرهابية أجنبية FTO»، ووضع جائزة مالية على رأس ثلاثة من زعماء هذه الميليشيات، ولم يقف الأمر عند هذه الإجراءات، بل إن الولايات المتحدة واجهت هذه الميليشيات مواجهة عسكرية مباشرة في سباق الحرب الأمريكية الايرانية. وبالتأكيد فإن قصف هذه الميليشيات للكويت والسعودية والإمارات والأردن وسوريا، سيكون له تداعيات أخرى، لن تقف عند حدود الأمريكيين وحدهم.
من غير المنطقي بالتأكيد انتظار «مفاجآت» اقتصادية وسياسية من دولة فاشلة، ومن نظام سياسي هجين غير قابل للإصلاح، لهذا لا يمكن لأحد، مهما كان مفرطا في تفاؤله، أن يتوقع شيئا غير الدوران في الحلقة المفرغة نفسها التي يقبع فيها العراق منذ أكثر من عقدين!

٭ كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *