أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أول أمس السبت، أن المجال الجوي فوق فنزويلا ومحيطها بات «مغلقا بالكامل» بعد تصريح خطير آخر قال فيه إن الولايات المتحدة ستبدأ «قريبا جدا» في عمليات برية في فنزويلا.
صعّدت واشنطن عملياتها، التي بدأت قبل قرابة 17 أسبوعا، ضد كاركاس بشكل تدريجي فأرسلت سفنا حربية وغواصة إلى قبالة سواحل فنزويلا وحشدت 15 ألف جنديّ وقامت بحوالي 21 غارة جوية استهدفت قوارب زعمت أنها تحمل مخدرات مما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن 83 شخصا حتى الآن.
مع توسيعها المضطرد للعمليات الحربية، مهّدت إدارة ترامب لاستهداف النظام السياسي في فنزويلا عبر حملات اتهمتها بالعلاقة مع كارتل (عصابة) مخدرات، متبعة ذلك بتصنيفها الرئيس نيكولاس مادورو وحلفاء حكومته «أعضاء في منظمة إرهابية أجنبية» لكن وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث كان الأكثر وضوحا في تبيان الهدف الرئيسي من هذه الإجراءات المتصاعدة حيث قال إن الجيش الأمريكي جاهز للعمليات «بما فيها تغيير النظام في فنزويلا».
من نافل القول إنه لا الادعاءات بوجود عصابة كبرى لتصنيع وتهريب المخدرات، ولا اتهام الرئيس الفنزويلي برئاسة عصابة، والانتماء إلى «منظمة إرهابية أجنبية» يسمحان للولايات المتحدة بتجاوز القوانين والشرع الدولية، وصولا للإعلان عن قرب تنفيذها عمليات داخل الأراضي الفنزويلية، وإغلاق مجال فنزويلا الجوي، والتمهيد عمليا لإسقاط النظام.
تثير هذه الأحداث المقارنة بمبالغات ترامب السابقة حول دوره الكبير في إنهاء حروب العالم، وادعائه أن الحرب في قطاع غزة، وأوكرانيا، ما كانتا ستحصلان لو كان في سدّة الرئاسة بدل الرئيس السابق جو بايدن، كما تذكّر بحملة العلاقات العامة الكبيرة التي أقامها للحصول على جائزة نوبل للسلام، ولعلّ أكثر ما يثير السخرية في الموضوع الأخير، أن إدارة جائزة نوبل قامت، من دون أن تقصد ربما، بالمساهمة في العدوان الجاري حاليا ضد فنزويلا، بقيامها بتسوية مع ترامب عبر منح ناشطة فنزويلية معارضة الجائزة بدلا منه!
يضاف إلى هذه المفارقات آنفة الذكر، ما يحصل من تدخّلات فظة لترامب في شؤون دول أمريكا اللاتينية، التي بدأت، منذ انتخابه، بتهديد المكسيك بشن ضربات عسكرية، والتدخّل لصالح الرئيس البرازيلي السابق بولسانورو المحكوم بتهمة قيادة انقلاب، وتدخّله خلال الانتخابات النصفية للبرلمان الأرجنتيني لدعم حليفه اليميني المتعاطف مع إسرائيل خافيير ميلي عبر تقديم حزمة مالية بأربعين مليار دولار.
ما يزيد هذه المفارقات غرابة أن ترامب الذي هدد، أمس الأحد، بوقف المساعدات عن هندوراس إذا لم يفز مرشّحه اليميني المفضل نصري (تيتو) عصفورة في الانتخابات الرئاسية، أرفق تهديده بالإعلان عن قرب إصداره عفوا عن رئيس هندوراس السابق المحكوم بالسجن 45 عاما في الولايات المتحدة بتهم تتعلق بالاتجار بالكوكايين وغيرها.
وبذلك يعفو ترامب عن رئيس هندوراسي سابق حوكم في الولايات المتحدة وحُكم بتهم الاتجار بالمخدرات، ويدفع الولايات المتحدة نحو حرب مع فنزويلا بدعوى علاقة رئيسها بتجارة المخدرات، والميزان في الحالتين هو رضى ترامب عن الشخص او اتجاهه السياسيّ، وهو ما يعني أن الغلبة للقوة وليس للحق، ولما يراه ترامب شخصيا، بغض النظر عن قوانين العالم، وسيادات الدول والشعوب.