عنصر أسدي هدد شاهداً خلال محاكمته في ألمانيا


دمشق – “القدس العربي” : تواصل المحكمة الإقليمية العليا في مدينة كوبلنز الألمانية محاكمة فهد الحميد، وهو عنصر أمني سوري سابق، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، تشمل التعذيب والاستجوابات الوحشية والقتل بحق معتقلين في دمشق خلال عامي 2011 و2012، في وقت شهدت الجلسة الأولى توتراً لافتاً، بعدما أقدم المتهم وأفراد عائلته على تهديد أحد الشهود داخل قاعة المحكمة، حيث وجّهوا له تهديدات مباشرة وتوعدوه بمختلف الأساليب، ما استدعى تدخل الشرطة الألمانية بشكل فوري لتأمين الحماية للشاهد ومنع أي تصعيد.

ويبلغ فهد الحميد من العمر 48 عاماً، وكان يحمل رتبة صف ضابط، عندما انشق عن نظام الأسد المخلوع عام 2012. وألقي القبض عليه في مايو/ أيار 2025 في ولاية راينلاند-بفالتس الألمانية، بتهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، والقتل، وإلحاق أذى بدني جسيم، نتيجة مشاركته في تعذيب المعتقلين عبر الصعق الكهربائي والضرب المبرح وغمرهم بالماء البارد، أثناء عمله في الفرع 251 المعروف بـ”فرع الخطيب” في دمشق.

شارك المتهم  في أكثر من 100 جلسة تحقيق، تعرّض خلالها المعتقلون لتعذيب جسدي شديد

وذكر موقع “تاغيش شاو” الألماني أن مكتب الشرطة الجنائية الفيدرالية هو من نفذ عملية الاعتقال في مدينة بيرماسنس، حيث لا يزال المتهم قيد الحبس الاحتياطي منذ ذلك الحين.

وحسب لائحة الاتهام المقدّمة من النائب العام الاتحادي، عمل المتهم بين نيسان/ أبريل 2011 ومنتصف نيسان/ أبريل 2012 في فرع “الخطيب” الأمني في دمشق، وشارك خلال تلك الفترة في أكثر من 100 جلسة تحقيق، تعرّض خلالها المعتقلون لتعذيب جسدي شديد، شمل الصعق بالكهرباء، والضرب بالأسلاك، وإجبارهم على البقاء في أوضاع مؤلمة لفترات طويلة، كما تشير اللائحة إلى مقتل ما لا يقل عن 70 معتقلاً نتيجة ظروف الاعتقال القاسية وسوء المعاملة.

الحميد يروي تفاصيل التعذيب

وكان الحميد قد ظهر عام 2015 على شاشة قناة “الجزيرة”، حيث أدلى بشهادات مفصلة حول أساليب التعذيب التي كانت تمارس داخل فرع الخطيب، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، والتعليق من الأطراف، والضرب حتى الموت.

وفي سياق متابعة مجريات المحاكمة، أوضحت المحامية رشا شهباز، عضو مجلس إدارة المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، لـ”القدس العربي”، أن المتهم يمثل أمام المحكمة على خلفية توقيفه في مايو/ أيار 2025، ضمن إطار تطبيق مبدأ الولاية القضائية العالمية.

وأشارت إلى أن لائحة الاتهام تنسب إليه العمل خلال عامي 2011 و2012 في أحد مراكز الاحتجاز التابعة لأجهزة المخابرات السورية في دمشق، وتحديداً في الفرع 251، حيث شارك في عمليات احتجاز واستجواب معتقلين، وساهم في تنفيذ ممارسات تعذيب ممنهجة بحقهم.

وأضافت أن هذه الممارسات شملت استخدام الصدمات الكهربائية، والضرب المبرح، والغمر في المياه الباردة، إضافة إلى إخضاع المحتجزين لظروف احتجاز غير إنسانية ومهددة للحياة. كما شارك المتهم، وفقاً للاتهام، في أكثر من 100 عملية استجواب، وأسهم مع عناصر آخرين في تعذيب ما لا يقل عن 115 محتجزاً، متسبباً بإلحاق أذى جسدي جسيم بعدد كبير من الضحايا.

وبيّنت أن المتهم ينسب إليه أيضاً التسبب في وفاة ما لا يقل عن 70 محتجزاً تحت التعذيب داخل مركز الاحتجاز في دمشق، مؤكدة أن هذه الأفعال ترقى، وفق الادعاء العام، إلى جرائم ضد الإنسانية، بما يشمل القتل والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية، نظراً لارتكابها في سياق هجوم واسع النطاق ومنهجي موجّه ضد السكان المدنيين.

وحول الأهمية الحقوقية للقضية، أشارت شهباز إلى أنها تمثل امتداداً للجهود المستمرة لمساءلة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة في سوريا، لافتة إلى أن المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية ساهم في إعداد ملفاتها ضمن عمله في توثيق الجرائم ودعم مسارات العدالة في أوروبا.

يعد فرع “الخطيب” من أكثر الفروع الأمنية سيئة السمعة في سوريا، حيث وثّقت منظمات حقوقية دولية، أنماطاً واسعة من التعذيب الجسدي والنفسي التي مورست داخله

فيما قال المحامي أنور البني، رئيس المركز السوري للأبحاث والدراسات القانونية، إن الجلسة الأولى خصصت لعرض التهم من قبل الادعاء العام الألماني، حيث أنكرها المتهم. وأشار إلى واقعة لافتة تمثلت في قيام المتهم وأفراد من عائلته بتهديد أحد الشهود داخل قاعة المحكمة، عبر توجيه عبارات توعد وتهديد صريحة، الأمر الذي دفع الشرطة إلى التدخل فوراً لحماية الشاهد وتأمين سلامته.

ووفقاً للادعاء العام الألماني، فإن الحميد لا يعد مجرد شاهد على تلك الجرائم، بل يشتبه في تورطه المباشر في تنفيذها، ما يجعله خاضعاً للمساءلة القانونية الكاملة.

ويعد فرع “الخطيب” من أكثر الفروع الأمنية سيئة السمعة في سوريا، حيث وثّقت منظمات حقوقية دولية، من بينها “هيومن رايتس ووتش” و”العفو الدولية”، أنماطاً واسعة من التعذيب الجسدي والنفسي التي مورست داخله، واعتبرتها جرائم ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية.

وتتواصل في الوقت ذاته سلسلة من المحاكمات المرتبطة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية في عدد من الدول الأوروبية، إذ تنظر المحكمة الإقليمية العليا في كوبلنز الألمانية في قضايا خمسة متهمين يواجهون اتهامات بارتكاب انتهاكات جسيمة في مخيم اليرموك.

 وحسب البني، من المقرر أن تصدر محكمة في السويد حكمها في الرابع من أيار/ مايو المقبل بحق متهم سادس من المجموعة ذاتها، وذلك بعد انتهاء محاكمته خلال الشهر الماضي.

وفي سياق متصل، تتواصل أيضاً أمام المحكمة الوطنية الهولندية في لاهاي محاكمة قيادي في ميليشيا الدفاع الوطني في مدينة السلمية قرب حماة، حيث يُنتظر صدور الحكم بحقه في التاسع من حزيران/ يونيو القادم. كما لا تزال محاكمة عنصر آخر من الميليشيا نفسها، يُدعى حسين (أ)، مستمرة أمام القضاء في بلجيكا على خلفية اتهامات مماثلة.

تتواصل أيضاً أمام المحكمة الوطنية الهولندية في لاهاي محاكمة قيادي في ميليشيا الدفاع الوطني في مدينة السلمية

وأشار البني إلى أن شهر حزيران/ يونيو 2026 سيشهد كذلك انطلاق محاكمة كل من المتهم خالد (ح) ومصعب (أ) في النمسا، وهما ضابطان سابقان في الأجهزة الأمنية السورية، أحدهما برتبة عميد وكان يشغل منصب رئيس فرع أمن الدولة في الرقة، والآخر برتبة عقيد في الأمن الجنائي في المدينة نفسها، ويواجهان اتهامات تتعلق بممارسة التعذيب.

وفي برلين، تستمر محاكمة المتهم أنور (س) بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، حيث يُتهم باعتقال متظاهرين في مدينة حلب، والاعتداء عليهم بالضرب، ثم تسليمهم إلى الأجهزة الأمنية التي قامت بتعذيبهم وقتلهم.

وأكد البني أن هذه القضايا جميعها جاءت نتيجة عمل طويل امتد لسنوات من قبل المركز السوري للدراسات والأبحاث القانونية، الذي عمل على توثيق هذه الجرائم وبناء ملفاتها القانونية، مشيراً إلى أن العمل مستمر على قضايا أخرى يُتوقع أن تظهر نتائجها خلال الفترة المقبلة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *