2+2=5»… بيان سينمائي ضد فاشيات العصر


المخرج الهايتيّ راوول بيك من القلائل ممن يمكن القول إنه صاحب مشروع، رؤية، لفيلمه الوثائقي، وذلك لنسقٍ عام يمر على جميع أفلامه، روائية ووثائقية. لكنه، كذلك، من النادرين باتخاذه الوثائقي متناً لعمله السينمائي والروائي هامشاً. فهو مؤلف أفلام وثائقية ذات مشروع فكري وسياسي واضح، وإلى جانبها، لا العكس، ينجز أفلاماً روائية، تكون من روح المشروع ذاته.
فيلمه الأخير، «أورويل: 2+2=5» (Orwell: 2+2=5) المشارك في مهرجانَي كان وسان سيباستيان السينمائيين، يُعدّ طبقةً جديدة، أو بعداً إضافياً، في هذا المشروع المبني على أفلام تناولت شخصيات ومسائل ذات بعد كفاحي وحقوقي وإنساني، في المجتمع الأسود تحديداً وليس في الولايات المتحدة حصراً، قبل أن يبتعد أكثر في فيلمه الأخير، إلى الإنسانية كافة.
بعد أفلام في بداية مسيرته منها، وثائقي ثم روائي عن القائد السياسي الاستقلالي الكونغولي لومومبا، تقدّمت مسيرته الفيلمية، وهي ليست بسيطة أو قصيرة، منها روائيٌّ عن كارس مارك الشاب مثلاً، حتى وصوله إلى قمة تجعله من بين الأكثر تمايزاً، والأقوى، اليوم في صناعة الفيلم الوثائقي، تحديدا مع فيلمه «لست زنجيّك» (I Am Not Your Negro – 2016)، الفيلم الخاص في عموم تاريخ السينما الوثائقية، ناقلاً بكلمات الروائي والكاتب الأمريكي الأسود جيمس بالدوين، مسار العنصرية في الولايات المتحدة في القرن العشرين. يتلوه فيلم آخر كرّس موقعاً خاصاً لبيك في هذا النوع السينمائي، هو «إرنست كول مصوّر» (Ernest Cole, photographe – 2024)، ويتناول قصة حياة أول مصور فوتوغرافي أسود في جنوب افريقيا.


أضاف بيك هذا العام إلى مسيرته فيلماً لا يقل أهمية وجودة، بل أكثر، يمكن اعتباره بياناً فكرياً وسياسياً في شكل الفيلم الوثائقي، يمكن اعتباره قراءة معاصرة لرواية جورج أورويل الديستوبية (1984)، مقدماً الرواية بوصفها دليل شرح للأنظمة الراهنة، الشمولية منها والشعبوية والإمبريالية، معطياً دائماً نماذج من سياسات اليمين المتطرف وخطاباته، إلى جانب دونالد ترامب، نتنياهو وبوتين وملوني وغيرهم، والأنظمة المتطرفة في أمكنة وأزمنة شتى من العالم، من الهند إلى الأرجنتين، ومن ألمانيا النازية إلى الصين اليوم، ومآسٍ إنسانية وصلت حد الإبادة، من غزة إلى ميانمار. هي وغيرها نماذج من الحروب الإمبريالية كما شرَحها، أو شرح مقدمات لها، أورويل في روايته.
كما فعل بيك في «لستُ زنجيّك» إذ ارتكز على نصوص لبالدوين في سرد الفيلم، وكما فعل في «إرنست كول مصوّر» إذ ارتكز على صور ويوميات لكول في سرد الفيلم، ارتكز الوثائقي الجديد على نصوص لأورويل، من مقالات ورسائل وأدب، وتحديداً من الدفاتر الأخيرة للروائي، بانياً سرداً مكتوباً من خلالها، شارحاً، بها، حالات فاشيّة معاصرة، مقدماً سرداً بصرياً مأخوذاً من أعمال سينمائية سابقة نقلت الرواية إلى الشاشة، ومن لقطات وصور أرشيفية بعضها غير معروف مأخوذ من ورثَة أورويل، ومشاهد حديثة من أحداث وخطابات وغيرها. قارب بيك السرد بجانبيه، الكلامي والصوري، ليكون أحدهما شرحاً للآخر، فكانت المَشاهد، ترامب في خطاباته مثلاً، أو نتنياهو يكرر أن دولته تريد السلام، كانت أقرب إلى شرحٍ معاصر لنصّ أورويل المنشور أول مرة عام 1949، كما بدت الرواية، بوصفها نصاً أدبياً وفكرياً في الوقت عينه، تشريحاً للواقع الذي يعيشه العالم اليوم، مع تطرّف الفاشيات واتخاذها أشكالاً ولغات مختلفة.
قبل تأليف روايته الأخيرة، مريضاً ومنعزلاً في جزيرة نائية، كتب أورويل في أحد دفاتره، ما نسمعه في الفيلم، بأن نقطة انطلاقه كانت دائماً الشعور بالظلم. من هنا يمكن مقاربة الفيلم الذي يتخذ من ثلاثة مفاهيم أساسية للديكتاتوريات مسارات فصلية له، هي كما نصّت عليها الرواية، بكونها شعارات الحزب الحاكم فيها: «الحرب هي السلام، الحرية هي العبودية، الجهل هو القوة». ليكون الوثائقي مقسَّماً إلى فصول ترسمها هذه المقولات، موضّحاً الطبيعة الواحدة للأنظمة الشمولية كافة، أنظمة الإبادات الجماعية، في اتخاذ المقولات هذه تفسيراً مباشراً لتطبيق سياساتها، على اختلاف جغرافياتها وهويات ضحاياها.
كما يفكك الفيلمُ الخطاب الإعلامي المحيط بسياسات الأنظمة الفاشية، من الولايات المتحدة اليوم إلى كل العالم، معطياً إسقاطاً معاصراً مبنياً على الرواية الديستوبية، منقولاً، الإسقاطُ، متكرراً على أفواه المذيعين كما هي على أفواه السياسيين ومجرمي الحرب، مماهياً، الفيلمُ، بين المستضعَف في كل الكوكب، من جهة، والمستضعِفين بدءاً من أجهزتهم الإعلامية، حتى صناعاتهم الحربية، مروراً بسياساتهم الاقتصادية. مقدماً، الفيلمُ في مَشاهده الأولى، الفكرةَ دائمة الصلاحية طالما كان هناك فن، وطالما كانت هناك سياسة، بأن «الرأي في أن على الفن أن يكون منفصلاً عن السياسة، هو بنفسه موقف سياسي». ليكون الفيلم، أخيراً، بياناً سياسياً وفنياً عالياً ومحكَماً، شاملاً ودقيقاً، ليكون هذا الوثائقي مقالة فيلميّة، كما هو بيان سينمائي، ذو وقعٍ في الراهن السياسي والاقتصادي، كما في التاريخ الإنساني الحديث، وليكون مرجعياً في تعريفات الفاشيات، لكن أساساً، في معنى أن يكون الفيلم وثائقياً، ومعنى أن يكون الفيلم الوثائقي سياسياً.

كاتب فلسطيني سوري



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *