من جراح التاريخ إلى أفق الوئام


في سابقة من دون مثيل لها، زار بابا الفاتيكان الجديد الجزائر وباشر بكتابة صفحة يمكن وصفها بالـ»صفحة الأخرى». هنا تحديداً، يجب التوقف عند هذا العنوان، فالصفحة الأخرى تفترق عن «الصفحة الجديدة» كونها ترسم خيطا روحياً، يصنعه رجل دولة لا يتبنى السياسة نهجا، ولكنه في المقابل يحمل رسالة وقيما تنتمي إلى مجال لا يمكن أن تصنعه أجندة رجل دولة غير البابا.

للتحرير دلالات في مصطلحات التاريخ، وله دلالة أيضا في مصطلحات الأخلاق فسلام القلوب يتحقق عبر تحرير النفوس، الذي يشكل بدوره المرحلة الأولى في سبيل الوئام

هذا المجال، هو مجال السلام، وقد وجدت هذا المصطلح، مصطلح «مجال»، مناسبا لنتحدث عن كلمة: كلمة «سلام» التي غالبا ما لا يتم التعمق فيها، وكأن الأمر تعبير عن يأس دفين تغلغل إلى الوعي الجماعي، فكرّس تغلب منطق القوة والسيطرة العسكرية والأيديولوجية على مبدأ تقاسم الثروات، الضامن لبناء مشاريع تقود الجميع إلى غد أفضل، بعبارة أخرى، منطق كرس اليأس من تحقيق السلام، لكن السلام يحمله البابا ويحمل معه مشروعا. وهنا يجب التمييز: فحينما يقول الحبر الأعظم، إنه ليس «رجل سياسة» فهذا لا يعني البتة أنه لا يهتم بالسياسة، بل أكثر، لا يعني البتة أنه ليس سياسيا، فهو سياسي بامتياز، لكن لا بد من الإحاطة بمقومات السياسة البابوية، التي تمر عبر محددات لمشروع سلام. ولعل في الزيارة التي قام بها البابا إلى الجزائر عناصر أساسية تسمح لنا بالتفريق بين المفهوم التقليدي للسياسة المبني أساساً على المصلحة والمنفعة، ومفهوم للسياسة يقود إلى الخير، يريد البابا تأصيله عبر فتح طريق يقود إلى السلام. هنا، يشكل مثال الاستعمار في الجزائر نموذجا جيدا لاستعراض مجموعة من المفاهيم السلوكية المؤسسة للسلام. في مقدمتها، طلب العفو، فـ»لا يتحقق السلام إلا بالعفو» يقول البابا. طبعا، في هذا الكلام، رسالة سياسية مباشرة موجهة للمستعمر السابق، لكنها تحمل معها في الوقت نفسه نقلة يمكن وصفها بالـ»نوعية»، مثلا حينما يقول ليون الرابع عشر ما يلي: «لا يمكن توارث البغض جيلا بعد جيل»، نلاحظ حينها كيف يرتقى البابا، بصورة شبه مباشرة، من وقائع التاريخ إلى المنظومة السلوكية التي يروم تأسيسها، متخذا من هذه الوقائع تربة خصبة لبلورتها. إزالة البغض يستوجب العفو.. المقولة يمكن إسنادها إلى صرح هذه المنظومة. لكن البابا يعتمد أيضا على ركيزة أساسية أخرى، دعونا نستمع إلى هذه الجملة: «لن يكسب النضال الحقيقي من أجل التحرير، إلا بعد الانتصار النهائي لسلام القلوب». ليس مجرد التلميح الواضح إلى معارضة الاستعمار كمبدأ وممارسة، هو الذي يهمنا هنا، وإنما اللجوء إلى واقع تاريخي لبلورة موقف فلسفي يستوحي من مفهوم ديني، صحيح، لكنه يتجاوزه إلى سلوك، فإزالة البغض بالعفو نضال للتحرير الحقيقي عبر سلام القلوب. ونعلم ما للتحرير من دلالات في مصطلحات التاريخ، لكن للتحرير دلالة أيضا في مصطلحات الأخلاق. فسلام القلوب يتحقق عبر تحرير النفوس، الذي يشكل بدوره المرحلة الأولى في سبيل الوئام.
كل زيارة بابوية زيارة بنيوية، لأنها زيارة رجل دولة في حل من كل ارتباط أيديولوجي – حزبوي. ومن هنا تكتسب دائما بعدا كونيا لأنها تؤلف القلوب حول منظومة قيم ترتبط بمثل عليا مشتركة. ومن هنا أيضا، يبقى صوت البابا صوتا دينيا عابرا للأديان والسياسية معا، وهذا يعيننا أيضا لسبر أغوار رسالتي السياسة والدين، بحيث يحمل الاثنان معا رسالة أخرى تخترق الانتماء الخاص لتتجذر في الانتساب العام البشرية.
رسالة البابا ليست سياسية.. لكنها في المقابل تفتح طريقا لممارسة سياسية. وبذا تتحدد بوضوح في إطار فلسفة سياسية تساهم في إرساء أحد أرقى النزعات الفلسفية وهي نزعة الأنسنة . (humanism)
*باحث أكاديمي وإعلامي فرنسي



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *