القواعد الأمريكية.. رصيد أم عبء؟


لقد أعادت الحرب مع إيران إشعال جدل قديم في الشرق الأوسط: هل تُعدّ القواعد العسكرية الأمريكية رصيدًا استراتيجيًا أم عبئًا؟ اشتدّ الجدل بعد أن كتب الأستاذ الإماراتي المقرب من الحكومة، عبد الخالق عبد الله، على شبكة X أن القواعد الأمريكية في الإمارات لم تعد “رصيدًا استراتيجيًا”، بل أصبحت عبئًا. حجته بسيطة: خلال النزاع الأخير، هاجمت إيران دول الخليج بذريعة وجود منشآت أمريكية فيها، بينما اعتمد الدفاع الفعلي لهذه الدول بشكل أساسي على أنظمة أسلحة تُشغّلها هي نفسها. أغفل الباحث المعروف، الذي أعرفه، الإشارة إلى أن الأسلحة التي حمت هذه الدول كانت أمريكية في معظمها، وفي حالة الإمارات، شاركت أسلحة إسرائيلية أيضاًفي الدفاع.

  مع ذلك، فإن ادعاءه ذو أساس؛ ففي الحرب الأخيرة، هاجمت إيران شبكة القواعد الأمريكية بأكملها في الخليج – قطر والكويت والبحرين والإمارات – في محاولة لإلحاق الضرر بالبنية التحتية التي تُمكّن الولايات المتحدة من بسط نفوذها في المنطقة. هذا الواقع يسلط الضوء على المعضلة: إن مجرد وجود القواعد الأمريكية يجعل الدول المضيفة هدفاً.

مع ذلك، فإن الطريق طويلٌ للوصول إلى استنتاج مفاده أن القواعد العسكرية قد فقدت قيمتها. فمساهمتها الرئيسية استراتيجية وليست تكتيكية. بعد انسحاب البريطانيين، أصبح الوجود العسكري الأمريكي أحدأركان البنية الأمنية في الخليج. فهو يُسهم في الحفاظ على توازن القوى الإقليمي، وحماية خطوط الطاقة، وخلق قوة ردع، كما كان الحال في الماضي ضد العراق، والآن ضد إيران. والردع، بطبيعته، يصعب قياسه. فنجاحه يُقاس أحيانًا بأحداث لم تقع، ويخضع للتقييم بأثر رجعي.

هل هي عبء أم مكسب؟

لا تُعدّ القواعد الأمريكية رادعًا لإيران فحسب، بل أيضاً عامل استقرار داخل العالم العربي نفسه. وقد أوضحت الأزمة بين قطر وجيرانها عام 2017 مدى هشاشة النظام الإقليمي. حينها، ساد خوف حقيقي من تصعيد عسكري بين دول الخليج، وإسقاط النظام القطري، بل وحتى احتلال السعودية لقطر، وهي أحداث تم منعها بفضل وجود القواعد الأمريكية في قطر.

والأهم، دور هذه القواعد في ردع إيران؛ فمن دون وجود أمريكي دائم، كان من الممكن أن ينشأ فراغ استراتيجي في الخليج. وفي مثل هذه الحالة، كان من الممكن أن تتمتع إيران بحرية أكبر في التحرك. هذا لا يعني بالضرورة أن إيران كانت ستحتل دول الخليج فورًا، ولكن غياب القوة الأمريكية كان سيزيد من طموح إيران وقدرتها على ممارسة ضغوط عسكرية وسياسية أعمق، بل وربما زعزعة استقرار الأنظمة العربية. بالنسبة للأنظمة العربية، فإن منطق الردع الكامن وراء موقع القواعد على أراضيها غالباً ما يتمثل في استخدامها كنوع من “الأسلاك الشائكة” التي من المفترض أن يؤدي تجاوزها، أي مهاجمة القواعد، إلى رد فعل أمريكي.

تستثمر السعودية والإمارات وقطر مبالغ طائلة في شراء أسلحة غربية متطورة. وتمتلك هذه الدول أنظمة دفاعية متقدمة، وقوات جوية حديثة، وأنظمة استخباراتية متطورة، لكن الحرب أظهرت أن حتى أحدث الأسلحة لم تُجدِ نفعًا أمام قوة إقليمية كإيران.

من هذا المنطلق، لا يُعد النقاش حول القواعد العسكرية بالضرورة دعوةً للانسحاب الأمريكي، بل هو مطلب لتحديث نموذج الأمن الإقليمي. وفي نهاية المطاف، تواجه دول الخليج معضلة معقدة. فمن جهة، قد تجعلها القواعد الأمريكية أهدافًا في صراعات ليست طرفًا فيها. ومن جهة أخرى، لا تزال هذه الدول تُشكل إحدى ركائز الردع الإقليمي واستقرار الأنظمة.

هل من المجدي أن نطالب بقواعد أمريكية؟

إن المعضلة التي تشغل دول الخليج حاليًا – بين الردع الذي يوفره الوجود الأمريكي والتكاليف الاستراتيجية التي قد تترتب عليه – ليست غريبة على إسرائيل أيضاً.

تدرس إسرائيل طلب توسيع الوجود العسكري الأمريكي على أراضيها، بل وإنشاء منشآت عسكرية إضافية. من شأن هذا الوجود أن يعزز الردع ويعمق التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة، ولكنه قد يخلق أيضاً معضلات مماثلة لتلك التي تواجهها دول الخليج.

قد تصبح القواعد الأمريكية أهدافاً إضافية للخصوم، مما يزيد من المخاطر. إضافةً إلى ذلك، قد يؤثر الوجود العسكري الأمريكي الدائم، في بعض الحالات، على حرية إسرائيل في التحرك، إذ إن أي عمل عسكري كبير في منطقة تتمركز فيها القوات الأمريكية سيتطلب تنسيقاً أوثق مع واشنطن.

لا يكمن التحدي الحقيقي في الاختيار بين هذين الخيارين، بل في إيجاد التوازن بينهما: وجود أمريكي يحافظ على الردع، مع ضمان استقلالية أمنية كافية في الوقت نفسه. في الشرق الأوسط، غالباً ما يُطرح السؤال: ماذا سيحدث لو اختفت هذه القواعد؟

 د. يوئيل غوزانسكي

N12 / معهد بحوث الأمن القومي INSS 30/4/2026



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *