عاش يوري نجيبين (1920–1994)، أحد أبرز كتّاب الحقبة السوفييتية، حياة إبداعية طويلة وغنية بالإنتاج. تعاقبت العهود السياسية وتبدّلت الظروف التاريخية، فيما امتدّ عطاؤه الإبداعي نحو خمسة عقود، مقرونا بحضورٍ فعليّ في المشهد الأدبي؛ إذ كانت أعماله تُطبع بأعداد كبيرة تصل إلى مئات الآلاف من النسخ، وتحظى باهتمامٍ ملحوظ من القرّاء والنقّاد فور صدورها، فتتبوأ مكانها ضمن أبرز الإصدارات المتداولة في زمانها، وهي ظاهرة نادرة في أدب روسيا في القرن العشرين.
عرفه القارئ الروسي روائيا وقاصا وكاتبَ سيناريو بارعا، يمتاز نثره بالدقة والاقتصاد اللغوي وبانشغالٍ عميق بالعالم النفسي للشخصيات. وقد خلّف نتاجا غزيرا تجاوز المئة كتاب، تنوّعت بين الرواية والقصة والمقالة، كما كتب سيناريوهات اثنين وأربعين فيلما ناجحا، من بينها الفيلم الياباني ـ السوفيتي المشترك «ديرسو أوزالا» الحائز جائزة الأوسكار عام 1976.
ولم يكن حضور نجيبين في الحياة الثقافية مقتصرا على موهبته الأدبية وحدها؛ فقد تميّز بوسامته وجاذبيته الطبيعية، وبنسبه النبيل الواضح، مما جعله مختلفا عن غيره من الكتّاب السوفييت. عُرف بأناقته الراقية، وأخلاقه الرفيعة، وذكائه الحاد؛ وكان يقرأ يوهان فولفغانغ فون غوته ومارسيل بروست وغيرهما من الأدباء الغربيين بلغاتهم الأصلية. فلا عجب أن شخصيته الجذابة كانت محطّ أنظار النساء، وأن تزخر سيرته بالعديد من العلاقات والزيجات، وكانت إحدى زوجاته الشاعرة السوفييتية الشهيرة بيلا أحمدولينا. غير أنّه وجد السعادة الزوجية الحقيقية مع زوجته الأخيرة، المترجمة آلا غريغورييفنا، التي عاش معها ستة وعشرين عاما حتى وفاته.
كان نجيبين، في الظاهر، يملك كل ما يمكن أن يحلم به أي مواطن سوفييتي: شقة فسيحة في موسكو، ومنزلا ريفيا فاخرا في إحدى ضواحي العاصمة، وسيارة، ومالا، وفرصا للسفر. ومع ذلك كان يحلم بنمط حياة مختلف. والمفارقة أن الكاتب الذي حاول طويلا تجنّب الخوض في سلبيات الواقع السوفييتي، كان في قرارة نفسه معارضا. واجه مشكلات رقابية بسبب سيناريو فيلمه «الرئيس»، وتلقّى صدمات قاسية من تدخلات السلطة، حتى أُصيب بجلطة دماغية إثر شعوره العميق بخيبة الأمل.

في السنوات الأخيرة من حياته كتب ثلاث روايات عن سيرته الذاتية، تُعدّ من أهم أعماله وأكثرها جرأة، هي: «انهض وامضِ»، و«حماتي الذهبية»، و«دافنيس وكلو في زمن الأصنام السياسية والركود الطويل». في هذه الأعمال بلغ منجزه الأدبي ذروة نضجه؛ إذ حوّل تجربته الشخصية إلى مادة تأملية ناقدة تكشف التوتر بين الكاتب والسلطة، وتمتزج فيها جرأة الاعتراف بعمق التحليل والسخرية المريرة، فتغدو شهادة أدبية على مرحلة كاملة من الحياة السوفييتية، وخلاصة رؤيته وصراعه الداخلي مع زمنٍ قاسٍ ومثقل بالزيف. غير أن هذه الصورة، على اكتمالها الفني، لا تكشف إلا جانبا من تجربته. وتتجلّى النصوص الأكثر صراحة وحدّة في إرث نجيبين في يومياته الممتدة بين عامي 1942 و1986؛ وهي نصوص تتجاوز كونها يوميات شخصية لتغدو شهادة أدبية وأخلاقية على زمنها، تمتزج فيها الكتابة الفنية بالتحليل النفسي العميق، والرصد الدقيق للمحيط، والنقد الذاتي الصارم. وقد سلّم يوري نجيبين مخطوطات يومياته إلى النشر قبل وفاته بخمسة عشر يوما، مشيرا إلى أن صراحتها وجرأتها قد تثيران اهتمام القرّاء. ولمّا صدرت أحدثت صدى واسعا وأثارت جدلا كبيرا، إذ فوجئ كثيرون بالصور القاسية التي رسمها لهم، وبالطريقة التي كُشفت بها خبايا الوسط الثقافي. ففي هذه اليوميات ينكشف وجهٌ آخر للكاتب؛ يواجه نفسه وعصره مواجهة مباشرة، كاشفا ازدواجية النخبة المثقفة، وهيمنة الكذب وتآكل القيم الروحية. وكانت هذه اليوميات، في جوهرها، وسيلته للحوار مع ذاته وأداة لاكتشاف أعماقه؛ يظهر فيها إنسانا شديد الصدق مع نفسه، قاسيا عليها بلا رحمة، يدوّن أدقّ تفاصيل حياته الحميمة، وعذاباته الإبداعية، وشكوكه وتأملاته. كتب عن خوفه من فقدان هويته، وكشف عن علاقاته العاطفية وزيجاته، وعن صلاته الملتبسة بالوسط الأدبي السوفييتي، متطلعا إلى صدق لا يقبل المساومة. وكان أقسى ما يكون على نفسه؛ يوبّخها على إدمان الشراب، ووهن العزيمة، وخفوت الخيال، وسواها من أوجه القصور.
كتب هذه اليوميات الحميمة لنفسه، من دون أن يتصوّر حقّا أنّها ستغدو يوما ملكا مشاعا للقرّاء. غير أنّ شيطانا خفيّا في أعماقه كان يدرك المصير الآتي، فيدفعه إلى صقل عباراته أسلوبيا، واستبدال الأسماء بأخرى مستعارة (بيلا ـ غيللا)، وترك فجواتٍ عصيّة في بعض محطّات العمر. ليست قراءة سهلة؛ غير أنّ الحقيقة، كما يبدو، نادرا ما تكون سهلة التقبّل.
في زمن البريسترويكا، بدأ يلقي محاضرات في جامعات أمريكية عديدة، وكانت هذه الوظيفة الأكاديمية تُعدّ منفذا معروفا إلى الغرب أمام المثقفين السوفييت. وفي عام 1987 انتقل مع زوجته إلى إيطاليا، حيث أقام هناك مع زياراتٍ متقطعة إلى روسيا، وكأن مساره أفضى إلى الانخراط الفعلي في الفضاء الغربي، الذي طالما سعى إلى تمثّل قيمه داخل بلاده، بعد حياةٍ ظلّ فيها التوتر قائما بين الامتياز الظاهري والاعتراض الصامت. لم يكن لدى يوري نجيبين أطفال. وقد صرّحت زوجته الأخيرة آلا نجيبينا، التي عاش معها خمسة وعشرين عاما حتى وفاته، في مقابلة قائلة: «على أي حال، كان بإمكاني أن أنجب منه أطفالا. لكن ذلك جاء بعد اجتياح القوات السوفيتية لتشيكوسلوفاكيا. وقد قال لي: “في هذا البلد لا أريد أن يكون لي أطفال». كان يأخذ مسألة استمرار النسل على محملٍ بالغ من الجدية. ولم يكن يرى في هذا البلد مستقبلا للأطفال». وتضيف آلا عن حياته وأدبه: «كانت هناك أسطورة حول نجيبين: رجلٌ ميسور الحال، كاتبٌ ناجح نال كل الجوائز المتخيَّلة وغير المتخيَّلة، حتى بدا وكأن الحظ لا يفارقه. لكن هل كان مصير نجيبين الكاتب سعيدا؟ أعتقد أن الكاتب والسعادة مفهومان لا يجتمعان. من السعادة لا يولد شيء، إنما يولد كل شيء من المعاناة». وتتابع: «مثل كثيرين، لم أتقبّل في البداية نثره الجديد، ثم فهمت أنه كان يبصق على الماضي بالكلمات التي كان يستحقّها. لم تسقط الرقابة الخارجية وحدها، بل سقط أيضا ذلك الرقيب الداخلي، الأشدّ قسوة. ولعلّ ذلك الواجب – أن يقول كلّ ما فكّر فيه طوال حياته – هو ما أبقاه حيّا. وحين قاله كلّه، أسدل الستار على حياته في السابع عشر من حزيران/يونيو 1994».
خواطر نجيبين: مواجهة الزمن العصيب
* فقدتُ الإحساس بالاتجاه في ما يحيط بي، وأصبحتُ منطويا غير قادر على التواصل. ولا أستطيع، بأي حال، أن أضبط نفسي على موجة الكذب الرسمي المُطبق. إنني على شفا الجنون من عفونة الصحف، وأكاد أبكي حين أسمع الراديو مصادفة أو تقع عيناي على الوجه المقزز لمعلّقٍ تلفزيوني.
*وماذا عن قصة المهرجان (يقصد حفل توزيع جوائز الأوسكار- جودت)، حيث كان فيلمي «ديرسو أوزالا» العرض الافتتاحي؟ يفاجأ الجميع حين أقول إنهم لم يدعوني إلى المهرجان على الإطلاق. حسب كل القواعد، كان من المفترض أن أكون جزءا من الوفد السوفييتي، لكنهم لم يوجّهوا لي دعوة حتى بصفتي ضيفا. وكان «ديرسو» منذ البداية أملنا الوحيد بعد سلسلة الإخفاقات المتتالية.
*العالم غارق في الرداءة: فنٌّ معيب، أدب معيب، عروض معيبة، سياسة معيبة، وقرارات وأفعال ورحيلٌ معيب لمن بيدهم السلطة. كل شيء زيف وهذيان وقذارة، ولا ظلّ للحقيقة، ومع ذلك اتفق الجميع على اعتبار النسخ الفجّة أصولا. شاهدت مراسم جنازة على التلفزيون؛ حتى الكنيسة والله زُجّ بهما في ألعاب شيطانية. يا رب، كيف تسمح بهذا؟ ولا أحد يشعر بالخجل. الجميع يمارس تجارته ببرود: الورثة، الأسرة، الثكلى، المقرّبون، الأقارب..
*اشتعل جدل واسع حول فيلم برتولوتشي «التانغو الأخير في باريس» قبل عرضه جماهيريا. عندما هوجم لا بدافع النفاق وحده، بل بجهل صادق، واعتُبر إباحيا، بينما يعدّه الإيطاليون ـ عن حق ـ تحفة فنية. هناك تدور حوله معركة فكرية وسياسية ضارية، ووجدنا أنفسنا في المعسكر نفسه مع رجال الدين والمحافظين. هذا يُذهل الإيطاليين؛ لا يزالون لا يستوعبون مدى محافظتنا، بل رجعيتنا في الفن.
*سألني طفل: «عمي، أهذا بنطالك؟» والسبب أنني أرتدي شورتا ما يزال غير مألوف. صرخت حارسة دار الاستراحة من كوخها: «يا للفضيحة! رجل مسنّ بلا حياء!» مع أن شورتِي طويل نسبيا. وهي نفسها ترتدي فستانا قصيرا ضيقا، ومع ذلك تُعدّ محتشمة. في زمن ستالين لم يُسمح للنساء حتى بلعب الكرة الطائرة بفساتين كهذه. كان زمنا يُوصف بالطهر الشديد. اليوم نحن أوسع حرية، لكننا لم نبلغ بعد تقبّل الشورت.
*سئم الناس الروتين واليأس والعجز عن تجاوز الدائرة الضيقة لمصيرهم، وسئموا مسؤولية الأسرة والحساب الدقيق لكل كوبيك، والشعور بأنهم لا يساوون شيئا وسط لا مبالاة اجتماعية هائلة.
*لا داعي للخوف من أن يصبح الشعب الروسي مهيمنا. سيُحافظ على فقره، بل سيزداد فقرا، وسيظلّ مضطهَدا، رازحا تحت بؤسٍ لا مخرج منه.. وسيبقى كل ما راكمه العالم على مرّ آلاف السنين من وجوده: المدن الجميلة، والكنوز الفنية، والمتاحف، والآثار القديمة. صحيحٌ أنه سيتم وضع حدٍّ لما هو في جوهره غير ضروري منذ زمن طويل: الإبداع، والمزيد من التقدم الثقافي. لن يكون هناك فن، ولا أدب، ولا حرية فكر، ولا حرية تعبير. الحياة أسهل من دونها. لكن ما سيبقى: الرياضة، والتلفزيون، والسينما، والسكر، والحياة الجنسية». ستُقيّد حرية التنقل، وستُحظر جميع أشكال الاحتجاج والمعارضة لإجراءات الحكومة وأيديولوجيتها الرسمية، لكن سيسود النظام، ستختفي العصابات والمافيا والمتطرفون والإرهابيون وجميع العناصر المقلقة الأخرى. لن يكون هناك يمين أو يسار، بل كتلة متجانسة من السكان المنضبطين والمحميين في مجتمع واحد. لا بطالة، ولا خوف من المستقبل؛ فالجميع مُؤمَّن لهم العمل والسكن والإجازات والرعاية الطبية والتعليم العالي والمعاش التقاعدي. لن يكون هناك داعٍ للقلق بشأن أي شيء.