القاهرة – “القدس العربي”: طالبت الحركة المدنية الديمقراطية الحكومة المصرية بالتوقف عن نهج الاقتراض، واتباع سياسات اقتصادية تهدف في المقام الأول لخدمة المواطن وتحسين أوضاعه الاجتماعية والحياتية، وترشيد الإنفاق الحكومي.
جاء ذلك توصيات ومخرجات المؤتمر الاقتصادي الثاني لها، الذي عقد تحت عنوان “تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري”.
وقالت الحركة، التي تضم عددا من أحزاب المعارضة والشخصيات العامة، إن الاقتصاد المصري يواجه ضغوطًا مركبة تتفاقم مع تحديات هيكلية أبرزها ارتفاع خدمة الدين، وضعف القاعدة الإنتاجية، والاعتماد النسبي على الاستيراد.
وأكدت أنها تستهدف تقديم حزمة سياسات متوازنة تحقق أمرين على التوازي هما تخفيف الضغوط الاقتصادية على المواطن بشكل سريع وأيضاً على القطاع الإنتاجي، والحفاظ على مسار إصلاح هيكلي اقتصادي متوسط وطويل الأمد دون إحداث صدمات اجتماعية.
وأقرت عدداً من التوصيات، جاء من بينها الاستفادة من مقومات الاقتصاد المصري ونقاط قوته والآثار المترتبة للحرب الأمريكية الصهيونية على إيران لوضع خطة اقتصادية لتحويل الأزمات إلى فرص، وإعادة تقييم دور الدولة وأجهزتها من خلال تعزيز دورها في بعض القطاعات مثل التعليم والصحة والتخارج من أخرى مثل القطاعات التجارية، مع تطبيق مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص وإعادة النظر في هيكلة الوزارات الحكومية عبر دمج الوزارات المتقاطعة في عملها.
كما تضمنت التوصيات وضع برنامج قائم على أولويتي الأمن الغذائي والطاقة، وتطوير وتوسيع مصادر الطاقة خاصة الطاقة المتجددة، والتوسع في إنشاء المناطق الصناعية المخصصة لصناعات بعينها وجذب الاستثمارات والصناعات المكملة لها، والعمل على تحقيق الاكتفاء الذاتي في قطاع الأمن الغذائي وتطوير قطاع الاستثمار الزراعي وخلق مميزات تنافسية.
وأكدت الحركة أن الإصلاح السياسي والتشريعي الذي يؤسس لترسيخ مبادئ الحكم الرشيد والتوسع في الحريات العامة وحقوق الإنسان يمثل شرطًا أساسيًا لخلق مجتمع مدني قوي وفعال، مشددة على أنه من دون ذلك لن يتحقق إصلاح اقتصادي حقيقي ومستدام.
ملف الديون
وخلال فعاليات المؤتمر، أكد طلعت خليل، المنسق العام للحركة، أن ملف الديون في مصر تفاقم بصورة خطيرة، ما ألقى بتداعياته على العديد من القطاعات والملفات الاقتصادية، مشددًا على ضرورة وضع توصيات واضحة للتعامل مع أزمة الدين العام.
وأوضح أن الديون أصبحت تمثل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة للدولة، قائلاً إن هناك حاجة للتواصل مع الدائنين والعمل على إعادة ترتيب آليات سداد الديون بما يخفف الأعباء عن المواطنين ولا يضيف ضغوطاً جديدة على الشعب.
انتقد حسن، السياسات الاقتصادية الراهنة، واصفاً إياها بأنها “اقتصاد التبعية” الذي حوّل مصر إلى سوق استهلاكي لمنتجات الدول الأخرى
ولفت إلى أن المؤتمر الاقتصادي المنعقد يناقش تداعيات الحرب الأمريكية على إيران وانعكاساتها على الاقتصاد المصري، مؤكداً أن الاقتصاد تأثر بشكل كبير بالأحداث الجارية في المنطقة. وأضاف أن المشاركين في المؤتمر يسعون للخروج بتوصيات عملية ومحددة لدعم الاقتصاد المصري ومواجهة التحديات الراهنة، معرباً عن أمله في أن تتعامل الحكومة بجدية مع هذه التوصيات وتعمل على تنفيذها.
وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من العام الماضي، ليسجل 163.7 مليار دولار بنهاية سبتمبر/ أيلول، مقابل 161.23 مليار دولار في يونيو/ حزيران، حسب بيانات البنك الدولي. فيما ارتفع الدين المحلي بنهاية يونيو/ حزيران الماضي بنسبة 3.5% ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه، مقابل 10.685 تريليون جنيه خلال الربع الأول من العام نفسه، حسب بيانات وزارة التخطيط.
اقتصاد التبعية
وانتقد عمار علي حسن، الكاتب والباحث السياسي، السياسات الاقتصادية الراهنة، واصفاً إياها بأنها “اقتصاد التبعية” الذي حوّل مصر إلى سوق استهلاكي لمنتجات الدول الأخرى. وأكد أن الأزمة أعمق من مجرد أرقام، فهي تكمن في الفساد الإداري وتغليب الولاء على الكفاءة، ما أدى لخسائر فادحة في مشروعات قومية تفتقر للدراسات والجدوى. وشدد على أن انتزاع الموارد من الشعب أدى لتهميش إمكانات المجتمع، لا سيما طاقته الشبابية، مؤكداً أن الحل الاقتصادي هو في المقام الأول “حل سياسي”.
وحذر من أن تفاقم الضغوط المعيشية والحديث عن “ثورة جياع” يعكس غياب الأمان المجتمعي، مشدداً على أن استقرار الدولة مرهون باستعادة رضا رجل الشارع، وأن الاستمرار في نهج القروض وتجاهل احتياجات الناس يعبر عن استخفاف بقدرة هذا الشعب على التغيير. وطالب حسن بضرورة صياغة استراتيجية وطنية تتجاوز الارتجالية، مؤكداً أن غياب سيادة القانون وانتهاكات الدستور تنفر الاستثمار، وأن مصر في حاجة لبرنامج إنقاذي يعيد السياسة كرافعة للاقتصاد، بدلاً من بقاء الدولة في حالة عناية مركزة دائمة.
حالة هشاشة
أما جودة عبد الخالق، وزير التضامن الأسبق وأستاذ الاقتصاد في جامعة القاهرة، فقد شن هجوماً حاداً على السياسات الاقتصادية الراهنة خلال مشاركته في المؤتمر، مؤكداً أن الاقتصاد المصري يعاني من حالة هشاشة بنيوية تجعله عاجزاً عن تحمل الهزات الخارجية، مشبهاً إياه بمرض هشاشة العظام الذي يصيب الجسد بالضعف مع أي صدمة.
وبين أن الاقتصاد تعرض لعملية تجريف ممنهجة عبر تصفية كيانات صناعية وطنية كانت قادرة على الاستمرار، مثل شركتي الحديد والصلب والكوك، فضلاً عن تدهور قطاع الغزل والنسيج وزراعة القطن، مما أفرغ الهيكل الإنتاجي من محتواه وجعل الدولة تعتمد بشكل مفرط على المساعدات الخارجية والأموال الساخنة بدلاً من الإنتاج والادخار المحلي.
وانتقد ما سماه “الثالوث المستحيل” الذي تعيشه السياسة النقدية المصرية، والمتمثل في محاولة الجمع بين استقرار سعر الصرف، وجذب الأموال الساخنة، واستقلالية السياسة النقدية، مؤكداً أن هذا النهج تسبب في خسائر اقتصادية فادحة وأدى إلى ارتفاع الأسعار وإعادة توزيع الدخل بشكل خطير وغير عادل لصالح فئات على حساب أخرى، خاصة منذ اتفاق عام 2016 مع صندوق النقد الدولي، الذي وصفه بـ “برنامج الإفساد الوطني”.
عبد الخالق شن هجوماً حاداً على السياسات الاقتصادية الراهنة ، مؤكداً أن الاقتصاد المصري يعاني من حالة هشاشة بنيوية
وشدد على رفضه لفكرة “الحتمية” في الاتفاق مع الصندوق، مؤكداً وجود بدائل وطنية عديدة تم طرحها، منها فرض ضريبة على الأموال الساخنة للحد من خروجها المفاجئ، وهو مقترح لاقى إجماعاً في الحوار الوطني لكن الحكومة تجاهلته تماماً.
ولفت إلى أن تجميد عضويته في الحوار الوطني جاء نتيجة لعدم جدية الحكومة في الأخذ بتوصيات سبتمبر/ أيلول 2022، بل قيامها بتنفيذ سياسات معاكسة تماماً لما اتفق عليه المشاركون، داعياً في الوقت ذاته إلى ضرورة “فطم” الحكومة عن سياسات الاقتراض الخارجي والإيمان بأن مفاتيح النجاة تكمن في الداخل وليس في الخارج.
واختتم كلمته مؤكداً أن الأزمة ليست عصية على الحل إذا صدقت النوايا، مقترحاً حزمة إصلاحات تبدأ من ترشيد الهيكل الحكومي المترهل عبر دمج الوزارات لتقليل الهدر، وإعادة النظر في ثقافة الاعتماد على الحلول الخارجية، مع التركيز المطلق على تحقيق الأمن القومي الغذائي والطاقة.
في حين، أكد أحمد جلال، وزير المالية الأسبق، أن العالم بات يعيش في حالة دائمة من الصدمات الاقتصادية التي أصبحت الوضع الطبيعي الجديد، مشيراً في كلمته خلال المؤتمر الاقتصادي الثاني للحركة المدنية الديمقراطية إلى أن أزمة الحرب الإيرانية وما تبعها من اضطرابات في سلاسل الإمداد ومضيق هرمز ليست سوى حلقة في سلسلة أزمات عالمية متلاحقة.
وأوضح أن قدرة الدول على الصمود أمام هذه الصدمات تتباين بشكل كبير، واصفاً إجابة السؤال حول مدى استعداد مصر لهذه التحديات بأنها رمادية، حيث يمتلك الاقتصاد المصري ميزات نسبية قوية وتنوعاً هيكلياً وموقعاً جغرافياً فريداً وعمالة ماهرة، تجعله أكثر قوة مما يتصور البعض، على عكس دول أخرى تعتمد على مورد واحد.
وفي المقابل، أشار وزير المالية الأسبق إلى وجود جوانب مظلمة تتمثل في تشوهات سياسات اقتصادية تعيق استغلال هذه الميزات، مثل الانحياز المفرط للقطاع العقاري على حساب القطاعات الإنتاجية، وضعف الشمول المالي، والسياسات النقدية التي لا تزال تحتاج إلى تطوير، بالإضافة إلى الخلل الذي ظهر في ملف تصفية المصانع، مطالباً بضرورة وجود أجهزة مستقلة لمراقبة الأسواق ومواجهة الاحتكار.
الصادي: الاقتصاد المصري يمتلك مقومات قوية، مرجعاً حالة الهشاشة الراهنة إلى سوء إدارة السياسات الاقتصادية لا إلى ضعف الاقتصاد ذاته
وأكد أن التحدي الحقيقي يكمن في غياب صياغة سياسات اقتصادية جيدة في التوقيت المناسب، مشدداً على حاجة مصر لبرنامج وطني شامل يعيد للاقتصاد قدرته على المنافسة والإبداع، ومثنياً في الوقت ذاته على التوجهات الأخيرة في الموازنة العامة فيما يخص زيادة الإنفاق على التعليم والصحة والحماية الاجتماعية.
واختتم جلال كلمته بالتأكيد على أهمية أن تتعامل الحكومة بجدية مع مخرجات الحوار الوطني، الذي وضع خطة متكاملة لحل مشكلات الاقتصاد، مشدداً على ضرورة تبني نهج موضوعي في تناول الملفات الاقتصادية الحساسة لضمان تجاوز الأزمات الراهنة.
كذلك اعتبر حسن الصادي، أستاذ اقتصادات التمويل، أن الاقتصاد المصري يمتلك مقومات قوية، مرجعاً حالة الهشاشة الراهنة إلى سوء إدارة السياسات الاقتصادية لا إلى ضعف الاقتصاد ذاته.
وأوضح أن الحرب الأمريكية الإيرانية أفرزت تداعيات دولية معقدة، مشيراً إلى أن الصين تعاملت بحكمة اقتصادية فائقة عبر تأمين احتياطياتها من المحروقات، في حين تواجه دول أخرى أزمات مالية.
ثورة إنتاجية
ودعا الدولة المصرية إلى ضرورة حسم توجهاتها في السياسة الخارجية والاصطفاف الاستراتيجي، معتبراً أن علاج التضخم لا يكمن في السياسات النقدية وحدها، بل في ثورة إنتاجية تزيد المعروض السلعي.
كما طالب بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية للإنفاق، بحيث يتم توجيه الاستثمارات نحو “البنية البشرية” (التعليم والتثقيف) بدلاً من التركيز المطلق على البنية التحتية الإنشائية، مع تأييده لرفع الدعم بشرط ربطه ببرامج حقيقية للحماية الاجتماعية وخلق فرص عمل.