عيد الربيع موسم انتعاش الأغنية وتفتُح زهور الإبداع المصري


الاحتفال بأعياد الربيع ليس عادة مصرية مُستحدثة، وإنما هو تقليد قديم مُتبع منذ عشرات السنين. فمع موسم تفتح الزهور يعتدل المزاج الإبداعي لدى الشعراء والموسيقيين وأصحاب الحناجر الغنائية والأصوات الشجية، وعليه يأتي الجديد والجميل من القصائد والأغنيات وألوان اللحن والموسيقى العربية.
وقد رصدت السينما مُبكراً مظاهر الاحتفال الموسمي في العديد من الأفلام التي بُنيت أحداثها على تعزيز فكرة الفرح والابتهاج بالأعياد السنوية المُشتركة بين كل المصريين، كعيد شم النسيم على سبيل المثال، ذلك العيد المصري القديم الذي يتضمن الاحتفال به طقوسا خاصة تشمل الخروج إلى الحدائق العامة والمُتنزهات، مع تناول المُشهيات من الأسماك المُملحة المُتمثلة في الفسيخ والرنجة وأم الخلول، بالإضافة إلى نباتات مثل الملانه ذات الطعم اللذيذ الذي يُشبه طعم الحمص الأخضر الطازج.
وهناك الكثير من التفاصيل التي أوردتها السينما المصرية في باكورة أفلامها، كفيلم «العز بهدلة» الذي أنتج عام 1937 وأخرجه توجو مزراحي، وعمل على تصوير أجواء الربيع في الأماكن الطبيعية وعلى شاطئ النيل، كنوع من التوثيق لاحتفاء المصريين بالطبيعة وتمتعهم بطقسها المُستقر في إشارة لا تخفى على أصحاب الفطنة، للترويج السياحي والدعاية السينمائية لمصر بلد النيل والحضارة.
كما أنتج أيضاً فيلم «الطائشة» عام 1946، قصة وسيناريو وحوار يوسف جوهر وإخراج إبراهيم عمارة وبطولة دُرية أحمد والدة الفنانة والنجمة الشهيرة سهير رمزي، وهو الفيلم الذي دارت أحداثة حول ذات الموضوع، الاحتفال بأعياد الربيع وتضمن أغنية مباشرة بعنوان شم النسيم تأليف مأمون الشناوي غنتها البطلة في رحلة نيلية بين أحضان الطبيعة وسط مجموعة من الشباب والفتيات الذين شكلوا عناصر نجاح الفيلم وبروزه كعمل فني فارق ومتميز في حينه.
وتعددت في هذا الإطار الإسهامات السينمائية بأطروحاتها المُختلفة، حيث كان الفيلم الأشهر «أميرة حبي أنا» للمخرج حسن الإمام، بطولة سُعاد حُسني وحسين فهمي وسمير غانم وعدد من نجوم الكوميديا آنذاك.
كما برز من بين الأفلام الحديثة نسبياً، فيلم «عسل أسود» بطولة أحمد حلمي وإيمي سمير غانم وإنعام سالوسة ولطفي لبيب، حيث ورد في سياق الأحداث مشهد رئيسي يدل على عناية الشعب المصري خاصة الطبقة الشعبية منه بالاحتفال بعيد الربيع بالطريقة التقليدية المُعتادة، كحالة ترفيهية تهدف إلى التخلص من أعباء الحياة اليومية بالترويح عن النفس ولو لساعة أو ساعتين في اليوم خلال تلك المُناسبة السنوية السعيدة.
وبخلاف التناول السينمائي، كان للأغنية دورها الريادي في هذا المقام، إذ ظهر أثرها بشكل أكثر وضوحاً بفضل الأصوات التي حملت مع الأنغام والألحان مزايا التعبير التلقائي المُباشر عن لحظات الانتشاء والزهو بأيام الربيع، حيث غنى محمد عبد الوهاب مجموعة من الأغاني، من أهمها أغنية «يا ورد مين يشتريك» عام 1940 في فيلم «يوم سعيد» والتي كتب كلماتها الشاعر بشارة الخوري المُلقب بالأخطل الصغير، بالإضافة إلى أغنية «يا وردة الحُب الصافي» التي غناها أيضاً في فيلم «الوردة البيضاء»، وكذلك أغنيته الشهيرة «علشان الشوك إللي في الورد بحب الورد».
ويُعد هذا الإسهام علامة مُميزة في تراث عبد الوهاب الغنائي والموسيقي، لاسيما أنه ربط في أغانيه وألحانه بين الرومانسية والطبيعة التي نبتت فيها الورود رمز الصفاء والنقاء والحُب.
كما أن لأم كلثوم إسهام آخر في ما يخص الغناء للورد والاحتفاء بعيد الربيع، فمن أشهر أغانيها التي كتبها بيرم التونسي ولحنها زكريا أحمد أغنية «الورد جميل»، تلك التي غنتها في فيلم «فاطمة» عام 1946.
ولأسمهان أغنية ربما تكون الوحيدة عن الورد، لكنها بالقطع من أغانيها الشهيرة، ألا وهي أغنية «يا بدع الورد يا جمال الورد»، وقد انتشرت هذه الأغنية لجمال صوت أسمهان وقوة اللحن الشجي الذي غلب عليه الطابع الحزين برغم أن الأغنية تهدف إلى إشاعة الفرح والتفاؤل.
أما ليلى مراد فكان لها أيضاً السبق في إحداث حالة فريدة من الانسجام والمرح عندما غنت أغنيتها المعروفة، «الورد ده نادي خُد منه وهادي» بصوتها العذب المؤثر الذي أكد عبد الوهاب أنه من أميز الأصوات وأكثرها شجناً، وكما أثنى على صوتها شهد لها أيضاً بالبراعة والتلقائية في التمثيل وهي بالطبع شهادة مُقدرة من موسيقار كبير.
ومن جانبهما غنى الشقيقان محمد فوزي وهدى سلطان بعض الأغاني القليلة للورد في أفلامهما، لعل أهمها أغنية الزهور لفوزي والتي قارن فيها بين الزهور بجمالها وعبيرها وبين الستات في إشادة واضحة بالمرأة ودورها وأهميتها، حيث شدا قائلاً: «حكم الزهور زي الستات لكل لون معنى ومغنى» وهي من ألحانه وكلمات الشاعر صالح جودت وتم توظيفها في فيلم «بنات حواء» المُنتج عام 1954.
أما شقيقته هدى سُلطان فقد غنت أغنيتين، الأولى لم يُكتب لها النجاح وتُعد من الأغاني المجهولة بعنوان «يا ورد يا سيد الورود»، والثانية هي الأشهر ويقول مطلعها «يا حلاوة الورد يا جمال الورد».
وعن فريد الأطرش فقد كان صاحب البصمة الأقوى في هذا الخصوص، إذ سجل بأغنيته «آدي الربيع عاد من تاني» أرقاماً قياسية في الاستماع والثناء والاستحسان وما زالت الأغنية المُلهمة هي الأبرز والأشهر على الإطلاق.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *