تمثّل الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية الجارية على إيران تتويجا لأقصى مطامح رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتنياهو، وهو ما عبّر عنه الكاتب الأمريكي ـ الإيراني حميد دباشي بمقاله: “وصلنا إلى ذلك… يحلم نتنياهو فتنفّذ أمريكا”. بغض النظر عن النتائج النهائية لتلك الحرب، فإنها انتصار شخصي لخطّ نتنياهو السياسي القائم على الاستيطان والتطهير العرقي والإبادة للفلسطينيين، والذي انتهى حاليا إلى تباهيه بتشكيل إسرائيل الشرق الأوسط بالقوة، وعن تحوّل إسرائيل إلى “قوة عالمية عظمى” إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية.
يمثّل خوض الولايات المتحدة الأمريكية أول حرب مشتركة مع إسرائيل (أو على حد تعبير بعض وسائل الإعلام العبرية: “خوض الحرب بدلا عنا”) انتصارا جليّا حققه نتنياهو من خلال حملته لإقناع الرئيس الأمريكي عبر 7 لقاءات منذ عودته الى منصبه عام 2025، إضافة إلى عشرات المكالمات الهاتفية (يقول ترامب إنه يهاتف نتنياهو يوميا منذ بدء الحرب على إيران).
لعل أهم ما حققه نتنياهو في إشراك ترامب بالحرب هو ربط المصير السياسي للرئيس الأمريكي بهذا القرار، وفيما كان ترامب يُلح سابقا في الطلب من الرئيس الإسرائيلي إعلان عفو عن نتنياهو لوقف محاكمته، يبدو أن ترامب صار سجين سياسات نتنياهو في العالم، والمنطقة.
يعمل نتنياهو على إظهار تأثيره الكبير هذا، داخل أمريكا، عبر دور “آيباك” في تعزيز حظوظ المؤيدين لإسرائيل ضمن المرشحين الجمهوريين والديمقراطيين (كما يجري حاليا في انتخابات ولاية إلينوي)، أو عبر تسعير أوار الحرب ضد إيران في حال ظهرت تصريحات ضمن إدارة ترامب لضرورة إنهائها، يظهر ذلك عبر الاغتيالات المتوالية للمسؤولين الإيرانيين الكبار، أو تحريك قضايا أخرى تحرج إدارة ترامب داخل أمريكا أو خارجها.
أحد الأهداف الرئيسية للحرب، كان صرف الانتباه عن غزة، وبدخول أمريكا والشرق الأوسط والعالم في ديناميّات الحرب التي تتحكّم إسرائيل فيها، يثبّت نتنياهو، لأنصاره في إسرائيل، أركان مشروعه الرئيسي لدفن القضية الفلسطينية، واستبدال منطق التطبيع مع العرب (كما أشار في تصريح له مؤخرا ينتقد فيه رؤية شمعون بيريز “الوردية” لهذا الموضوع) بمنطق الإخضاع، و”تشكيل الشرق الأوسط الجديد” بالقوة، وصولا إلى ما يحلم به من صيرورة إسرائيل “قوة عالمية عظمى”.
تظهر بعض وقائع السياسة والإعلام الأمريكية المحسوبة تأكيدات على فكرة وقوع ترامب، ومعه الإدارة الأمريكية، في شباك أجندة نتنياهو. آخر هذه الوقائع كانت استقالة مدير المركز الوطني لمكافحة الإرهاب في الولايات المتحدة جو كينت، على خلفية الحرب على إيران، التي أكد أن بلاده خاضتها بضغوط من إسرائيل و”جماعات الضغط الأمريكية القوية التابعة لها”، وتدخل في هذه الوقائع أيضا مداخلات بعض الإعلاميين الكبار ضمن “تيار ماغا” المؤيد لترامب، مثل تاكر كارلسون، الذي وجّه انتقادات لاذعة لإسرائيل، فيما نشرت تحليلات صحافية عديدة تشرح كيف دفع اللوبي الإسرائيلي واشنطن نحو مواجهة مع إيران (عنوان مادة في “فورين بوليسي”).
اختار حلفاء أمريكا الغربيون الامتناع عن التورّط في الحرب بشكل مباشر، وكان ذلك أيضا موقف حلف الأطلسيّ (الناتو). قالت أوروبا، وحلفاؤها التقليديون، بما فيها اليابان وكندا وكوريا الجنوبية، أن هذه ليست حربنا، وهو ما أغضب ترامب ودفعه لتهديد “الناتو” بـ”مستقبل سيئ للغاية”.
في المقابل، تحدّث أنور قرقاش المستشار السياسي لرئيس الإمارات، أول أمس الثلاثاء، عن أن بلاده “قد تنضم إلى جهود دولية تقودها الولايات المتحدة لحماية الشحن في مضيق هرمز”، وهو قرار، إذا حصل، فسيدخل أبو ظبي في شراك ديناميّات الحرب، وقد يؤدي، إذا تطوّرت الأمور، إلى عمليات عسكرية مباشرة بين البلدين.
تزامن ذلك مع نقل وكالات أنباء عن مصادر عديدة أن سوريا تتعرض لضغوط أمريكية للمشاركة في عملية عسكرية لنزع سلاح “حزب الله” في شرق لبنان، وأن الحكومة السورية مترددة خشية الانجرار الى الحرب الكبرى الدائرة في الشرق الأوسط، كما لتأجيج التوتر الطائفي في سوريا ولبنان ودول الجوار.
تزامن اجتماع تشاوري لدول عربية وإسلامية في الرياض، بدأ أمس، مع قصف إسرائيل لحقل بارس للغاز الطبيعي في إيران، وهي خطوة تتقصّد، ضمن أهداف أخرى، استثارة رد فعل إيرانيّ ضد حقول النفط والغاز العربية مما يدفع هذه الدول، بالتدريج إلى قبول فكرة الانخراط في الحرب، وهو أمر سيحقّق حلما آخر لنتنياهو، فهل تنجح مساعيه في جر الدول العربية لمخططه؟