عمان – “القدس العربي”: صعب جدا تجاوز تلك المحطة التي برزت في المشهد السياسي والوطني في الأردن، حيث أعلن ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله، أن “التمسك بأساليب الأمس ليس خيارا”.
الأمير الشاب وعلى هامش رعايته للدفعة الأولى من خريجي مشروعه المباشر في “عودة خدمة العلم العسكرية”، تحدث عن “رسوخ وثبات القيم الأردنية”، لكنه أقرن ذلك بعبارة مضمونها “ردع أو حتى منع” التمسك بـ “أساليب الماضي”.
تلك عبارة أشبه بمطرقة سياسية وبيروقراطية وإدارية على جدار الواقع في الإدارة العامة، خصوصا في ظرفها الزمني وموقعها المكاني.
مكانياً، ولي العهد طرح مقاربته بخصوص أساليب الماضي في عمق مؤسسة القوات المسلحة، وعلى هامش تخريج أول دفعة من منتسبي خدمة العلم العسكرية بعد عودتها بقرار “سيادي” منذ عدة أشهر فقط، بما تطلب تعديل بعض الأنظمة والقوانين وإضفاء طابع “تنموي” على الملف. زمانياً، واضح أن خطاب ولي العهد ينطوي على تفويض مباشر يوحي بالاستعداد لـ”أدوات وبرامج” جديدة مستحدثة في الإدارة العامة للملفات والأولويات والأهم “التحديات”، وفقا لما يقدره الخبير السياسي البارز، جواد العناني وهو يتحدث لـ”القدس العربي” عن “حزمة تحديات متناسلة” فرضتها إيقاعات الحرب الأخيرة والقائمة حتى الآن في المنطقة ضد إيران.
ولي العهد طرح مقاربته بخصوص أساليب الماضي في عمق مؤسسة القوات المسلحة، وعلى هامش تخريج أول دفعة من منتسبي خدمة العلم العسكرية بعد عودتها بقرار “سيادي”
ولي العهد تحدث مباشرة عن التطورات التصعيدية، التي تجتاح المنطقة وتتطلب أقصى طاقات الحرص على “الأردن أولا” ومصالح المملكة.
وبرزت إشارة الأمير الشاب عملياً، في ظل “حراك نشط” يلمسه الأردنيون بكثافة لمبادرات مؤسسة ولاية العهد حيث التفاعل الإيجابي المتقدم مع الملفات والتفاصيل، ثم مع الاحتياجات والأولويات للأردنيين ولمؤسساتهم ودولتهم.
تلك العبارة عن “أساليب الأمس” تشخيصية بامتياز وتصدر عن أعلى هرم في الدولة، وتؤسس لجملة متغيرات مرتبطة ليس بحسابات السياسة الداخلية فقط، ولكن في إبلاغ الجمهور والرأي العام، وحتى إبلاغ كل جهات الاختصاص أو الجهات التي يهمها الأمر بأن الأمور تغيرت ومؤسسة ولاية العهد وبصورة مرجعية وموثوقة، هي التي ستتفاعل أكثر مع تفاصيل التحديث والتطوير بمعناه الإداري.
الغطاء المرجعي متوفر
القصد هنا، أن الغطاء المرجعي متوفر لعملية الإصلاح الإداري وتحديث الخيارات والأساليب، والمستوى السيادي سيراقب الإجراءات، مما يكشف عن جزء من طبيعة “واجبات الحكومة والمؤسسات” في المرحلة اللاحقة.
يمكن هنا الانتباه جيدا الى أن قاعدة استبعاد أساليب الأمس لا تصدر لا عن مؤتمر شبابي أو عن منبر حواري، بل عن منابر المنظومة العسكرية السيادية، وفي إطار مشروع خدمة العلم وسياق “مخاطبة الشباب” الذين دفعهم الأمير للحماس والتفاؤل بالمستقبل والمشاركة في صناعته.
تلك واقعة شكلية في الدلالة الرمزية لما قاله الأمير لا يمكن إسقاطها من الحسابات العميقة، خصوصا وأنها تتصدر إعلاميا في سياق ظرفي يترقب فيه الجميع في الوسطين السياسي والبرلماني “تغييرات ومتغيرات” مهمة في مواقع محددة لمفاصل القرار في الدولة.
الأهم أن مشروع خدمة العلم نفسه أشرف عليه بداية الأمير الحسين ليغذي سعي الدولة لتوحيد الأردنيين، وشكل مطلبا شعبيا ملحا طوال مرحلة ما بعد الحرب الدموية ضد أهالي قطاع غزة، وفي أثناء التصورات السياسية والأمنية والهواجس التي توسعت وسط الأردنيين، وحتى وسط مؤسساتهم بعنوان “تصفية القضية الفلسطينية” ومخاطر التكيف مع اليمين الإسرائيلي وخططه التوسعية.
عليه، لم يكن مشروع عودة خدمة العلم مجرد استجابة لحكومة ترتدي ثوب الليبرالية والتحديث، وتؤشر على الجانب التنموي في المشروع، بل رسالة أثارت الكثير من النقاشات بعنوان الهواجس والمخاطر الإسرائيلية حصرا تحت وابل من الدعوات لـ”تسليح الشعب” وتدريب الشباب والصبايا معا على استعمال السلاح وفق دعوة علنية تقدم بها عدة مرات السياسي ممدوح العبادي.
كل من تناول في التعليق والمتابعة القرار الجريء قبل عدة أشهر بإحياء خدمة العلم تطرق للتحديات التي يفرضها إيقاع اليمين الإسرائيلي الإجرامي على الشعبين الفلسطيني والأردني
لذلك تستقر على الأرجح، حتى برأي العبادي وغيره، بعض “الرسائل السياسية الباطنية” في محاولة مؤسسة ولاية العهد الإجابة على سؤال المستقبل: “كيف ينبغي أن تدار الأمور بعد الآن؟ وهل تستمر المؤسسات باستخدام الأساليب القديمة؟
الإجابة على سؤال بهذا الحجم يطرحه الأردنيون يوميا وفي كل المجالات كانت مباشرة على الأقل في لهجة ولي العهد الذي يتقدم الآن علنا بخطوات واسعة في دعم “سيناريو التحديث ” الذي حظي برؤية ملكية أبوية داعمة وعدة مرات وفي كل المناسبات.
الإجابة في الواقع تتضمن تفهم التحديات التي تواجهها الدولة الأردنية وتطلبت أصلا العودة لبرنامج إحياء خدمة العلم العسكرية للشباب، وإن كان بالتدريج والتقسيط. التحديات العميقة للأمن القومي الأردني ومن دون شكوك جيوسياسية، كما يرى العناني، عنوانها مصالح الأردنيين دولة وشعبا في مواجهة خطط التوسع لليمين الإسرائيلي.
كل من تناول في التعليق والمتابعة القرار الجريء قبل عدة أشهر بإحياء خدمة العلم تطرق للتحديات التي يفرضها إيقاع اليمين الإسرائيلي الإجرامي على الشعبين الفلسطيني والأردني.
الملف الإسرائيلي
ورغم أن الحكومة حرصت على إخفاء هذه الدلالة السياسية في مشروع خدمة العلم، إلا أن الانطباع تكرس في ذلك السياق، مما يمنح الفرصة تحليليا على الأقل للإشارة إلى أن الملف الإسرائيلي نفسه قد يصبح جزءا أساسيا في سلسلة “مراجعات” تبدأ فقط من عند التنصل من “أساليب الماضي”.
الأهم، في خطاب الأمير، أنه وضع بعض النقاط على بضعة حروف وأعاد الترسيم والترقيم عندما أوحى بمراجعات إدارية عليا قد تبرز لاحقا.
العبارة الخاصة بـ”أساليب الماضي لم تعد خيارا” جريئة وتشخيصية وتطرق باب الخزان وصعب تأويلها خارج سياقها، وإن كانت تعني أو قد تعني الكثير لاحقا.