الأمم المتحدة – “القدس العربي”: في إحاطة خُصصت لموضوع الأعمال المتعلقة بالألغام، الأربعاء، عرض كل من روب سيفريت، رئيس برنامج الإجراءات المتعلقة بالألغام في إثيوبيا التابع للأمم المتحدة، ومحمد صديق رشيد، رئيس البرنامج ذاته في السودان، واقع التلوث بالذخائر غير المنفجرة في البلدين، مع تركيز خاص على السودان في ظل النزاع المستمر منذ أبريل/ نيسان 2023.
واستهل محمد صديق رشيد مداخلته بالإشارة إلى أنه يتحدث من الخرطوم، التي وصفها بأنها كانت «لمدة تقارب العامين مركز نزاع مدمّر»، مضيفًا أن السودان لا يزال «أزمة لا تحظى بتغطية كافية»، رغم أنه يواجه «أكبر أزمة نزوح في العالم»، إلى جانب تدهور سريع في الوضع الإنساني. ودعا الصحافيين إلى زيارة البلاد والاطلاع على الوضع ميدانيًا، مؤكدًا استعداد البرنامج لتسهيل الوصول إلى المناطق المتأثرة وعمليات إزالة الألغام.
وأوضح رشيد أن حجم وطبيعة التلوث في السودان «مقلقان»، مشيرًا إلى أن النزاع دار داخل المدن، ما أدى إلى انتشار المخاطر المتفجرة في البيئات الحضرية، بما في ذلك المنازل والطرق والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية الحيوية، وغالبًا ما تكون هذه المخلفات مختلطة بالأنقاض. كما أشار إلى ظهور تهديد جديد يتمثل في الألغام الأرضية، مع تحديد سبعة حقول ألغام حتى الآن داخل مدينة الخرطوم.
وأضاف المسؤول الأممي أن عودة العائلات إلى مناطقها تتم في «بيئة شديدة الخطورة»، وغالبًا «دون وعي بالمخاطر». وفي إقليم دارفور، قال إن الوضع «لا يزال مقلقًا للغاية»، مشيرًا إلى أن مدينة الفاشر تعرّضت لقصف مستمر لأكثر من 500 يوم، ما أدى إلى تلوث واسع واستمرار المخاطر على المدنيين. كما لفت إلى أن القتال في ولايات كردفان ترك بدوره مخلفات خطرة من الذخائر غير المنفجرة.
وأكد رشيد أن النزاع «لا يزال مستمرًا، بل ويتصاعد في بعض المناطق»، مع استمرار استخدام الأسلحة الثقيلة، بما في ذلك الأنظمة غير المأهولة، وهو ما يؤدي إلى زيادة التلوث يومًا بعد يوم. وأشار إلى أن ما يشهده السودان اليوم «يعيد إلى الأذهان تجارب سابقة»، مع فارق أساسي يتمثل في أن التلوث الحالي يحدث داخل مناطق حضرية مكتظة بالسكان، ما يضع «ملايين المدنيين في خطر يومي مباشر».
وقدّر رئيس برنامج تطهير الألغام في السودان أن نحو 14 مليون شخص معرّضون لخطر الذخائر المتفجرة، بمن فيهم المدنيون العائدون والعاملون في المجال الإنساني، موضحًا أن الأطفال هم الفئة الأكثر عرضة للخطر، إذ قد يتعاملون مع هذه المخلفات دون إدراك لطبيعتها.
كما أشار محمد صديق رشيد إلى أن الذخائر غير المنفجرة أصبحت من «أكبر التهديدات أمام الوصول الإنساني الآمن»، حيث تعيق حركة العاملين الإنسانيين وتؤثر على قدرتهم على إيصال المساعدات والعمل بأمان. وأكد أن معالجة هذه المخاطر شرط أساسي لعودة السكان واستعادة الخدمات وبدء إعادة الإعمار، مضيفًا أن السودان كان يعاني أصلًا من تلوث متراكم نتيجة نزاعات سابقة، بينما تضيف الحرب الحالية «طبقة جديدة أكثر تعقيدًا» من التلوث في مناطق مكتظة.
وفي ما يتعلق بالاستجابة، أوضح المسؤول الدولي أن برنامج إزالة الألغام في السودان «تأثر بشدة» جراء النزاع، بما في ذلك فقدان معدات أساسية، مشيرًا إلى أنه في مرحلة من العام الماضي واجه خطر التوقف بسبب نقص التمويل. وأضاف أن الجهود بدأت تستعيد زخمها تدريجيًا، لكنها «لا تزال أقل بكثير من المطلوب».
وبيّن أن الأنشطة الحالية تشمل توعية المجتمعات والعاملين الإنسانيين بالمخاطر، وإجراء المسوحات وعمليات الإزالة، إضافة إلى دعم الضحايا. وأوضح أن التركيز الحالي ينصب على الخرطوم بسبب عودة السكان، في حين لا تزال مناطق أخرى، خصوصًا في دارفور وكردفان، تعاني من نقص التغطية.
وأشار رشيد إلى أن الكوادر الوطنية والمنظمات المحلية تقود جزءًا كبيرًا من هذه الجهود، في إطار التوجّه نحو توطين العمل الإنساني، لكنها تحتاج إلى دعم مستمر وبناء قدرات وموارد لضمان العمل بأمان وفعالية.
واختتم رئيس برنامج تطهير الألغام في السودان بالتأكيد على أن «حجم التلوث يتزايد، بينما تظل الاستجابة محدودة»، مشددًا على أن الأعمال المتعلقة بالألغام تمثل شرطًا أساسيًا للوصول الإنساني الآمن اليوم، وللتعافي وإعادة الإعمار مستقبلًا. ودعا المجتمع الدولي إلى زيادة الدعم بشكل عاجل من خلال تمويل مرن، وتعزيز القدرات التشغيلية، وتوفير الخبرات الفنية، إلى جانب أهمية تمكين الجهات الوطنية من تنفيذ هذه الأنشطة دون عوائق.