القاهرة ـ «القدس العربي» : تعتبر تجربة الناقد السينمائي حسن شعراوي من التجارب القليلة الجادة، من حيث تحرير النشرات السينمائية وبرمجة الأفلام، وتحرير دورية سينمائية متخصصة، وكذا إدارة الندوات واللقاءات السينمائية. من ناحية أخرى تنحصر اهتماماته في كل ما يتماس والفن السينمائي، من دون صخب أو وجود وهمي في الصحف، أو مواقع التواصل.
في هذا الحوار يثير شعراوي الكثير من الجدل حول عدة قضايا تبدأ من السينما وتنتهي بمناخ عام نعيشه الآن..
تفاصيل
يذكر حسن شعراوي (مواليد عام 1962) بعضا من تفاصيل البدايات التي شكّلت ارتباطه بالسينما، والتي يمكن منها معرفة وجهة النظر التي يرى من خلالها الأفلام، فيقول.. كان والدي عاملاً في الجمعية التعاونية للبترول، وفي المساء كان يعمل في شبّاك تذاكر سينما الشرابية في القاهرة، وكانت والدتي تذهب وأنا معها لحضور الأفلام في السينما، حتى ينتهي والدي من عمله ونعود معاً إلى البيت، هكذا حكت لي والدتي، فقد كنت في الرابعة من عمري وقتها، أشاهد ما أشاهد من أفلام حتى أروح في النوم. وبعد عام 1967 انتقل أبي للعمل في المنيا مسقط رأسه، وانتقلنا معه بالطبع، ولم أعد إلى القاهرة إلا عند التحاقي بكلية دار العلوم، التي لم أكملها، ثم سافرت إلى إسبانيا وفرنسا التي درست فيها السينما لمدة عام كامل، وعملت مساعداً للإخراج في عدة أفلام، ثم عدت لاستكمال الدراسة في كلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة المنيا. وأخيراً الاستقرار في القاهرة والعمل في النقد السينمائي منذ عام 2000 من خلال مدرسة الجزويت، التي أسستُ من خلالها (نادي سينما الجزويت) ثم رئيس التحرير التنفيذي لـ»مجلة الفيلم».
من نشرة الفيلم إلى مجلة الفيلم
وعن تحوّل النشرة السينمائية إلى فصلية متخصصة يقول.. منذ عام 2009 وحتى 2014 اهتممت بتحرير «نشرة نادي السينما»، التي كنت حريصا على إصدارها منذ تولي النادي، فلا بد من متابعة نقدية جادة للأفلام المعروضة، وكذا النقاش حولها، من دون الاكتفاء بعرضها، كما يحدث في بعض التجمعات السينمائية الآن، فالنشرة كانت بمثابة درس نقدي للمشاهد والمتذوق السينمائي، فالسينما الجيدة، لا بد أن تسبقها ثقافة سينمائية جيدة. هذه النشرة التي أصبحت في ما بعد «مجلة الفيلم»، وجاءت بدعم من هيئة تابعة إلى جزويت فرنسا. فلم تكن هناك مجلة جادة متخصصة في السينما، بعيداً عن أخبار الممثلين والممثلات والدعاية للأفلام، بعد توقف تجربة مجلة «الفن السابع» عن الصدور، والتي كانت خبرية أكثر من كونها ثقافية. ورأيت أن تكون هذه المجلة مختصة بالسينما والفوتوغرافيا، التي تعد أساس الفن السينمائي. وقد كان وصدرت كفصلية (4) أعداد سنوياً، وهي تجربة أشبه بكراسات السينما في فرنسا، وتوالت الأعداد حتى وصلت إلى (28) عددا، ثم توقفت بسبب التمويل.
طوفان الأقصى وتجلياته
وعن الصورة ومدى تأثيرها يتطرق شعراوي إلى سهولة التصوير وتحرير الأفلام الآن، أو المواد المُصوّرة بشكل عام مقارنة بعصر الفيلم الخام، إلا أن هذا التطور لم يُنتج عندنا شيئاً ذا قيمة، فقط الانشغال بالتوافه نتيجة غياب أو تغييب عقل جمعي، ثم يعرج على (طوفان الأقصى) ويستشهد بمقابلة نتنياهو بالمؤثرين عند زيارته لأمريكا، حتى يتم تغيير سردية إسرائيل وصورتها النمطية، لشعوره بالخوف الشديد، وهو ما يوضح مدى قوة الصورة وتأثيرها، فالرجل انهزم ولن يعود أو تعود إسرائيل كما كانت مرّة أخرى أبداً، وهذا أحد تجليات وعظمة طوفان الأقصى. ومع الاحترام الشديد للضحايا والشهداء العظام، فإن لم يحدث طوفان الأقصى سيكون الثمن غالياً جداً، وسيكون الاحتلال أقوى مما هو عليه. من ناحية أخرى يرى شعراوي أن عملية طوفان الأقصى قامت بتعرية الجميع، ونحن أولهم، أقصد السينمائيين والصحافيين، والنخبة المصرية بالأساس. ورغم أن العالم استفاق وتغيّر وأصبح يرى القضية الفلسطينية من وجهة أخرى، من دون السردية المُضلِلة التي عاشها طويلاً، ليرى إسرائيل مجرد عصابة من القتلة، وليست دولة كما تدّعي، بل أسوأ قتلة في التاريخ، لذا يجب خروجهم من التاريخ ومن الجغرافيا. إلا أن هذا الحدث الجلل لم يُنتج لدينا شيئاً، فالشعب المصري يعيش حالة مقيدة ومُكبّلة، حالة موات، لكن ووفق هذا الحدث المُلهِم فإن الأمر لن يطول.
النقد السينمائي
وبالحديث عن النقد السينمائي يرى شعراوي، أن الحقيقي منه يسبق العملية الإبداعية، ويستشهد بتجربة أندريه بازان والموجة الجديدة، وبالتالي فالنقد هو الذي يمهد ويتيح للمبدعين المعرفة الحقيقية للسينما والاتجاه الصحيح للإبداع، كذلك يُشارك في العملية الإبداعية أثناء إنتاج الفيلم، وبعد ذلك ينقد العمل ككل، لذلك فعملية النقد هي عملية مستمرة، وليست لاحقة على الفيلم أو منفصلة عنه. لذلك فالموجود الآن لا يمت للنقد بصلة، بل انطباعات سطحية وشخصية، إضافة إلى كون هؤلاء غير متخصصين ودارسين، ولا أعتقد أن يتكلم أحد عن الفيلم السينمائي، من دون أن يكون مُلماً بالعمل السينمائي على الأقل، لذا لا بد أن يكون هناك قسم للنقد السينمائي في معهد السينما، أو حتى مادة يتم من خلالها تدريس كتابة النقد السينمائي.
من ناحية أخرى يتطرق شعراوي إلى فكرة النقد من خلال المنصات ومواقع السوشيال ميديا، ويرى أن أغلبها لا علاقة له بالنقد السينمائي، أو السينما بالأساس، مع وجود بعض الاجتهادات الشخصية، ولكنها تتم دون وعي أو خطة جمالية تضيف إلى الفن السينمائي.
رأي عام سينمائي
وتبدو أهمية النقد الواعي حسب شعراوي، أن من خلاله يمكن تشكيل رأي عام سينمائي، وهو ما سيحدث طفرة في صناعة السينما المصرية، بداية من الارتقاء بالذوق الجمالي والفكر السينمائي، وعليه يمكن صناعة أفلام تعبّر عن المجتمع وقضاياه، خاصة أن وسائل التصوير الحديثة جعلت من صناعة الفيلم أسهل بكثير مما سبق، فعن طريق هذه الأدوات، من دون أن ننسى وجود الذكاء الاصطناعي، الذي سيُغيّر الكثير، كلها مفردات أمام الفنان الحقيقي والواعي بالأساس، تجعله قادراً على تقديم فن حقيقي مختلف عن السائد، دون الخضوع لشروط ومعايير موجَهة من قِبل شركات أو شركة إنتاج وحيدة (المتحدة) لا تعمل إلا على إفساد الفن والذوق.
المعهد والورش الفنية
وبالسؤال عن معهد السينما وما يوازيه من الورش الفنية يقول شعراوي، إن المعهد من تدهور إلى تدهور، كما أن الورش الخاصة على جانب السعي إلى الربح، وهو العامل الأول الذي تهتم به، إلا إنها بجانب ذلك تقدم مادة علمية وفكرية ضعيفة للغاية، لا يمكن أن تكوّن فنانا سينمائيا، كذلك الجامعات الخاصة التي فيها أقسام لدراسة السينما، فهي لا فارق بينها وبين معهد السينما، بل أسوأ، فمعظم أساتذة المعهد الحاليين هم أنفسهم مَن يقوم بالتدريس فيها، مع الوضع في الاعتبار كلمة (خاصة) فالمادة العلمية أقل بكثير عن المادة المقدمة في المعهد، فكل هؤلاء الأكاديميين الذين يُدرّسون السينما توقفوا عند نظريات ومفاهيم تجاوزها الزمن.
السينما المُستقلة
وبالحديث عن السينما المستقلة يتساءل شعراوي.. مُستقلة عن مَن؟! فالأمر لا يتعدى اختلاف الوسيط ليس أكثر، من الخام إلى الديجيتال، ولا أريد تسميتها بالخدعة، ولكنها مجرد نمط إنتاجي أقرب للموضة. ربما كان الاستقلال هو الابتعاد عن الشكل السينمائي السائد وقتها، بمعنى عمل أفلام على شاكلة الأندرغراوند في بريطانيا، أو الضفة اليسرى في فرنسا، ولكنها في مصر ارتبطت فقط بالديجيتال كوسيط جديد أقل تكلفة ليس أكثر، فلم يحدث تراكم وخبرات لهذه النوعية من الأفلام، بل تجارب منعزلة لم تكتمل وتستمر لتشكل اتجاها أو تيارا. فكان من الممكن من خلال الميزانيات المنخفضة أن يتم عمل أفلام على شاكلة السينما الإيرانية، التي تحصد العديد من جوائز مهرجانات العالم المهمة، لكن المهم هو عمق الفكرة وبساطتها في الوقت نفسه.
المهرجانات السينمائية ودعمها للأفلام
يرى شعراوي أن المهرجانات المصرية عموماً ضعيفة المستوى الفني، بداية من اختيار الأفلام المُشاركة التي يقوم بها الموظفون، الذين اخترعوا مسمى جديداً لهم بعنوان (مهتم بالسينما)، كذلك من يحسبون على النقد، فهم لا يُشاهدون الأفلام بالكامل، بل دقائق من بداية ونهاية الفيلم فقط، مروراً بلجان التحكيم وأغلبهم لا علاقة له بالسينما، ووصولاً إلى الجوائز، إضافة إلى أن الموضوع في مُجمله قائم على البزنس وتسويق للشركات تحت مُسمى (الراعي الرسمي)، ثم العلاقات الشخصية التي تحكم كل شيء. فالأفلام على سبيل المثال تخضع للرقابة، وهو ما يتنافى مع المنطق وقوانين المهرجانات العالمية، مع ملاحظة أن ما يتم استعراضه فوق سجادتهم الحمراء يفوق ما تحتويه هذه الأفلام التي يشوهها مقص الرقيب. كذلك يتوقف الاختيار على علاقة الدولة التي يحمل الفيلم جنسيتها مع النظام الحاكم في مصر، من دون أي اعتبار للفيلم نفسه. فالمهرجانات الفنية والرسمية في مصر تحتاج إدارة جديدة وتطويرا على مستوى برمجة الأفلام وعدم تدخل الرقابة والانفتاح على سينما العالم، من دون الاقتصار على سينما معينة أو تكرارات لتجارب سينمائية لا تثير الجدل. أما مسألة الدعم فيشوبها الفساد في معايير الاختيار، وهي صراحة إلى غسيل الأموال أقرب.
وزارة الثقافة
وبالسؤال عن وزارة الثقافة المصرية ودورها، يُطالب شعراوي بإلغاء وزارة الثقافة لأنها لا تدعم أي شيء منذ أكثر من نصف قرن. ويقول.. فيه شيء اسمه (صندوق التنمية الثقافية) ماذا يفعل؟ آخر ما قدمه للسينما فيلم (المُسافر) وكان فضيحة بكل المقاييس. فهذه الوزارة ليس لها معنى وهي عقبة كبيرة أمام المبدعين، فهي لا تقوم بما يجب عليها فعله، من وجوب كونها شريكاً وداعماً لكل عمل إبداعي، كذلك اكتشاف وتنمية المواهب عن طريق بيوت وقصور الثقافة المنتشرة في مصر، والتي أغلبها خاوٍ الآن، وقد قامت الوزارة مؤخراً بغلق العديد من بيوت الثقافة ـ المتنفس الوحيد لأهل القرى ـ بحجة عدم وجود ميزانية، رغم أن الوزارة تمتلك من الموارد ما لا يُحصى، ولكنها منظومة الفساد التي تتحكم في كل شيء.. «وعاوزني أكسبها»!
والحل؟
يقول شعراوي.. نعمل كما فعل سينمائيو أمريكا اللاتينية في المنفى وأفلامهم الثورية، وأعتقد أن هذا الوقت هو المناسب لمثل هذه الأفلام. وعن طريق المنصات الآن يمكن عمل الفيلم وإيجاد تمويله، بل المشاركة به في المهرجانات العالمية، من خلال هذه المنصات، ولنتعامل وكأننا في المنفى، من خلال فكرة بسيطة إنسانية وفنية، بعيدة عن كونها منشوراً سياسياً، حتى يمكن الإفلات من رقابة أو ما شابه من قيود. الأهم هو عمل أفلام تتمثل الواقع، ولو في أبسط صورة، حكاية أو حكايات حقيقية عن هذا الوضع البائس الذي نعيشه، وأذكر جعفر بناهي الذي قام بعمل فيلم، من دون أن يُغادر منزله، بعنوان «هذا ليس فيلماً»، حيث كان محكوماً عليه بالإقامة الجبرية في منزله، ومن هذه الحالة وهذا المكان صنع فيلماً! لذا من الممكن أن يجتمع السينمائيون ومحبو السينما المصريون، ومن خلال منصة يصنعون أفلاماً بسيطة قليلة التكاليف، ولكنها في الوقت نفسه مُعبّرة عن واقعهم وواقعنا، هذه الفكرة التي ممكن أن تتطور وتصبح نواة لكيان سينمائي يمكن الاكتتاب من خلاله وصناعة وتنفيذ العديد من الأفلام ـ كما سبق وفعل طلعت حرب ـ وإمكانية المشاركة في المهرجانات العالمية وفق مستوى جودة الفيلم فكراً وفناً. كذلك، يضيف شعراوي أنه يجب العمل والتحرر من حالة الاكتئاب الجماعي الذي نعيشه بالفعل، يجب تجاوز ذلك كل في مجاله، وبالنسبة للسينمائيين عليهم أن يجتمعوا ولو في مجموعات صغيرة من خلال مبادرات أو اقتراحات، وإقامة نقاش في ما يُشبه المؤتمر، ولو حتى من خلال منصة من منصات التواصل، بعيداً عن الأماكن والتصاريح وخلافه، وصولاً إلى توصيات يمكن من خلالها الخروج من الأزمة، فالوضع بائس ولا يمكن السكوت عنه.