خلال ترحال كثير تجاوز عمره خمسين عامًا، لم ألتق بكاتب (أجنبيّ) تبدو الترجمة إلى العربية هاجسًا مُلحًّا لديه. قابلت كتابًا يحبون زيارة العالم العربي؛ ليس العالم العربي كله، بل مواقع محددة فيه.
ذات سفر طويل إلى كولومبيا للمشاركة في مهرجان ماديين الشعري، جمعني في الطائرة حديث طويل مع الكاتب النيجيري وول سوينكا، الحاصل على جائزة نوبل، كان لديه حلم زيارة مدينة البتراء، وربما سنجد آخرين يحبون زيارتها أو زيارة الأهرام، أو الصحراء أو الاستمتاع بشمس العالم العربيّ، أو زيارة الأماكن المقدّسة. وإذا كان سوينكا قد حقق عالميته بنوبل، فإن الذين لم يتذوّقوا طعمها من الكتاب ممن شاركتُ معهم في أمسيات أو جمعتْنا معًا أجواء مهرجان، لم يبدُ لي أنهم يحلمون بأن يترجموا إلى العربية، أو الأدق لا يحسّون بنقص إن لم يترجموا إلى لغة الضاد، وإن رأيت بعضهم مسرورًا، بغير حماسة كبيرة، لنشر قصيدة له أو قصة قصيرة أو رواية، عكس هذا في عالمنا العربي، فشهوة الترجمة إلى اللغات الأخرى تكاد تتحوّل إلى هوس لدى البعض، لكي يكونوا عالميين؛ ولم تنجُ مؤسسات ثقافية محترمة من فكرة البحث للكتاّب العرب عن فرصة لنقل الكتابة العربية إلى العالمية، بدعم ماليّ سخيّ، فدفعت الكثير من أجل هذا الغرض، دون تحقيق أي إنجازات تذكر.
خمسة من الأصدقاء الكتّاب الذين التقيتهم ذات مهرجان عربي، أكدوا لي أنه بعد الحفل الباذخ الذي أقيم لإطلاق رواياتهم (المدعومة) في لندن بالإنجليزية، اكتشفوا في ما بعد أنهم حين بحثوا عن كتبهم في المكتبات، لم تكن هناك نسخة واحدة منها!
تبدو المسألة هنا أن ثمة عرسًا، لكن العروس لم تحضره.
هذه المؤسسة دفعت الكثير لدار النشر الأجنبية وللمترجمين، وأعني الكثير الكثير، مقارنة بما دفعتْه لأصحاب الكتب الذين باتت تتحكّم في مصير كتبهم (إلى الأبد) فعلًا، مع وجود عقود ظالمة وقّعوها من أجل إصدارها بالإنجليزية، أو سواها، وإذا بهم عراة بين نارين حقًا.
وبعيدًا عن أي استهانة بأهمية الترجمة، يستدعي السّعي إلى الترجمة في عالمنا العربي أحيانًا أمورًا قابلة للتأمل، وأولها أمرٌ مضمر، وهو أن كثيرًا من الكتاب العرب لا يرون في لغتهم جزءًا من لغات العالم، فمهما نشروا وانتشروا وحققوا نجاحات، ربما تكون كاسحة، يظلّون مفتونين بفكرة الترجمة، التي لم تصل حتى الآن، للأسف، إلى الحدّ الذي يمكن أن نقول فيه إنها وصلت إلى مستوى الانتشار الذي تحظى به روايات قادمة من غير العربية إلينا؛ فقد حقق كتّاب من مختلف دول العالم نجاحات استثنائية في اللغة العربية، وهي في ظني لغة سمحة غير متعصبة، ومتلهّفة لكتب الآخرين وجمالهم، بعيدًا عن أي عُقَد مسبقة.
وثاني هذه الأمور قائم في النظرة (العربية) الدونيّة إلى القارئ العربي، وكأنه لا ينتمي إلى أفق فكرة العالمية أو أنه جزء منها، مهما كان عدد طبعات الكتب وعدد قرائها، في عالم عربي أوسع جغرافيًا، وأكثر سكانًا من دول كثيرة من دول (العالم الأول).
وثالث هذه الأمور، هو النظر إلى اللغة العربية كلغة هامشية، وهي ليست كذلك، على مستوى الناطقين بها، وعلى مستوى حضورها التاريخي. وليس ثمة ضرورة الآن لسماع تلك الأسطوانة المشروخة عن عالم عربي لا يقرأ، فقد شهد العقدان الأخيران تحوّلًا كبيرًا لا يجوز إنكاره، ويمكن القول لقد باتت لدينا قوة قرائية فعلًا، وبشكل خاص في أوساط الشباب، ويكفي أن نلحظ التزايد الرهيب في عدد دور النشر الجديدة سنويًا، كلما ذهبنا إلى معرض للكتب.
كل لغة من لغات العالم لغة تستحق الاحترام والتقدير، فاللغات طيبة في جوهرها، وإن استُخدِم بعضها للكذب وفتْح الطرق للسيطرة، أو الإبادة، أو العنصرية، أو التزييف.
لكن ما يحزن أننا في تلهّفنا للترجمة نبدو وكأننا لا نعترف باللغة التي نكتب بها، فهناك “لغات سيدة” وهناك لغات (تابعة) وهذا كلمة مخفّفة، وإن لم تصدر كتاباتنا بلغة سيدة من تلك اللغات، تبقى خارج حضن العالمية!
في ظني أن العالمية قائمة في كل لغة، وعلينا أن نتوقف عن اعتبار أي كاتب مهما كان مستواه عالميًّا لمجرد أنه يكتب بواحدة من اللغات السيدة، وننظر إليه كما لو أنه كائن مرسل من ثقافة عليا إلى ثقافة دُنيا. في حين نتعامل مع أجمل وأروع ما لدينا من إنجازات باعتبارها إنجازات أقل تألّقًا.
وبعد:
هناك نصوص شعرية وروائية وقصصية عربية أهم بكثير من تلك التي تترجم من لغات أخرى، ولدينا كتاب رائعون نعرف أنهم يستحقون أرفع الجوائز؛ لذا، فإن القيمة الفنية والإنسانية والجمالية لأي عمل هي التي تحدد عالميته من عدمها، ومن هذا المنطق، وحسب، يمكن أن نقول بأن لدينا منجزًا ثقافيًّا عالميًّا أو لا، وقارئًا عربيًا عالميًا أو لا، من دون أن نقلل الاعتزاز بكل لغة تمنحنا جمالها الذي تجعله جزءًا منا.