برلين- “القدس العربي”:
تتصاعد في ألمانيا الدعوات لفتح ممرات إنسانية آمنة أمام المدنيين الإيرانيين الفارين من الحرب، في وقت يتزايد فيه القلق الأوروبي من أن تؤدي المواجهة العسكرية الدائرة حول إيران إلى موجة نزوح واسعة قد تمتد آثارها إلى أوروبا.
ومع اتساع رقعة الحرب على إيران وتصاعد الضربات المتبادلة بين طهران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، بدأت تداعيات الصراع تتجاوز حدود الشرق الأوسط لتصل إلى قلب النقاش السياسي في أوروبا.
وفي ألمانيا يفتح احتمال تدهور الوضع الإنساني داخل إيران بابا جديدا للجدل حول الهجرة واللجوء، وسط تحذيرات من موجة نزوح قد تعيد إلى الأذهان أزمة اللاجئين التي شهدتها القارة عام 2015. وفي هذا السياق، طالبت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب اليسار في البوندستاغ، هايدي رايشينك، بإنشاء طرق لجوء قانونية وآمنة تتيح للمدنيين الإيرانيين الوصول إلى أوروبا، معتبرة أن السكان المدنيين باتوا عالقين بين نظام سياسي قمعي وبين حرب تتصاعد حدتها يوما بعد يوم.
في ألمانيا يفتح احتمال تدهور الوضع الإنساني داخل إيران بابا جديدا للجدل حول الهجرة واللجوء، وسط تحذيرات من موجة نزوح قد تعيد إلى الأذهان أزمة اللاجئين التي شهدتها القارة عام 2015
وقالت رايشينك في تصريحات لمجلة “دير شبيغل” الألمانية إن الإيرانيين عاشوا لعقود تحت ما وصفته بـ”نظام حكم وحشي”، لكن القصف المكثف الذي تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل يعرض المدنيين الآن لخطر شديد.
وأضافت السياسية الألمانية المعارضة أن دول الجوار ليست آمنة بالضرورة، مؤكدة أن أوروبا مطالبة بفتح ممرات إنسانية حقيقية. وقالت: “نحن بحاجة إلى طرق هروب آمنة نحو أوروبا، ولا ينبغي أن نترك الناس في إيران أو في الدول المجاورة لها وحدهم في مواجهة هذه الظروف”.
وجاءت هذه الدعوات في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيدا عسكريا خطيرا، بعدما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل خلال الأيام الماضية شن هجمات على أهداف داخل إيران، لترد طهران بإطلاق صواريخ وطائرات مسيرة استهدفت إسرائيل وقواعد عسكرية أمريكية في عدد من دول الخليج والعراق والأردن.
مخاوف أوروبية من سيناريو 2015
الجدل الذي أثارته تصريحات رايشينك يعكس قلقا أوسع داخل المؤسسات الأوروبية بشأن احتمال تحول الحرب إلى أزمة إنسانية واسعة تدفع أعدادا كبيرة من الإيرانيين إلى النزوح.
فبحسب تقارير إعلامية أوروبية استندت إلى مراسلات داخلية في الاتحاد الأوروبي، حذرت المفوضية الأوروبية من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى أزمة إنسانية داخل إيران وفي دول الجوار، ما قد يفتح الباب أمام موجات هجرة نحو أوروبا تشبه تلك التي شهدتها القارة قبل أكثر من عقد.
وذكرت تقارير نشرتها مجلة “دير شبيغل” الألمانية وبرنامج “ريبورت ماينتس” في قناة ARD أن دبلوماسيين أوروبيين ناقشوا في اجتماعات مغلقة احتمال نشوء تحركات هجرة واسعة إذا طال أمد الحرب وتدهورت الظروف المعيشية للسكان.
ذكرت تقارير أن دبلوماسيين أوروبيين ناقشوا في اجتماعات مغلقة احتمال نشوء تحركات هجرة واسعة إذا طال أمد الحرب وتدهورت الظروف المعيشية للسكان
وتشير التقديرات الأولية إلى أن بعض التحركات السكانية بدأت بالفعل داخل إيران، حيث لوحظ انتقال عدد من السكان من المدن الكبرى المتضررة إلى مناطق ريفية أو ساحلية في محاولة للابتعاد عن مناطق القصف والتوتر العسكري.
تركيا… بوابة الهجرة المحتملة
لكن الخبراء الأوروبيين يرون أن مسار أي موجة لجوء محتملة لن يتحدد داخل إيران وحدها، بل في الدول المجاورة، وعلى رأسها تركيا التي تشكل نقطة عبور رئيسية لأي حركة هجرة نحو أوروبا.
ويقول الباحث في شؤون الهجرة جيرالد كناوس، المعروف بدوره في صياغة الاتفاق الأوروبي التركي حول اللاجئين عام 2016، إن احتمال حدوث موجة هجرة واسعة يعتمد على مجموعة من العوامل، أهمها مدة الحرب ومدى تأثيرها على المدنيين.
ويضيف كناوس أن العامل الحاسم يتمثل في كيفية تعامل الدول الحدودية مع حركة النزوح. فإذا سمحت هذه الدول بدخول اللاجئين فقد تنشأ حركة هجرة واسعة، أما إذا ظلت الحدود مغلقة فإن النزوح قد يبقى محصورا داخل المنطقة.
وأشار الباحث إلى أن الحدود بين إيران وتركيا محصنة إلى حد كبير لأسباب أمنية تتعلق بمكافحة التهريب والجماعات المسلحة، ما يعني أن أنقرة تمتلك القدرة على الحد من أي تدفق كبير للاجئين إذا قررت ذلك.
برلين بين القلق السياسي والواقع الأمني
في المقابل، تبدو الحكومة الألمانية أكثر حذرا في تقييمها للوضع. فحتى الآن لا تشير البيانات الرسمية إلى وصول أعداد كبيرة من طالبي اللجوء الإيرانيين إلى أوروبا.
لكن المستشار الألماني فريدريش ميرتس حذر من أن انهيار الاستقرار داخل إيران قد يؤدي إلى “حركات هجرة غير منضبطة”، مؤكدا أن أوروبا يجب أن تبذل جهودا لمنع تكرار أزمة اللجوء التي هزت القارة في السنوات الماضية.
أما وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول فقد قال إن الوضع الإنساني الناتج عن الحرب قد يصبح “دراماتيكيا”، محذرا من أن موجات النزوح الداخلي داخل إيران قد تتحول مع مرور الوقت إلى حركة لجوء خارجية نحو دول الجوار.
عامل إضافي يزيد القلق الأوروبي
ويزداد القلق في أوروبا بسبب وجود ملايين اللاجئين بالفعل داخل إيران. فوفق تقديرات دولية، يعيش أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ أفغاني في الأراضي الإيرانية.
وفي حال تفاقم الحرب أو انهيار الأوضاع الاقتصادية والإنسانية داخل البلاد، قد يجد هؤلاء أنفسهم أيضا مضطرين إلى المغادرة، ما قد يضاعف حجم الضغوط على دول الجوار وربما يفتح الطريق أمام موجة هجرة جديدة نحو أوروبا.