وجود أمير قطر على طاولة العشرين ضرورة أكثر منه مجاملة دبلوماسية


الدوحة- “القدس العربي”:

وصل الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، اليوم إلى مدينة جوهانسبرغ، تلبية لدعوة رسمية للمشاركة كضيف مميز في قمة قادة دول مجموعة العشرين، التي تستضيفها جنوب إفريقيا يومي 22 و23 نوفمبر.

زيارة أمير قطر إلى القمة التي تُعد واحدة من أكثر المنصات تأثيراً في صياغة توجهات الاقتصاد العالمي، تأتي في سياق تتشابك فيه الملفات السياسية والاقتصادية والإنسانية على نحو غير مسبوق، وتضع الدوحة مرة أخرى في قلب المعادلات الدولية في اللحظة التي يبحث فيها العالم عن وسطاء، وعن لاعبين قادرين على بناء الجسور بين قوى متباعدة.

تقدير دولي لدور الدوحة

في حديثه لـ”القدس العربي”، أكّد غلام حسين إسماعيل، سفير جمهورية جنوب إفريقيا لدى الدوحة، أن حضور أمير قطر “ليس تمثيلاً بروتوكولياً، بل اعترافٌ صريحٌ من المجتمع الدولي بوزن قطر السياسي وقدرتها على التأثير في مسارات الملفات الدولية الأكثر تعقيداً”.

وأكد السفير: “بصفتها العضو الإفريقي الوحيد في مجموعة العشرين، وفي أول مرة ينعقد فيها هذا التجمع العالمي المؤثر على أرض القارة الإفريقية، نجحت جنوب إفريقيا في وضع أجندة القارة وقضايا الجنوب العالمي في صلب الحوار الدولي”.

وقال السفير إن “جنوب إفريقيا أرادت أن تكون هذه القمة مختلفة… وأحد عناصر الاختلاف هو استحضار الدول التي تتجاوز أدوارها حدود حجمها الجغرافي. قطر دولة تمتلك تأثيراً حقيقياً في السلم والأمن الدوليين، وهي طرف فاعل في ملفات الوساطة، ولها مكانة معتبرة في النظام المالي العالمي. لذلك رأى الرئيس سيريل رامافوزا أن وجود أمير قطر على طاولة العشرين ضرورة أكثر منه مجاملة دبلوماسية”.

وأشار السفير إلى أن القمة ستشهد “حضوراً واعياً للدول التي تبحث عن نظام دولي يقوم على العدالة وقواعد واضحة، وهو ما تتشارك فيه الدوحة وبريتوريا بشكل عميق”.

وأضاف: “العلاقات بين قطر وجنوب إفريقيا ليست علاقات مناسبات؛ هي علاقة تُبنى على احترام متبادل ورؤية مشتركة لعالم أكثر توازناً. دعوة أمير قطر تعكس هذا الإدراك، وتعكس أيضاً رغبتنا في تعزيز صوت الجنوب العالمي داخل واحدة من أهم المنصات العالمية”.

حضور أمير قطر “ليس تمثيلاً بروتوكولياً، بل اعترافٌ صريحٌ من المجتمع الدولي بوزن قطر السياسي وقدرتها على التأثير في مسارات الملفات الدولية الأكثر تعقيداً”.

جنوب إفريقيا.. رئاسة تحمل ذاكرة نضال ومسؤولية قارية

وتابع السفير حديثه قائلا إن رئاسة جنوب إفريقيا لقمة العشرين للمرة الأولى في القارة “ليست مجرد إنجاز سياسي”، بل “امتداد لمسيرة طويلة خاضتها البلاد ضد التمييز العنصري، وصولاً إلى بناء نموذج ديمقراطي يسعى اليوم لتقديم رؤية عالمية تُحاكي العدالة والمساواة والاستدامة”.

وقال إسماعيل: “شعار الرئاسة، التضامن والمساواة والاستدامة، هو تعبير عن فلسفة جنوب إفريقيا السياسية والأخلاقية. نريد نموذجاً يعيد الاعتبار لفكرة القيادة المسؤولة، التي لا تُقصي أحداً ولا تنحاز للقوي على حساب الضعيف”.

وأشار إلى أن ملفات الأمن الغذائي والطاقة العادلة وإصلاح النظام المالي العالمي ستكون “الجبهات الكبرى التي تريد جنوب إفريقيا أن يُسمع فيها صوت إفريقيا بصوت واحد”.

قمة العشرين.. فرصة لقطر لتوسيع الهامش الجيوسياسي

تأتي المشاركة القطرية في لحظة تشهد تحولات دقيقة في موازين القوى؛ فبين تقلبات الاقتصاد العالمي وتراجع الثقة بالمنظمات الدولية وصعود النزاعات، تبحث القوى الدولية عن نماذج وساطة جديدة قادرة على إعادة بناء جسور الثقة.

وجود أمير قطر في القمة يمنح الدوحة موقعاً إضافياً داخل معادلة القرار الدولي، ويعزز من قدرتها على توظيف مكانتها السياسية في قضايا المنطقة والعالم، من ملفات غزة والقرن الإفريقي إلى الطاقة، والاستثمار، وتمويل التنمية، وأمن الممرات البحرية.

كما تفتح القمة الباب أمام قطر لتعزيز شراكاتها مع الاقتصادات الصاعدة؛ مثل الهند وجنوب إفريقيا وتركيا والبرازيل، فضلاً عن القوى الصناعية الكبرى.

الدكتور أحمد الطيب: قطر تدخل القمة بثلاث أوراق قوة

وفي قراءة تحليلية موسعة خصّ بها “القدس العربي”، قال الدكتور أحمد الطيب، خبير السياسات الدولية من قطر، إن حضور أمير قطر في قمة العشرين “هو واحد من أهم التطورات في السياسة الخارجية القطرية خلال السنوات الخمس الأخيرة”، موضحاً أن الدوحة تدخل القمة بثلاث أوراق قوة أساسية: الأولى هي الشرعية الدولية كوسيط نزيه.

وجود أمير قطر في القمة يمنح الدوحة موقعاً إضافياً داخل معادلة القرار الدولي، ويعزز من قدرتها على توظيف مكانتها السياسية في قضايا المنطقة والعالم

يقول الطيب: “العالم فقد الثقة في عدد من القوى الكبرى بسبب تورطها المباشر في النزاعات، لذلك بات يبحث عن وسطاء يتمتعون بالحياد والقدرة على التواصل مع جميع الأطراف. قطر أثبتت في أكثر من ملف، أفغانستان، غزة، لبنان، السودان، وأنها وسيط يمكن البناء عليه”.

النقطة الثانية هي قوة اقتصادية مرنة رغم صغر الحجم. ويضيف الطيب: “قدرات قطر في الطاقة، خاصة الغاز الطبيعي المسال، تضعها في موقع لا يمكن تجاوزه عند مناقشة مستقبل الطاقة العالمية. هذا يعطيها نفوذاً اقتصادياً يوفر لها مساحة سياسية واسعة داخل مجموعة العشرين”.

وأخير النقطة الثالثة وهي شبكة تحالفات متنوعة. يشير الطيب إلى أن قوة قطر تكمن أيضاً في “سياسة الانفتاح المتوازن” التي تتعامل بها الدوحة مع القوى الكبرى والصاعدة دون انحياز مطلق.

ويضيف: “قطر استطاعت أن تجمع بين علاقة استراتيجية مع الولايات المتحدة، وعلى الجانب الآخر علاقات قوية مع الصين وتركيا وإفريقيا. هذا النوع من التوازن يمنحها مصداقية ويجعلها لاعباً مقبولاً لدى أطراف متنافسة”.

ماذا سيكسب العالم من مشاركة قطر؟

يرى الطيب أن حضور أمير قطر يعزز النقاش العالمي حول قضايا مثل: آليات الوساطة الحديثة إدارة النزاعات العدالة في توزيع ثروات الطاقة دعم الاقتصاد الأخضر وإصلاح النظام المالي العالمي.

ويقول: “قطر دولة صغيرة بحجمها، كبيرة بتأثيرها. وهذا ما تحتاجه مجموعة العشرين اليوم… أفكار جديدة وشركاء قادرون على التحرك دون حسابات تاريخية معقدة”.

رسالة سياسية للمنطقة

وختم الطيب: “هذه المشاركة ليست مجرد حدث دبلوماسي؛ إنها رسالة بأن الخليج بات شريكاً في النظام الدولي، وليس مجرد منطقة نفط. وقطر، تحديداً، تمتلك القدرة على نقل قضايا المنطقة إلى طاولة العالم، بطريقة هادئة، ذكية، ومدروسة”.

مشاركة قطر تكسر معادلة ‘الاقتصاد فقط’

أما الدكتور جمال البواريد، الكاتب السياسي في وكالة الأنباء الأردنية، فاعتبر أن مشاركة قطر “كضيف رئيسي” في قمة العشرين “تحول مهم في بنية النظام الدولي الجديد”.

وقال في تصريحات خاصة: “من الخطأ النظر إلى قمة العشرين باعتبارها منصة اقتصادية فقط. القمة اليوم أصبحت لاعباً سياسياً، وصوتاً مؤثراً في الأمن والسلم العالميين. وجود أمير قطر هو دليل على أن العالم بات يدرك أن الدولة التي تُحسن إدارة قوتها الناعمة يمكن أن يكون تأثيرها موازياً للقوى الكبرى”.

حضور أمير قطر يعزز النقاش العالمي حول قضايا مثل: آليات الوساطة الحديثة إدارة النزاعات العدالة في توزيع ثروات الطاقة دعم الاقتصاد الأخضر وإصلاح النظام المالي العالمي.

قطر والجنوب العالمي

وأشار البواريد إلى أن حضور قطر يتكامل مع الرؤية التي تسعى جنوب إفريقيا لترسيخها: “هناك اصطفاف جديد يتشكل بين دول الجنوب العالمي… وقطر إحدى الدول التي تمتلك القدرة المالية والسياسية على قيادة هذا المحور بطريقة حضارية وغير صدامية”.

وقال البواريد: “ما يميز قطر هو الدبلوماسية الهادئة. لا تبحث عن العناوين الكبيرة، لكنها تحصد النتائج الكبيرة. وهي تدرك أن تأثيرها الدولي أكبر بكثير من حجمها الجغرافي، لذلك تتصرف بثقة، وتتحرك وفق رؤية طويلة المدى”.

 الدوحة… لاعب هادئ في زمن الضجيج

قمة العشرين هذا العام ليست مجرد اجتماع اقتصادي، بل محطة اختبار لجيل جديد من الدول القادرة على تقديم حلول في زمن الأزمات المتلاحقة.

ومشاركة أمير قطر تمثل رسالة بأن الدوحة، رغم صغر حجمها الجغرافي، أصبحت أحد العقول الهادئة التي يبحث عنها العالم وسط الفوضى.

إنها لحظة تعكس قوة التأثير… لا حجم المساحة. وتعكس أن السياسة، في زمن التحولات، لا تقاس بالوزن العسكري، بل بالقدرة على صناعة التوازن.





Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *