هل تصبح الأنبار «مشكلة أردنية»؟



بسام البدارين

عمان ـ «القدس العربي»: تطلق بعض النخب الأردنية العنان لبعض الخيال والوقائع بالتزامن وهي ترسم «السيناريو الأسوأ» لما يمكن أن تتبدل فيه الأحوال بالعراق المجاور بعدما حولت «الحرب ضد إيران» الإقليم برمته إلى منطقة «السيولة والتحريك والمفاجآت».
ويتكدس أكثر في عمان انطباع قائل بأن «الحرب ضد إيران» في النتائج والتداعيات «اختبرت بقسوة» لا بل تختبر حالياً صلابة جبهة نحو 14 اتفاقية تعاون وقعت قبل سنوات مع بغداد تحت عنوان لم تبرز بعد له أي نتائج حقيقية اسمه «التكامل الاقتصادي».
لا تريد الحكومة الأردنية الإقرار بذلك لأسباب مفهومة، لكن الحرب كشفت عملياً «هشاشة» بنية الاتصالات التكاملية مع الدولة العراقية في حال «ضربت إيران»، حيث تعود «قوى الأمر الواقع» العراقي في المشهدين السياسي والأمني، لممارسة أقصى طاقات الضغط على «المصالح الأردنية» ليس فقط داخل العراق.
الاضطراب الذي تمر به حالياً بسبب تداعيات الحرب، يعيد العلاقات بين الأردن و«قوى الواقع العراقي» المستنفرة الآن إلى الواجهة النظرية المهمة التي يطرحها السياسي الأردني الخبير الدكتور جواد العناني، على هامش نقاش مع «القدس العربي» بعنوان «أي جزئية أو تفصيلة تبرز في الحرب الطاحنة خارج الحدود يمكنها أن تتحول إلى تحدّ أردني بامتياز».
يصر العناني على وجوب «الانتباه» لكل التفصيلات؛ فما يحصل اليوم في أي موقع داخل حيز الإقليم «مؤثر حيوي» سرعان ما سيتحول إلى «تحديات أردنية» يجب أن تدرسها بعناية مطبخ خبير لا يفلت التأصيل.
ما تبدو عليه مشهدية العلاقات الأردنية – العراقية اليوم ومن اللحظة التي تحركت فيها 400 طائرة إسرائيلية وأمريكية لقصف إيران واغتيال قادتها قريب من بناء ذلك التصور، حيث محور عمان- بغداد المستقر نسبياً من 7 سنوات تبدلت المعطيات في عمقه وتغيرت فجأة.
وما يحصل الآن في الأنبار أو سيحصل غداً تحول أو قد يتحول، مثل درعا، إلى «مشكلة أردنية».
غرب العراق ومربع الحدود السورية العراقية مناطق «نفوذ وتواصل مصالح أساسية» للأردن بالعادة.
ومع قصف المدن الإيرانية ومعسكرات الحشد الشعبي في بلدات الحزام السني غربي العراق تقترب «فصائل عراقية مسلحة» أكثر من الخاصرة الحدودية الأردنية وبصورة لا يمكن إغفال أهميتها القصوى؛ لأن ما يجري أو ما سيجري في منطقة القائم على التماس الحدودي العراقي السوري جزئية في صدارة الاهتمام الأردني العميق المؤمن بأن بقاء سوريا الجديدة متحررة وتسيطر على سيادتها هو من أهم مقتضيات ومتطلبات واحتياجات الأمن القومي الأردني.
عبر عن ذلك مؤخراً وزير الخارجية أيمن الصفدي بتقصد واضح، وهو يصر على أن استمرار التنسيق مع سوريا له أولية قصوى.
وعبرت عن ذلك شخصيات سياسية واستراتيجية بارزة مثل الفريق قاصد محمود، لا تزال تؤمن بأن أول ما يحاول اليمين الإسرائيلي فعله لممارسة ضغط سياسي ابتزازي على الأردن هو محاصرة المملكة ومصالحها في سوريا والعراق ولبنان أيضاً حتى تعبر خطط اليمين الإسرائيلي في الضفة الغربية.
