إشكالية التوظيف في البحث الجامعي


شهدت البيئة الجامعية في السنوات الأخيرة حضورا متزايدا لتطبيقات الذكاء الاصطناعي، ومن أبرزها ChatGPT، بوصفها أدوات قادرة على إنتاج نصوص متماسكة في زمن وجيز. وقد أتاح هذا التطور إمكاناتٍ جديدةً للطلبة والباحثين، إلا أنه في الوقت نفسه أفرز جملةً من الإشكالات المرتبطة بطريقة توظيف هذه الأدوات، ولاسيما في المراحل الجامعية الأولى.
ومن خلال الملاحظة المباشرة لنماذج من بحوث الطلبة، يمكن رصد نمطٍ متكرر من الكتابة يكشف عن اعتمادٍ شبه كامل على مخرجات هذه التطبيقات، من دون تمثّلٍ حقيقيٍّ لمضامينها. ويظهر ذلك بوضوح في كتابة مقدمات البحوث، حيث تتضمن، في كثير من الأحيان، تفصيلاتٍ منهجيةً موسّعة لا تنسجم مع طبيعة المقدمة في البحث الجامعي، مثل إدراج عناصر من قبيل: مشكلة البحث، أهميته، أهدافه، حدوده وتحليل مصطلحاته، فضلا عن الحديث عن منهج البحث والدراسات السابقة، بل الانتقال إلى عرضٍ يشبه الملخص الذي يشتمل على الإطار النظري والتحليل والنتائج والتوصيات. غير أن هذا الاتساع الشكلي في عرض عناصر البحث لا يقابله، في الغالب، عمقٌ معرفيٌّ حقيقي لدى الطالب؛ إذ يكشف الفحص الدقيق عن فجوة واضحة بين ما يُعرض في المقدمة وقدرة الطالب على تفسيره أو الدفاع عنه. وتبرز هذه الفجوة بصورةٍ جلية عند تناول عناصر مثل «النتائج والتوصيات»، حيث يعجز الطالب عن بيان ما توصّل إليه بحثه، أو عن تبرير ما يورده من خلاصات، الأمر الذي يدل على غياب التفاعل الذهني مع موضوع البحث، والاكتفاء بالنقل الآلي لمحتوى جاهز.
ومن هنا، فإن الإشكال لا يعود إلى طبيعة التقنية ذاتها، بوصفها أداةً محايدة يمكن أن تُسهم في دعم العملية التعليمية، إذا أُحسن توظيفها، بل يرتبط أساسا بطريقة استخدامها، فحين تُستعمل هذه الأدوات بوصفها بديلا عن التفكير، لا معينا عليه، فإنها تُفضي إلى إضعاف مهارات التحليل والكتابة، وتُفرغ البحث العلمي من جوهره القائم على الفهم والإنتاج.
ولا ينفصل هذا الواقع عن سياقٍ أوسع يتصل ببعض الممارسات التعليمية، إذ يُلاحظ، في بعض الحالات، ضعف المتابعة الأكاديمية، أو غياب الإشراف الفاعل، ما يُسهم في ترسيخ هذا النمط من التلقي السلبي. وفي المقابل، يظل هناك طلبةٌ جادّون يسعون إلى بناء معارفهم بجهدٍ ذاتي، غير أن ظروف الإشراف، أو البيئة التعليمية قد لا تُسعفهم دائما في تحقيق ذلك على الوجه الأمثل.
ولعلّ هذا التباين في المواقف والممارسات يُجسّد صورةً إنسانيةً عميقة، عبّر عنها أحمد الوائلي في قوله:
ومِن الطوى جنب البيادر صُرَّعُ وبجنب زِقِّ أبي نؤاسٍ صُرَّعُ
حيث تتجاور الإمكانات مع العجز، وتتكافأ الفرص مع التفاوت في استثمارها.
إن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم الجامعي ليس موضع إشكالٍ في ذاته، بل تكمن الإشكالية في الكيفية التي يُدار بها هذا التوظيف. فإما أن تكون هذه الأدوات رافدا يعزّز قدرات الطالب التحليلية، ويُنمّي ملكته البحثية، وإما أن تتحول إلى وسيلةٍ تُرسّخ الاتكالية وتُضعف استقلاله المعرفي. ومن ثمّ، فإن الرهان الحقيقي لا ينصبّ على الحدّ من حضور هذه التقنيات، بقدر ما يتمحور حول ترسيخ وعيٍ نقديٍّ لدى الطلبة، وتفعيل دور الإشراف الأكاديمي، بما يضمن بقاء البحث العلمي فعلا قائما على الفهم والإنتاج، لا على النقل والتلقّي.

كاتب عراقي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *