يوميات الفنانين والشعراء في الحروب الكبرى التي نحياها… بين صلابة كضرورة بيولوجية و«وحده إله قادر أن ينقذنا»


بيروت ـ «القدس العربي»: سؤال وحيد وجّهته «القدس العربي» لمجموعة مؤثرة من الفنانين والشعراء، أتى من وحي ما يحيط بنا من حرب بلا ضوابط. حرب يقودها مرضى تتشابك لديهم بلا شك جملة من الأمراض النفسية، أقل تلك الأمراض جنون العظمة، والتمسك بالامتيازات التي تتيحها لهم مواقعهم، مبعدين عن أسمائهم ولو لبعض الوقت مساءلات حول تُهم عن أقذر ما يمكن أن يكونه بشر من انحطاط.
قصف بمختلف أنواع الأسلحة الفتّاكة يطال العائلات في أماكن احتمائها. حرب لم تنته في غزّة ويتواصل التطهير العرقي، والذي ارتقى بأهدافه الصهيونية الواضحة ليكتسب صفة إبادة. إبادة مستمرة فصولاً وبمختلف الأنواع سواء بالقتل بالرصاص أو القذائف، أو بالقتل تجويعاً، وبرداً، ومنعاً للعلاج والدواء. وبعض العالم الشريك في الجريمة عائم على اختراع سمّاه «قائد السلام العالمي» زوراً بـ«مجلس السلام». خَفَت صوت العالم فيما خصّ غزّة هاشم، وبات منشغلاً بالأزمات العالمية غير المسبوقة التي استولدها العدوان الكبير على إيران ولبنان، والذي طالت شظاياه دول المنطقة كاملة وخاصة دول الخليج.
حرب كبرى تكاد تقترب لتكون عالمية نظراً لرقعتها الجغرافية الواسعة جداً، في تأثير النار المباشر، وكذلك في الأثر الاقتصادي الذي شمل الكرة الأرضية برمتها. فهل للفرد أن يتابع يومياته من دون أن ينشغل من قريب أو بعيد بتفاصيل ما يجري؟ وبدون أن يبحث في مآلات الحرب المستقبلية، وما ستفرزه من تداعيات، وما ستحدده من تغيير على مستويات عدّة؟
سؤال «القدس العربي»: «كيف تعيشين أو تعيش أياماً متفجّرة وقاسية تشهدها منطقتنا العربية في هذه الحرب الكبرى؟

رائدة طه:
الحرب قبح مُطلق والحق لا يمنح طوعاً

• الكاتبة والممثلة والمخرجة رائدة طه: لا يملك الفنّان في الحرب ترف الانسحاب. إنه كائنٌ معلقٌ بين ما يحدث، وما لا يُحتمل حدوثه، يتابع لا بدافع الفضول، بل بدافع النجاة من العمى. يستقي من الألم كما لو أنه مصدره الوحيد للحقيقة، وينتظر، لا لأن الانتظار خيار، بل لأنه قدرٌ مؤجّل، وفي داخله، تنمو أفكار كجروحٍ مؤجَّلة النزف. وتتشكل المشاريع كأحلامٍ تعرف مسبقاً هشاشتها. يمشي بين الإحباط والأمل كمن يعبر حبلاً مشدوداً فوق هاوية، لا يسقط، لكنه لا يصل، لا مهرب. الحرب ليست حدثاً خارجياً، بل مناخٌ داخلي يتسرّب إلى اللغة إلى الخيال، إلى نبض القلب نفسه. تمتلئ جعبته لا بالقصص فقط بل ببقايا أصوات، بوجوهٍ لم تكتمل ملامحها وبتفاصيل صغيرة، هي وحدها التي تنجو من النسيان. أن تكون فلسطينياً يعني أن تحمل زمناً لا يُقاس بالسنوات، بل بالانكسارات المتراكمة في الوعي. قرنٌ كامل يسكنك نصفه ورثته من دون أن تختاره ونصفه الآخر عشته حتى صار جزءاً من طريقة نظرك للعالم. تصبح الصلابة لا فضيلة، بل ضرورة بيولوجية للبقاء. الحرب، في جوهرها، قبحٌ مطلق لكنها، حين تُساق باسم الحرية، تُربك المعنى: كيف يمكن للدم أن يكون طريقاً للنور؟ وكيف يمكن للخراب أن يدّعي العدالة؟ ومع ذلك، تبقى في وعي من يعيشها، وسيلةً قاسيةً لانتزاع حقٍّ لا يُمنح طوعاً. أما أنا فأعيش على حافة التناقض: أعمل كأن للحياة امتداداً.. وأحزن كأن الفقد قانون.. وأبتهج كأن الأمل خطأٌ جميل..أتأقلم.. ثم أضجر من هذا التأقلم، كأن الروح ترفض أن تعتاد ما لا ينبغي أن يُعتاد. قلّما أنام ليس لأن الليل صاخب، بل لأن الداخل أكثر ضجيجاً. أحلم في يقظتي، كأن الحلم لم يعد يثق بالنوم وأنتظر، أقاوم الانتظار أجرّه من عنقه كلّ صباح وأتركه يتعثّر خلفي كظلٍّ ثقيل فأنا لا أحبّ الانتظار.

جوزيف عيساوي: وحده إلهٌ ينقذنا؟ ومن لم يولد فقد نجا

• نثر الشاعر جوزيف عيساوي إجابته عبر محطات، وكتب:

1-مطرٌ وهدير الطائرة الحربيّة. النوم ملفٌّ مبعثر. ترعد على شكل صاروخ: هي الطبيعة تقلّد الموت. النمور في أقفاصها والمدينة باتت كدجاج مكسور. أنا والقلق حبيبان، في السرّاء والضرّاء حبيبان. كلُّ مَن عليها فانٍ، ومَن في بطنها سيُبعث حيّاً، ومن لم يولد فقد نجا.
2-الآن وشتاء نوويّ أو ما يماثله على الأبواب، من قنابل هائلة الفتك، هيدروجينيّة وكهرومغناطيسيّة، مدموجة بتكنولوجيا الفضاء وبرامج الذكاء الاصطناعيّ، تعود عبارة مارتن هايدغر «وحده إله قادرٌ أن ينقذنا» قالها لـ«دير شبيغل» العام 1966، لا يأساً من القادة والزعماء والديمقراطيّة وحسب، بل كما يكتب فتحي المسكيني بسبب «ضلال كامن في ظاهرة عالميّة هي لقاء الإنسان بجوهر التِقنية، بدون أيّ وجهة حقيقيّة لقيادتها نحو رعاية الكينونة كملكوت (Ereignis ) لا نملكه بل يملكنا، ككائنات لا قدرة لها على امتلاك قدَرها».
3-انها تمطر هذا المساء، الأرض المكلومة تسأل الشتاء عن الله: أأنت من لدُنه، ينهمر بقوّة. في العراء يبيتون، يسأل الناس السيل عن الإله، تقصف الرعود خيمهم، تحرقها. في البيت اسأل السماء عن الله، اسمعُ الصمت: أنا هو، من يصلّي يغرز في خاصرتي اللغات. أيّها الصمت، سنصمت لنقترب من هوائك، لكن قل ولو حرفاً. حرف نبحث عنه في الطوفان، في المساكن والملاجئ، وعراء الليل، حرف واحدٌ، مستوحد مثلك، مثلنا، صمت نازف، قُل دماً غير هذا الدم. لكن نرجوك، لا تكن ابداً صَمْتَ الجثمان.
4-فلنزرع بالصلاة إلهاً علّه ينبت في السماء.

أسامة بعلبكي: لا أستكين لإحساس عدمي لا بناء فيه ولا تأسيس

• الفنان التشكيلي أسامة بعلبكي: في زمن الحروب والمصائب الكبرى يرتفع لدى الفرد منسوب غريزة البقاء. يتبدل نوع الحياة ويتولد استنفار مشاعري خاص يؤدي للنأي بالنفس عن تفاصيل محددة كانت في الأيام العادية بديهية أو مملة. في قضية كما صراعنا مع الصهيونية يفترض الحفاظ على الإحساس بالمواجهة فيما يمتلئ الزمن بما هو ملحمي. تتعايش البطولات مع التعاسات ومع المواقف الضعيفة. هو زمن متخالط يستولد نغمة عالية الوتيرة، حماسية أحيانا كئيبة أحياناً أخرى. يتحسس أحدنا مشاعره حيال الناس، يشعر بأهل وطنه وكأنهم عائلة، هذا المنسوب يرتفع كثيراً. من جهتي أراقب الأمور من موقع الشاعر أو المؤرخ. أسعى في حالات الحروب كما هذه التي نعيشها أن احتفظ بهدوء أعصابي وبنقاء التفكير. أنقطع نسبياً عن الأخبار وعن سيل المعلومات الجارف والمتضارب، معلومات بين مزيف وحقيقي تتلف الروح. في أدائي اليومي كفنان أفضل اللجوء إلى مخيلة متصلة بالكتب وتكثيف القراءات، يزداد إنتاجي اليدوي وأتحفز له أكثر. الواقع يبقى حاضراً في آمالي بأن تنتصر شعوبنا، إنما عملي يتخذ نهج الإنتاج الحدثي الداخلي، بعيداً عن التواطؤ مع اللحظة. لا أمتثل لها ولا أنتهزها، ما أعيشه يعتمل في داخلي، وسيخرج في زمن آخر بدون شك. الخمول مقابل الشاشة أجده ساماً بحدود ما.. اشعر بطاقة إنتاج أكبر من تلك التي أعيشها في الأيام العادية. في التاريخ البشري فترات الحروب طويلة، المهم ما تنتجه تلك الحروب، فجر جديد، إرادة جديدة؟ هنا المهم. كذلك أن لا يستكين أحدنا لإحساس عدمي لا بناء فيه ولا تأسيس من جديد. إنها الإرادة التي تنهض في زمن الحروب وفي مواجهة عدوٍ كعدونا يدعي التمدن وهو رداء لوحشيته الدفينة. ومن المهم لمنطقتنا رغم القصور الحضاري الذي تعانيه من تخلّف في النظم، أن نظهر فطرتنا وحرارتنا الإنسانية إزاء توحش علمي وبارد يدعي الأخلاقية. من المهم أن نحافظ على مشاعرنا العالية وعلى أخلاقيتنا. كل هذا أعيشه ويشغل تفكيري خلال الحروب وخاصة هذه الحرب واهتم بالحفاظ على عزلتي ونقاء تفكيري فنحن في لحظة مشدودة تتطلب من الفرد إدارة أعصابه.

ميراي بانوسيان: كيف ننأى عن الحرب والنازحون في الطرقات والخيم؟

• الممثلة ميراي بانوسيان: أظنني أعيشها كما جميع اللبنانيين الذين تكررت في حياتهم الحروب. في عمر صغير وبعيداً عن المسؤوليات نعيش ظروف الحرب بوتيرة مختلفة. رافقت الحروب حياتي كما غيري من اللبنانيين من المدرسة وصولاً إلى الجامعة، وما بعدهما، حروب نعيشها وفقاً للمرحلة واختلافها. هذه الحرب خلطت الأوراق كما سابقتها خاصة مع الأمومة حتى وإن بلغ الأولاد سن الرشد. أعيش مع إبنتي في لبنان، وولداي في بلجيكا يصرّان أن نلتحق بهما في هذه الظروف، لكني أشعر بأن حياتي هنا وطريقة دفاعي عن وطني بأن أبقى على أرضه، وأكمل عملي الفني، فالفن ضد الحرب وضد الموت، واستمراره هو نوع من المقاومة لنتمكن من الاستمرار في هذا البلد، ولنؤكد أنه مهما كانت قوتهم التدميرية، فهم لن يستطيعوا تدمير إبداعنا ولا فكرنا، ولن تحول قوتهم التدميرية من منع كلمتنا على المسرح أو تقزيمها. في يومياتي كممثلة أواصل مهمتي التعليمية ليوم واحد أسبوعياً في طرابلس. من دون شك تترك الحروب الكبرى كهذه اثراً على مسار الحياة اليومي وانتظامها. ليس لأي منا تجاهل مشاهد النازحين على الطرقات وفي الخيم البلاستيكية في الساحات. كل من يحمل ذرّة إنسانية لن يكون بمنأى عن التأثر، وكل من يستيقظ ليشكر ربه يومياً بأنه ما زال ينام تحت سقف منزله، ومع ذلك فإن مشاعر عدم الأمان التي يعيشها الآلاف من أهل الوطن تنعكس بدون شك عدم أمان على الجميع، فهم أهلنا وجزء منّا. مهنياً كنت قد بدأت دورة تدريبية قبل الحرب في مسرح المدينة. الأستاذ حسن صادق يدرّب على السينوغرافيا، وأتولى تمارين التمثيل. ونحن بصدد نص عنوانه «الله جبر» مقتبس من ارسطوفان «نساء البرلمان» يعالج انقلابات السلطة، ودور الشعب الذي يرفع مطالبه ساعياً لحقوقه. في هذا النص نُعَبّر عن بلد يُدخلونه في آتون الحروب، فنحن في لبنان وكأن العين علينا، مرّت علينا الكثير من الجيوش، ومنذ سنوات وإسرائيل تواصل حروبها. نحن في حروب لا تتوقف ونحن كمجموعة مدربين ومتدربين نجد متنفساً حقيقياً بنزولنا إلى المسرح. حينها ننجح بالانفصال عن الواقع جميعه ونعبّر عن ذاتنا حيال مستجدات الحياة وما يحصل في هذا العالم، فما نقوم به نوع من المقاومة الثقافية الفنية.

زياد الأحمدية:
قلق عام ومستقبل البشرية على المحك

• المؤلف وعازف العود والمؤدي زياد الأحمدية: مع إلغاء التعليم الحضوري في الجامعة نتيجة تشتت إقامة الطلاب في غير منازلهم، بات التعليم أونلاين. نعطي المحاضرات بما لا يرهق كاهل الطلاب في ظروف غير مستقرّة. نسبة محدودة من الطلاب تتابع الدراسة عن بعد، ويبقى دورنا تشجيعهم للتمسك بسلاح العلم، وأن لا يستسلموا للواقع. ومن لا تسمح لهم ظروفهم بالمتابعة عن بعد يمكنهم الإطلاع على المحاضرات مسجلة عبر «غوغل كلاس روم». ألتزم بالتعليم ليومين أسبوعياً، وفي بقية الأيام اُلازم منزلي. أحرص على التمارين بشكل دائم وأسعى لإنجاز مجموعة أفكار لم يتسنّ لها الوقت سابقاً. لن يكون للإنسان في مثل هذه الأوضاع حياة طبيعية بل العكس. أعلن مترو المدينة عن تقديمه لنشاطات مسائية، ولم أشعر بأية رغبة في أن أكون على المسرح مطلقاً. لكني أكتب بعض الموسيقى، أوزع مقطوعة قديمة وأزيد من التمارين حفاظاً على عطائي كعازف. أتاح لي هذا الزمن العاصف تسجيل أغنية مع أميمة الخليل وتصويرها في منزلي. عزفت البيانو وغنّت أميمة مباشرة مع التصوير. الأغنية من كلماتي وألحاني، فيها فتاة تخاطب حبيبها «مش راح تتغير بالصيف حالتنا ولا بالشتي.. يمكن راح ننطر للصيف ومن بعدها مننطر شتي.. اوعا تفكرني شي ضيف بشي صيف وفالل بالشتي.. انت عارف مني ضيف.. وعارف إني بالشتي…» وتتألف من مقاطع أربعة، تجمع بين اليأس والأمل. بعيداً عن المهنة تترك الحرب قلقاً، وكل سنة تزداد التعقيدات عن التي سبقتها. قد لا نخاف في عمرنا هذا، لكننا قلقون على مستقبل أبنائنا سواء كانوا من صلبنا أو من طلابنا. في ظل هذه الحرب تتزاحم الأسئلة عن نوع الوطن الذي سيكون لأبنائنا مستقبلاً. فمن تفتح وعيهم بعد سنة 2000 لم يشعروا بالاستقرار حتى الآن. فما هو مصيرهم في ظل عالم مُلتهب في كل أصقاعه؟ نحن في حرب وضعت مستقبل البشرية جمعاء على المحك، القلق كبير وعام، ردهاً كبيراً من الوقت والطاقة الإنسانية تستهلكه الأخبار والتعليقات والتعصيب، بدل أن أعيش كموسيقي ضمن عملي وحرفتي. تواصل هذا الحال يؤدي للدمار الداخلي، مرحلة صعبة على الجميع، وكل منا مُطالب بتركيز جهده لمتابعة الحياة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *