الناصرة- “القدس العربي”:
كشفت مصادر في إسرائيل عن تراجع حاد في أعداد زوار المتاحف اليهودية في أوروبا والولايات المتحدة نتيجة تورط إسرائيل في حروب وجرائم وسط ارتفاع في سجالات حول ذكرى الهولوكوست.
وعما جرى ويجري، يقول تقرير موسع في صحيفة “هآرتس” العبرية اليوم الخميس، إنه لسنوات، بدا أن هناك أمرًا واحدًا يمكن الاتكاء عليه: المحرقة. كأنها حقيقة لا تمسّ، مُغلّفة بفرادتها التراجيدية، تجذب ملايين الزوار، وتتمركز في عشرات المتاحف ومواقع الذاكرة التي تُبقيها حيّة في الوعي. لكن بعد أكثر من عامين ونصف من الحرب، ومع تغيّر المزاج العالمي تجاه إسرائيل تدريجيًا، تجد المتاحف اليهودية نفسها في مواجهة واقع مقلق. منبهة أنه مع التراجع الواضح في أعداد الزائرين، يطفو سؤال ثقيل: هل تفقد إسرائيل قبضتها على سردية الهولوكوست؟
عن ذلك تضيف الصحيفة: “عند طرفي أوروبا، ما تزال هناك نقطتان تستقطبان من يسعون إلى استحضار الذاكرة. موقع إحياء الذكرى في أوشفيتز سجّل في عام 2025 رقمًا قياسيًا يقترب من مليوني زائر، وهو رقم يرتبط أيضًا بمرور 80 عامًا على تحرير المعسكر على يد الحلفاء. وفي الغرب، لا يزال بيت آنا فرانك في أمستردام نقطة جذب مركزية؛ فبرغم انخفاض طفيف العام الماضي، ظل عدد الزوار مستقرًا نسبيًا عند نحو 1.2 مليون زائر في 2024، ممن صعدوا إلى العليّة التي تحولت إلى رمز. لكن خارج هذين الموقعين، اللذين يبدوان كأنهما محفوظان في كبسولة زمنية عصيّة على التآكل، تمتدّ صورة مختلفة. من أمستردام إلى وارسو، تسجّل المتاحف تراجعًا ملحوظًا في أعداد الزائرين. ولا يقتصر الأمر على الأرقام: فمديرو هذه المؤسسات يتحدّثون أيضًا عن مناخ يتشكّل من القلق، ومن حوادث تضييق ومضايقة، ومن خشية متزايدة على مستقبل إحياء الذاكرة اليهودية في العالم، وخصوصًا في أوروبا”.
وتقول “هآرتس” إنه في المتحف اليهودي بأمستردام، الذي افتُتح في ثلاثينيات القرن الماضي وتعرّضت مجموعته للنهب على يد النازيين خلال الحرب العالمية الثانية، زاره في 2023 نحو 105 آلاف شخص. بعد ذلك بعام، وفي أعقاب السابع من أكتوبر، انخفض العدد إلى 86 ألفًا، قبل أن يهبط العام الماضي إلى أدنى مستوى له: 65 ألف زائر فقط. أما المتحف الوطني للهولوكوست في أمستردام، الذي افتُتح في مارس 2024، فقد سجّل هو الآخر تراجعًا بنسبة 11% في عدد الزائرين خلال العام الماضي.
وتقول الصحيفة العبرية إن أزمة الذاكرة اليهودية لا تتوقف عند هولندا. ففي فيينا، حيث افتُتح أول متحف يهودي في العالم عام 1895، أبلغ المتحف اليهودي في فيينا عن تراجع حاد في عدد الزائرين خلال العام الماضي. وقالت الدكتورة غابرييلا كولباور-فريتس، مديرة مجموعة المتحف وأمينة بارزة، لصحيفة جيروزاليم بوست: “مع تصاعد معاداة السامية في أنحاء العالم، لم يعد ارتياد المتحف اليهودي أمرًا رائجًا. بل إن التراجع في أعداد الزائرين اليوم يبدو حادًا مقارنة بفترات توتر سابقة في الشرق الأوسط. وفي لندن التي شهدت احتجاجات واسعة مناهضة لإسرائيل خلال الحرب، جرى تغطية نصب المحرقة في المدينة “كإجراء احترازي” وتزداد الصورة قتامة عند النظر إلى نتائج استطلاع أجراه الاتحاد الأوروبي للمتاحف اليهودية، حيث تبدو ملامح واقع أكثر قلقًا وخشونة.
وتلفت “هآرتس” لتجليات كثيرة لمناهضة عالمية لإسرائيل في الغرافيتي وفي المظاهرات. ووفقًا للاستطلاع، تشهد المتاحف اليهودية منذ اندلاع الحرب تراجعًا متوسطه 38% في أعداد الزوار. كما أفاد 40% من هذه المتاحف بإلغاء برامج تعليمية وبنشوء توترات مع فنانين يعرضون أعمالهم فيها، فيما أبلغت 80% من المؤسسات عن تعرضها لأعمال عدائية من تخريب ممتلكات إلى تهديدات صريحة.
في أوسلو
طبقا للصحيفة العبرية، يمكن استيعاب هشاشة —بل وخطورة— وضع المؤسسات اليهودية في أوروبا من خلال حالة متحف تاريخ اليهود البولنديين في وارسو. وكما في كل عام، يستعدّ المتحف لفعاليات 19 أبريل، يوم إحياء ذكرى انتفاضة غيتو وارسو، وهو التاريخ الأكثر مركزية في ذاكرة المحرقة في البلد الذي قُتل فيه عدد من اليهود يفوق أي مكان آخر.
وفي محاولة لاجتذاب جمهور جديد، وربما أيضًا لفتح الباب أمام أصوات أكثر نقدًا لإسرائيل، في ظل الانتقادات الموجّهة لصمت المتحف إزاء ما يجري في غزة، دُعي الصحافي ماريوس شتشيغيل للمشاركة في الفعاليات. شتشيغيل، المعروف بانتقاداته الحادة لإسرائيل، من المتوقّع أن يلقي كلمة ضمن مراسم توزيع أزهار النرجس، وهي تقليد بولندي مرتبط بهذا اليوم.
غير أن مجرد دعوته أثارت غضبًا داخل أوساط من الجالية اليهودية، بل ودعوات إلى مقاطعته. وتتابع “هآرتس” في استعراض الواقع اليهودي في بولندا اليوم: “اعترف بحقه في تبنّي آراء مختلفة، وأنا مقتنع بأن نواياه طيبة”، كتب مدير المتحف داريوش ستولا ردًا على الانتقادات، قبل أن يختتم بما يشبه النداء: يبدو أن كل من يشارك في هذا الجدل المرير يفعل ذلك لأن ذكرى الهولوكوست عزيزة عليه. فلنحرص ألا تتحول الذاكرة إلى سبب للفرقة، بل إلى جسر يوحّدنا”. هكذا تبدو المحرقة اليوم عالقة في موقع إشكالي، بين مطرقة العداء لإسرائيل وسندان سياسات تثير انتقادات دولية. والنتيجة: تآكل في مكانة الذاكرة نفسها”.
في الولايات المتحدة
وتقول “هآرتس” إنه بعيدًا عن وارسو المثقلة بعبء الذاكرة، في سان فرانسيسكو أيضا، أُغلق العام الماضي المتحف اليهودي المعاصر. وتضيف في هذا المضمار: “اثنان وأربعون عامًا من النشاط انتهت دفعة واحدة، بعدما أشار المتحف إلى صعوبات مالية وتراجع حاد في عدد الزائرين. وكتب صامويل أبرامز، الباحث في معهد المشاريع الأمريكية تعليقا على الإغلاق: اختفاء مثل هذه المؤسسات مقلق بشكل خاص في ضوء ما يجري على نطاق أوسع”.
الطلاب اليهود
ويشير إلى أن رابطة مكافحة التشهير سجّلت أعلى مستوى من الحوادث المعادية لليهود منذ بدء التوثيق عام 1979، بينما وثّق مكتب التحقيقات الفيدرالي أعلى عدد من جرائم الكراهية المعادية لليهود منذ بدء نشر البيانات عام 1991. كما أفاد معظم الطلاب اليهود في الجامعات الأمريكية بشعور متزايد بعدم الارتياح أو انعدام الأمان بسبب هويتهم. في لحظة كهذه، يرسل اختفاء المؤسسات اليهودية رسالة معاكسة تمامًا: إنها تتلاشى في الوقت الذي تزداد فيه الحاجة إلى حضورها. وهذا، كما يبدو، يهدّد بإضعاف إمكانية تطبيع الحضور اليهودي في الفضاء العام، في الولايات المتحدة خصوصًا، وربما أبعد من ذلك.
يرفض أوري مايزلمان، مرشد الرحلات إلى بولندا وخبير إحياء ذكرى المحرقة، الانجرار إلى القلق من الموجة الحالية: “هناك موجات من الاهتمام تتصاعد وتخبو، لكن هذه القصص تملك عمرًا أطول من اللحظة. إنها قصة تاريخية كبرى لها جمهورها، تثير اهتمامًا واسعًا حول العالم، وسيواصل الناس زيارة هذه المواقع، حتى لو كانوا يكرهون إسرائيل”.