الناصرة- “القدس العربي”:
رغم أن الأمور بخواتيمها وليس معروفا كيف ستنتهي هذه الهدنة، تسود أجواء من العتب والغضب في إسرائيل ويهيمن عليها مزاج عام متكدر من وقف الحرب قبل أن تحقق أهدافها على الجبهة اللبنانية أيضا، ومن فرض الرئيس الأمريكي للاتفاق بشكل يصوّر إسرائيل وكأنها ولاية أمريكية أو “جمهورية موز” لا تملك قرارها بيدها وسط تكذيب للرواية الرسمية بأن وقف النار جزء من مسعى لسلام مع لبنان واعتقاد بأن ذلك جاء بسبب مداولات طهران واشنطن.
منذ الإعلان من واشنطن عن وقف النار بين إسرائيل ولبنان، تتصاعد الاتهامات بالكذب ونثر الأوهام والتورط بلغة متعجرفة فارغة لنتنياهو وكاتس. وكان نتنياهو قد أعلن في الليلة الفائتة موافقته على وقف إطلاق نار مؤقت لمدة عشرة أيام في لبنان، لإتاحة الوقت اللازم لتنفيذ مبادرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للتوصل إلى اتفاق سلام بين إسرائيل ولبنان.
منذ الإعلان من واشنطن عن وقف النار بين إسرائيل ولبنان، تتصاعد الاتهامات بالكذب ونثر الأوهام والتورط بلغة متعجرفة فارغة لنتنياهو وكاتس
وفي هذا السياق، نقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن وزراء في حكومة نتنياهو أعربوا عن غضبهم من طريقة الإعلان، مشيرين إلى أنهم علموا به عبر تصريحات ترامب وليس عبر القنوات الحكومية الرسمية. ويعبّر رؤساء الحكم المحلي والإسرائيليون بشكل عام في الشمال عن صدمتهم من وقف النار المفاجئ، واتهموا الحكومة بأنها قد باعتهم.
وتنقل وسائل إعلام عبرية منذ الليلة الفائتة عن رؤساء السلطات المحلية في إسرائيل دهشتهم وصدمتهم لسماع الأنباء عن وقف النار. ويقول رئيس منتدى رؤساء الحكم المحلي في البلدات الحدودية موشيه دافيدوفيتش، إن “ما حصل هو حكم بالانتظار حتى المذبحة القادمة”. أما رئيس المجلس المحلي في بلدة ماروم هغليل، عاميت سوفير، فقال معقبا إنه “من غير المعقول أن يربط ترامب بين الجبهة اللبنانية وبين الجبهة الإيرانية”.
وينعكس المزاج العام السلبي في إسرائيل في تصريحات رموز المعارضة والمراقبين والمحللين الإسرائيليين، فقال وزير الأمن الأسبق رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان في تغريدة إن “حكومة السابع من أكتوبر نتنياهو لم تتعلم شيئا”، معتبرا وقف النار خيانة لسكان الجليل.
واختارت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عنوانها الرئيس اليوم الجمعة، بالإشارة لكون الاتفاق هو قرار أمريكي: “نتنياهو اضطر للموافقة على وقف القتال في لبنان لعشرة أيام… ترامب فرض وقفا للنار”. وفي عنوان فرعي توقفت عند حالة الإرباك والغضب التي سادت إسرائيل: “الرئيس ترامب فرض رأيه ولم يطلع الوزراء سلفا على الإعلان بوقف النار بين إسرائيل ولبنان. الجيش لن ينسحب من الأراضي التي يعمل فيها. ترامب دعا نتنياهو وعون للبيت الأبيض. السكان في الشمال غاضبون جدا ويشعرون أنهم تعرّضوا للخيانة مرة إضافية”.
مصيدة الكذب
وفي لهجة لا تخلو من السخرية، يقول المحلل السياسي في الصحيفة المذكورة، بن درور يميني، في مقال بعنوان “شكرا ترامب مجددا” إنه لا حاجة للشعور بـ”الحموضة ” على المستوى الوطني الإسرائيلي، ففي الظروف التي نشأت، فإن وقف النار هو ليس الحل الأفضل، بل هو الحل الأقل سوءا لأن من بحث عن حلول مطلقة ومن اعتقد بأنه بالإمكان إزالة تهديد حزب الله أو تفكيكه من سلاحه، تورط بالأوهام. فهذا لم ولن يحدث حتى لو عمل الجيش لشهور إضافية. لافتا إلى أن نتنياهو وكاتس نثرا الوعود والأوهام بوتيرة مرتين في اليوم، وهما يستحقان التنديد والإدانة فقد كذبا وعرفا أنهما يكذبان. ومرة أخرى نحن بحاجة لتوجيه الشكر لترامب بعدما أخرجنا من مصيدة الكذب”.
وللتدليل على صواب رؤيته، يستعيد الكاتب تجربة حرب الإبادة: “من الجدير أن نذكر حتى وإن كان هذا غير مريح: عامان من الحرب ضد حماس لم يقودا إلى إزالة التهديد ولا لتفكيك سلاح حماس. عامان! حزب الله أقوى بكثير من حماس. لذا على من كنتم تكذبون؟ بالأساس على سكان الشمال ممن أرادوا التصديق”.
ويوضح المحلل الإسرائيلي بن يميني أن حزب الله ما زال على قدميه بعد كل الضربات الموجعة. السؤال لم يكن ولا مرة إلى أي مدى تضرر الوكيل الإرهابي الإيراني الأهم. لقد تضرر. السؤال: ما قدر الضرر؟ كم من الجنود ومن السلاح والصواريخ والمسيرات بقي بيديه؟ لم نكن بحاجة لمعلومات استخباراتية كي نعلم أن القوة النارية الباقية بيد حزب الله قادرة على استنزاف إسرائيل بشكل عام والشمال بشكل خاص لشهور طويلة جدا. مثلما أنه كان من الواضح أن كل الصواريخ تقريبا تصلنا من شمال الليطاني ولا أحد ينوي أن يصل إلى هناك”.
ويخلص بن يميني للقول إن “نتنياهو وكاتس يرفضان قول الحقيقة التي قالها موشيه ديان على ضريح الجندي روعي روتينبيرغ الذي قتل في الخمسينيات على حدود غزة: “هذا مصير جيلنا”. لم ينثر ديان الوعود والأوهام. الكذب يضعفنا والحقيقة تعززنا. الطريق الوحيدة ربما التي تقودنا لهدوء على المدى البعيد هي الطريق التي تشمل قوة عسكرية وتسوية سياسية ونزع شرعية حزب الله داخل لبنان. هذه طريق طويل. لا توجد إمكانية لتقصير الطريق”.
ترامب فرض على نتنياهو اتفاق وقف النار في لبنان كما فعل من قبل في إيران.
اتفاق مفروض
ويرى زميله، المحلل العسكري البارز في الصحيفة رون بن يشاي، أن ما حصل هو اتفاق وقف للنار مفروض على إسرائيل، لكنه يتضمن امتيازات أيضا. ويسوّغ رأيه بالقول إنه في حال تم إحراز اتفاق جيد بين ترامب والإيرانيين، فسيزداد الضغط على حزب الله الذي سيدرك أنه لن يستطيع الحصول على مساعدة وتمويل من طهران، وعندئذ سيوافق على تفكيك سلاحه، على الأقل السلاح الثقيل.
ويقول المحلل العسكري في صحيفة “هآرتس” عاموس هارئيل، إن المواطنين في إسرائيل سمعوا عن وقف النار في لبنان من دونالد ترامب وكذلك أعضاء الكابنيت، منوها أن نتنياهو أبلغهم خلال مشاورات هاتفية معهم أن هذه الخطوة هي بادرة طيبة للرئيس الأمريكي.
ويرى هارئيل أن ترامب عمليا فرض على نتنياهو اتفاق وقف النار في لبنان كما فعل من قبل في إيران. وعلى غرار مراقبين إسرائيليين آخرين، يرى هارئيل أن وقف النار التي يبدو أنها لن تتجدد، تترك إسرائيل دون تحقيق شهوتها. ويضيف: “المعطيات التي سيطرحها الجيش عن عدد المخربين الذين قتلهم لن يعزّوا سكان الشمال ممن وعدوا خلال 2024 بأن حزب الله لم يعد يشكّل تهديدا لهم”.
ويعتبر أن اتجاه المداولات بين الأمريكيين والإيرانيين بدأ يتضح وليس بالضرورة أن تتواءم مع طموحات إسرائيل، لافتا إلى أن الكثير من التصريحات الإسرائيلية المتعجرفة لا غطاء لها.
ويرى زميله محلل الشؤون الشرق أوسطية تسيفي بار إيل، أن الشراكة مع حكومة لبنان محدودة الضمان. وعن ذلك يضيف: “استرعى رفض جوزيف عون للتحدث مع نتنياهو اهتماما كبيرا، وهذا دليل على أن لبنان ليس حلبة فقط للنزاع بين إسرائيل وحزب الله، وأن بيروت موجودة في قلب المفاوضات بين أمريكا وإيران. كان عون متعطشا لوقف للنار يُحتسب كمكسب له، ولا يقود إلى حرب أهلية. وفي حال استمرت الهدنة ستكون مكسبا حيويا أوليا لحكومة لبنان، وبهذا يمكن تبرير خطواتها القادمة، لكن على إسرائيل أن تتعامل مع هذه الشراكة بشكل واقعي. فلبنان جبهة استراتيجية والشراكة معها تتطلب تنسيقا للتوقعات”.
ويمضي بار إيل في الدعوة للتقليل من هذه التوقعات: “بمقدور وقف النار أن يحرّك خطوات سياسية بين لبنان وإسرائيل وانتزاع ورقة مساومة مهمة من إيران في المفاوضات مع الولايات المتحدة، بيد أننا بحاجة للاعتراف بمحدودية قدرة الحكومة اللبنانية على العمل ضد حزب الله”.
جمهورية موز
ويوضح المحلل السياسي في القناة 12 العبرية بن كاسبيت في مقال نشرته صحيفة “معاريف” اليوم، أن المنجزات العسكرية والتكتيكية ممتازة، لكن على المستوى الاستراتيجي هناك حاجة كبيرة للتحسين. ويقول إن الأمن المستعاد لسكان الشمال هشّ ونسبي ومؤقت، لكن أكبر مما كان سابقا.
ويعلل بن كاسبيت قوله إن حزب الله تعرض لضرب غير مسبوق وهو في نقطة حضيض تاريخية وجبهته الداخلية اللوجستية في إيران تعرضت للضرب أيضا، لافتا إلى ضرب قدراته وإن كانت ما تزال قابلة للترميم. وينتقد عدم استقلالية القرار الإسرائيلي: “الآن أغمضوا عيونكم وتخيلوا ماذا كان نتنياهو سيقول كرئيس معارضة لو أن ترامب قرر بدلا عنا أمس وقف النار في لبنان، أي تحريض دموي سيصدر عن نتنياهو. هناك امتيازات في هذا الاتفاق، لكن نتنياهو حوّل إسرائيل إلى جمهورية موز تابعة للبيت الأبيض”.