يحاجج كثيرون اليوم في عمان بأن «ما يحصل أو سيحصل» لاحقاً غربي العراق وعلى خاصرة الحدود السورية- العراقية استثنائي الأهمية في مقاربات ومقايسات حتى «مطبخ الدولة العميقة في الأردن»، وبالتأكيد يتطلب -كما قال الصفدي- البقاء في أقصى طاقات التنسيق مع «الرئيس أحمد الشرع».
وجهة نظر الأردن الرسمية التي لا تعلن تقول بأن على «سوريا الشرع» تجنب الانزلاق إلى الصراع في نسخته «اللبنانية» مهما بلغت الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية حتى لا تتوفر فرصة مواتية لفصائل عراقية «إيرانية الولاء» للرد والانتقام والثأر عبر الحدود السورية – العراقية.
تلك وجهة نظر يعتد بها سمعتها «القدس العربي» همساً في أروقة القرار عندما يتعلق الأمر بقراءة أعمق لـ «سيناريو أمن الحدود» والبحث عن ترسيم وترقيم يدعم صلابة «الشرعية في العراق» تجنباً لـ «حالة انفلات» لا يعارضها الأمريكيون ولا يحفلون بها و«ستؤذي الجميع في الإقليم».
حصراً، ما تريده عمان هو ألا تتكرر حكاية «درعا مشكلة أمنية أردنية» مع المناطق السنية المحاذية غربي العراق، حيث الرمادي والأنبار وما بينهما، ولاحقاً مناطق التماس الحدودي بين سوريا والعراق.
المقصود حكماً في التأسيس السياسي- الأمني، أن الأردن لا يريد العودة إلى تجربة التفاوض على بقاء «الميليشيات المسلحة الموالية لإيران» في منطقة لا تقل عن 40 كيلومتراً بعيداً عن درعا، كما كان يحصل أيام الرئيس السوري السابق ونظام بشار الأسد.
ذلك استحقاق في غاية الأهمية في حسابات الأمن الوطني والقومي والحدودي الأردني، يتطلب حزمة إجراءات قسرية أهمها «تثبيت أركان الدولة السورية»، والتشاور الدائم مع دمشق، ودعم المؤسسات العراقية النظامية والسيادية، ومطالبتها بالعودة القوية بدلاً من توسع ظاهرة الميليشيات والفصائل.
ثمة تقدير بأن «القلق الأردني» بحث حتى على طاولة لقاءات مع زعماء دول خليجية وعربية مؤخراً وبين الاحتياطات أيضاً، ليس فقط مراقبة الحدود العراقية التي تهدد بعض الفصائل مجدداً بـ «تحشيد الشعب فيها» أو بالقرب منها، بل الاستعداد لما هو أسوأ في التحديات الأمنية الحدودية بعدما خلطت حرب ترامب- نتنياهو كل الأوراق، وهي تجازف بالأمن القومي لكل دول النظام الرسمي العربي ومن دون أدنى تشاور.
لذلك حصراً ودوماً، ما يحصل الآن من تحركات وبيانات «فصائلية» عراقية، طبيعي أن يتحول إلى مادة حذرة جداً في البرمجة الأردنية التي تحتاط لكل الاحتمالات، وتتحرك في كل المسارات، وتركز على خطاب «خفض التصعيد».
يتقدم ذلك بعد رصد سلسلة «تحرشات» من فصائل العراق الموالية لإيران ضد عمان مرة بالبيانات التحريضية أو الفتنوية، ومرات بفبركة خطاب يتحدث عن مشاركة الأردن في العدوان أو بممارسة عدوان فيزيائي مباشر على المملكة بإرسال «مسيرات» يتم إسقاطها.
فوق ذلك، ثمة استنساخ خطاب «انتحاري» متجدد في لغة المصالح المتبادلة بعنوان «منع النفط العراقي عن الشعب الأردني»، مع أن عمان تدفع ثمن وكلفة «نفط كركوك الثقيل» الذي يرسل للأردنيين وبأسعار الأسواق، فيما تفتح ميناء العقبة لتصدير النفط العراقي بعدما تعطلت مناولات البصرة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *