عن عشق شعوب المغرب العربي لإيران


أكثر ما ميّز مواقف حكومات دول المغرب العربي الرئيسية، تونس والجزائر والمغرب، من الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، منذ يومها الأول، كان الحذر والبحث عن الحياد.
لو كانت الحرب على إيران إسرائيلية فقط لسهل على الحكومات المغاربية، خصوصا الجزائرية والتونسية، اتخاذ موقف صارم والمجاهرة به. لكن وجود الولايات المتحدة طرفا رئيسيا في الحرب، فرض التزام الحذر وانتظار مرور العاصفة تفاديا لرد فعل أهوج من الرئيس دونالد ترامب.
المواقف الرسمية لكل من الجزائر وتونس تحكمها الرغبة في تفادي فصول من التوتر مع إدارة ترامب. وتحكمها أكثر المصالح الاقتصادية والاستراتيجية للبلدين، والتعاون الأمني والعسكري مع واشنطن، وهو عميق.
أما موقف المغرب من كل ما يتعلق بإيران فأكثر وضوحا لأنه محكوم ببوصلة الصحراء الغربية بغض النظر عن أيّ تفاصيل أخرى. لذلك هناك قطيعة قديمة بين الرباط وطهران تعود إلى اعتراف إيران بجبهة البوليساريو المطالِبة باستقلال الصحراء الغربية، بعد عام بالضبط من قيام الثورة الخمينية (1979). كما يتبع الموقف المغربي مواقف دول الخليج العربية وأمريكا، لأنها داعمة صراحة للسيادة المغربية على الصحراء الغربية.
لكن على الصعيد الشعبي تختلف الرؤية، وتدخل عوامل أخرى تجعل مواقف الشارع مختلفة، كثيرا في بعض الأحيان، عن المواقف الرسمية.
شعبيا، كانت إيران، ولا تزال، موضوعا مثيرا للجدل في بلدان المغرب العربي بما في ذلك موريتانيا. بل قسّمت السياسات الإيرانية مجتمعات هذه المنطقة كما فعلت في المشرق العربي تقريبا.
في المغرب يحاول الإعلام الرسمي والجهات القريبة من منظومة الحكم توجيه المزاج العام من خلال تكرار اتهامات لإيران بتقديم دعم لوجيستي وسياسي لجبهة البوليساريو. في المقابل يوجد إعجاب شعبي بإيران، ولكن مستتر إلى حد ما، خصوصا بين أنصار القضية الفلسطينية وخصوم التطبيع من إسلاميين ويساريين، وهم كثر، لدعمها لفلسطين وفصائل المقاومة فيها.
في الجزائر هناك انقسام بين إعجاب ورفض، لكن الإعجاب غالب. منبع الإعجاب النظر لإيران على أنها الداعم السياسي والمادي الوحيد المتبقي لفلسطين، وبصفتها آخر الواقفين في وجه التغوّل الإسرائيلي الغربي على منطقة الشرق الأوسط. حتى في ذروة الحرب العراقية الإيرانية (1980 ـ 1988) وقفت الجزائر رسميا وشعبيا في منتصف الطريق بين الطرفين المتقاتلين.
لكن هذا الإعجاب يقابله احتفاظ بعض الجزائريين في ذاكرتهم بشكوك قوية في إيران واحتمال دعمها الجماعات الجهادية في الصراع الأهلي الذي عاشته البلاد في تسعينيات القرن الماضي. وصل الأمر آنذاك إلى حد قطع الجزائر علاقاتها الدبلوماسية مع طهران.
في تونس ينتشر إعجاب كبير بإيران محركه التضامن الكبير الذي يختزنه المجتمع التونسي للقضية الفلسطينية. فكلما ارتفع منسوب الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني، خصوصا في غزة، ارتفع إعجاب التونسيين بإيران والأمل في أن تقدّم المزيد لفصائل المقاومة الفلسطينية. في المقابل هناك في تونس أصوات تدين إيران وترى أنها تحاول التدخل في شؤون تونس، وأنها تتحمل وزر الكثير من الأزمات التي تمزق بعض دول المشرق العربي.
لكن منذ اليوم الأول للحرب الأمريكية الإسرائيلية الحالية على إيران، تراجعت في المنطقة الأصوات المناهضة لإيران وطغت الأصوات الداعمة لها.
يجد كثيرون في الشرق الأوسط صعوبة في استيعاب هذه المقاربة رغم أنها بسيطة: سرها البعد الجغرافي الذي جعل أن مجتمعات المغرب العربي لم تتضرر من سياسات إيران كما تضررت مجتمعات لبنان وسوريا والعراق واليمن.

 المواقف الرسمية لكل من الجزائر وتونس تحكمها الرغبة في تفادي فصول من التوتر مع إدارة ترامب

هذا البعد الجغرافي (وغياب الضرر) يجعل الناس في المغرب العربي يستغربون مقولة البعض في المشرق أن إيران تتحكم في أربع عواصم عربية. ويجعلهم لا يفهمون لماذا يحقد بعض السوريين مثلا على الفلسطينيين بسبب امتنانهم لإيران على دعمها لهم.
قد يبدو في الأمر شيء من الأنانية وقلة شعور بوجع الآخر، لكن هذا هو الواقع على بساطته.
وقد أوجد البعد الجغرافي مواقف غريبة أحيانا: الذين انتفضوا في تونس على نظام زين العابدين بن علي وأطاحوا به، تغيّروا عندما تعلّق الأمر بسوريا وصدّقوا أن نظام بشار الأسد تعرض لمؤامرة كونية بسبب دعمه للقضية الفلسطينية. ولذلك لا مشكلة لديهم أن تدخلت إيران وحزب الله اللبناني وحسمَا، مع روسيا، المعركة لصالح الأسد. علما أن نظام الأسد، في عهد الأب والابن على السواء، قتل الفلسطينيين ونكّل بهم وقسّمهم واستعملهم شر استعمال.
الصورة مشابهة في الجزائر: الذين تعاطفوا مع نظام الأسد في 2011 و2012 واعتبروا ثورة السوريين عليه مؤامرة إمبريالية، ولم يشكل التدخل الإيراني في سوريا مشكلة لهم، انتظروا 2019 لينتفضوا على الرئيس بوتفليقة ويساهموا في الإطاحة به. علما أن بوتفليقة كان ألف مرة أرحم من بشار الأسد.
الإعجاب في المغرب العربي بإيران ليس لأنها فارسية أو شيعية، أو لأن لها خططا غير بريئة في المشرق العربي. إنه ببساطة نابع من إيمان بأنها تقف في وجه الظلم الذي تمارسه أمريكا وإسرائيل، ولأنها آخر من يصون ما تبقى من كرامة للمنطقة وأهلها.
وفي الصورة الأكبر.. توالي الخيبات والنكسات يدفع العرب إلى الافتتان بكل من يلبي لهم ما عجزوا عنه، في كل المجالات. والإعجاب بإيران هو الحلقة الأبرز من هذا المشهد. فلو وُجدت حكومات عربية تقف نداً لإسرائيل وأمريكا، كان سيستحيل على إيران أن تظفر بكل هذا الإعجاب بين العرب.. مشارقة كانوا أو مغاربة.
لم تنجُ التباينات إزاء إيران من توظيف سياسي. المغرب يبرز في هذا التوظيف أكثر من الآخرين. ذخيرته أن إيران تدعم البوليساريو بالسلاح، رغم أنه لا يوجد دليل على ذلك ورغم أن البوليساريو والمغرب ليسا في حالة حرب بالسلاح.
كما سعت أذرع إعلامية ودعائية قريبة من النظام المغربي للتحريض على الجزائر من خلال الترويج إلى أن الجيش الجزائري أرسل ضباطا إلى سوريا لدعم التنظيمات الإيرانية في دفاعها عن نظام الأسد في وجه المعارضة السورية المسلحة، وأن بعضهم وقع في الأسر. وهذه فرية مضحكة لا يصدّقها إنسان يعرف أقل من القليل عن عقيدة الجيش الجزائري.

٭ كاتب صحافي جزائري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *