لندن – “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للمعلق ديفيد إغناطيوس قال فيه إن الإجابة على السؤال البديهي “كيف سينتهي هذا؟” قد تكون بالنسبة لإيران بسيطة: لن ينتهي، ليس لفترة طويلة.
وأضاف أن من المرجح أن يكون هناك نوع من وقف إطلاق النار، ربما قريبا، وستستأنف حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز. وسيتوقف قصف قاذفات بي-52 وبي-2 الأمريكية. وستمتنع إيران ووكلاؤها عن شن هجمات بالمسيرات عبر الخليج العربي. وربما تفاوضت طهران على شروط وقف إطلاق النار، لكن ذلك لن يغير الكثير لأن قوتها العسكرية قد دمرت إلى حد كبير، على الأقل في الوقت الراهن.
وتوقع إغناطيوس أن يعلن الرئيس دونالد ترامب النصر، كما يفعل دائما، حتى عندما يخسر. فعل ذلك يوم الأربعاء، قائلا: “لقد انتصرنا”، مضيفا التحذير: “علينا إتمام المهمة”. لكن هذا قد يكون “انتصارا” من نوع انتصاراتها تلك التي أعلنتها إسرائيل لعقود بعد حروبها التي ألحقت خسائر فادحة بخصومها في غزة ولبنان. فقد عكست هذه الانتصارات العسكرية تفوقا ساحقا في القوة النارية، لكنها لم تقض على العدو.
وقال: “إذا كان هناك درس واحد ينبغي على أمريكا وإسرائيل استيعابه في العقود الأخيرة، فهو أن النجاح العسكري لا يترجم عادة إلى نصر سياسي، في غزة أو أفغانستان أو الآن إيران. فالخصم يعود مرارا وتكرارا. لقد تعلم الإسرائيليون أن عليهم الاستمرار في ‘جز العشب’، وهو التعبير القاسي الذي يستخدمونه لوصف دوامة العنف المتكررة. أمريكا، بعد تجنبها مواجهة شاملة مع إيران لمدة 47 عاما، قد تجد نفسها الآن عالقة في دوامة مماثلة”.
إذا كان هناك درس واحد ينبغي على أمريكا وإسرائيل استيعابه في العقود الأخيرة، فهو أن النجاح العسكري لا يترجم عادة إلى نصر سياسي
وأكد أن الحرب مع إيران ستكون انتصارا تكتيكيا على المدى القصير، وستبقى كل الإشادات بالقوة العسكرية الأمريكية التي لا تضاهى صحيحة. إذا انتهى الصراع غدا، ستكون إيران قد خسرت تقريبا جميع منشآتها النووية وعلماءها، ومعظم صواريخها ومنصات إطلاقها ومعظم مصانع أسلحتها ومعظم أسطولها البحري وجزءا كبيرا من مراكز القيادة والسيطرة لقواتها العسكرية والاستخباراتية والأمنية.
لكن النظام ما زال قائما. لقد تلقى أقوى ضربة أمريكية، وما زال صامدا. وسقط العديد من كبار القادة العسكريين والاستخباراتيين والسياسيين، لكن تم استبدالهم بآخرين. لا توجد أي بوادر لانتفاضة شعبية. ويختبئ عناصر الحرس الثوري الإسلامي بين أكوام الأنقاض، لكنهم لم يُقض عليهم.
وأوضح أن هذه ستكون النسخة الثانية من الجمهورية الإسلامية. وفي المستقبل المنظور ستكون دولة تابعة للحرس الثوري، تعمل في تحالف فاسد ولكنه براغماتي مع مصالح إيران التجارية.
وقال إن طاقة النظام الديني قد استنفدت، فلم يكن لدى علي خامنئي خليفة واضح كمرشد أعلى بعد وفاة إبراهيم رئيسي، خليفته المفضل، في حادث تحطم مروحية عام 2024. ويفتقر مجتبى، نجل خامنئي الذي تم اختياره الأسبوع الماضي، إلى الكاريزما والسلطة الدينية، لكن دافعه سيكون الكراهية والرغبة في الانتقام. لقد فقد والده وزوجته وابنه في هذه الحرب.
وذكر إغناطيوس أنه ربما سيظهر شخص ماكر كالرئيس الراحل علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي كان يمسك بزمام السلطة الفعلية خلال معظم فترة حكم خامنئي الأب، ويجد طريقا إلى ترامب. لكن هذا ليس المستقبل الذي يتمناه آلاف المتظاهرين الشجعان الذين قتلوا في كانون الثاني/يناير، حين قال ترامب إنه سيأتي لإنقاذهم.
وعبر الكاتب عن أمنيته لو تغير النظام، مضيفا أن هذه الحكومة جلبت البؤس لشعبها وجيرانها، وتستحق الزوال. لكن من الصعب على خبراء الاستخبارات المتشددين في الولايات المتحدة وخارجها، الذين يدرسون النظام الديني منذ عقود، تصور هذه العملية.
ويخشى مسؤول خليجي بارز يعارض النظام بشدة، قائلا: “لا أعتقد أننا سنكسر إرادتهم، سيعيدون البناء ما داموا على قيد الحياة”.
ونشر محمد مرندي، الأستاذ الإيراني الذي يتحدث باسم النظام، مقطع فيديو متحديا حتى مع سقوط القنابل، قائلا: “سيواصل الإيرانيون هذه الحرب حتى تقر الولايات المتحدة والغرب بأن مهاجمة إيران ليس خيارا مطروحا، لا الآن ولا في أي وقت لاحق. لذا لن تنتهي هذه الحرب قريبا ما لم يستسلم الطرف الآخر”.
وعن السؤال: لماذا يستمر النظام في القتال؟ أجاب إغناطيوس قائلا: “حسنا، يستطيع قادة إيران الاطلاع على البيانات المالية ورصد نقاط ضعف الغرب في حرب طويلة. كما يمكنهم متابعة الأحداث السياسية الأمريكية. تشير استطلاعات الرأي إلى أن هذه الحرب لا تحظى بشعبية، إذ لا يؤيدها سوى أقل من نصف الشعب الأمريكي، والانتخابات النصفية على الأبواب. بل يمكن للإيرانيين الاستماع إلى جو روغان، مقدم البودكاست الشهير المعروف بتأييده لترامب، الذي وصف الحرب يوم الثلاثاء بأنها ‘جنونية’”.
وأكد أن ثمة سببا أعمق وراء إصرار إيران، وهو سمة من سمات الحرب كان ينبغي على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تدركاها منذ زمن. فالشعوب التي تشعر بأنها لم يتبق لها سوى كبريائها وكرامتها ستواصل القتال حتى في مواجهة خصم جبار.
الشعوب التي تشعر بأنها لم يتبق لها سوى كبريائها وكرامتها ستواصل القتال حتى في مواجهة خصم جبار
وأشار إلى أن هذا الإصرار لغز محير. فلا بد أن الجنرالات الإسرائيليين تساءلوا، وهم يقصفون غزة بأطنان من الذخائر، لماذا لم تستسلم حماس. وقد قال ستيف ويتكوف، مفاوض ترامب بشأن إيران، الشهر الماضي إن ترامب كان “متفاجئا.. لماذا لم يستسلموا” في ظل تهديدات أمريكا بالهجوم. وقد طرح جيل سابق السؤال نفسه بشأن الفيت كونغ وفيتنام الشمالية.
وقال: “دعونا نعترف بالبديهي: من الأنماط الواضحة في الحروب الحديثة أن القصف ‘الاستراتيجي’ المصمم لكسر الإرادة الشعبية غالبا ما يأتي بنتائج عكسية. فالناس يتمسكون بمواقعهم بدلا من الاستسلام ويواصلون القتال فيما يبدو قضية خاسرة. حتى في ظل حكومة بائسة كالنظام الإيراني، يبقى هناك فخر وطني وهوية ومقاومة للسيطرة الأجنبية”.
وذكر أن مخططي حرب ترامب على ما يبدو يدركون الخطر طويل الأمد لتسميم الرأي العام في إيران. فهم يعلمون أن معظم الإيرانيين يكرهون النظام ويريدون مستقبلا أفضل. لذا يقال إنهم حذروا إسرائيل من استهداف مواقع مثل منشآت الطاقة أو شبكة الكهرباء، لما قد يسببه ذلك من شلل في البلاد لعقود.
لكن مقابل كل توصية منطقية من البنتاغون، هناك تعليق من هذا القبيل من وزير الدفاع بيت هيغسيث: “نحن نضربهم وهم في أضعف حالاتهم، وهذا هو الوضع الأمثل”. أو اقتراح ترامب غير المنطقي بأن صاروخ توماهوك إيراني هو ما دمر مدرسة للبنات. أو تقرير يفيد بأن القنابل الأمريكية ألحقت أضرارا بمواقع تراثية ثقافية إيرانية قيمة. مثل هذه اللحظات كفيلة بتوليد غضب دائم.
وتساءل: ماذا سيحدث الآن بعد أن قادنا ترامب إلى الهاوية؟ وأجاب بأن هذه الحرب غيرت الوضع الراهن لدرجة يصعب معها التنبؤ، لكن بعض الأساسيات تبدو واضحة.
فدول الخليج التي تعرضت لهجوم إيراني ستضطر الآن إلى حماية نفسها، بطريقة أو بأخرى. وبإمكان قادتها تعزيز دفاعاتهم ضد الطائرات الإيرانية المسيرة أو إعادة فتح قنوات التواصل الدبلوماسية مع طهران بهدوء، أو مزيج من الاثنين.
ومن المرجح أن تقيم الإمارات العربية المتحدة، التي تعرضت لهجمات صاروخية ومسيرة أكثر من إسرائيل، درعا دفاعيا عالي التقنية. وقد يميل بعض الجيران المعرضين للخطر إلى طهران. فقد هنأت عمان، على سبيل المثال، المرشد الأعلى الجديد.
وأشار إلى أنه من المتوقع أن تعيد الولايات المتحدة، بصفتها المحرك الرئيسي للصراع، حرية الملاحة في الخليج. لكن ذلك سيكون مكلفا للغاية، ما سيضع القيادة المركزية الأمريكية في حالة تأهب دائم.
وأضاف أن ترامب يعجبه استعراض القوة الأمريكية، لكنه يفضل أن يتحمل الآخرون التكاليف. ولسوء الحظ فقد أضاع الكثير من الثقة بين الحلفاء بفرضه تعريفات جمركية وحديثه عن ضم غرينلاند، وهو ما سيعقد عليه تنظيم خطة إنقاذ مشتركة.
وقال إغناطيوس إنه يخشى أن تكون إحدى العواقب الوخيمة الأخيرة عودة الإرهاب من إيران والمتعاطفين معها. هذا هو الاحتمال الذي لم يتحقق بعد، لكنه قد يكون بالغ الخطورة.
وأضاف أن لعنة تغطية شؤون الشرق الأوسط لأكثر من 45 عاما هي الشعور وكأن كل شيء قد حدث من قبل.