هل تدفع إسرائيل لبنان نحو حرب أهلية؟


بعد تحذير عاجل، الأربعاء الماضي، يطالب جميع سكان جنوب لبنان بالإخلاء الفوري لمنازلهم الى شمال نهر الليطاني، نشر المتحدث باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي، “إنذارا عاجلا” جديدا في اليوم التالي، لسكان الضاحية الجنوبية من العاصمة اللبنانية بيروت قال فيها: “أنقذوا حياتكم وقوموا بإخلاء بيوتكم فورا”.
أدى الإنذار الأول إلى نزوح قرابة 90 ألف شخص، وصاحبه قصف على العديد من المناطق اللبنانية، بما فيها الضاحية الجنوبية، التي تعرّضت لقصف من دون إنذار، ونتيجة التهديد الجديد اندفع الكثيرون، من المنطقة التي يقدر عدد قاطنيها بنحو 976 ألف نسمة، من جديد إلى الشوارع التي اكتظت بطوابير سيارات عائلات النازحين التي تبحث عن ملجأ مؤقت في باقي المناطق اللبنانية.
بهذين الإنذارين تقوم إسرائيل بسابقة كبرى في مجال الجغرافيا السياسية لبلد بأكمله تحاول فيها “تجريف” أغلب أفراد الطائفة الشيعية، التي تتركز في جنوب لبنان والضاحية، باتجاه بيروت، والمناطق اللبنانية الأخرى، وهو أمر تسعى فيه إسرائيل، لضغط غير مسبوق على الحاضنة الاجتماعية للحزب، يجتمع فيها النزوح والقصف والرعب مع التوتّرات الاجتماعية المحتملة بين اللبنانيين.
حذّر رئيس الحكومة اللبنانية، نواف سلام، من “كارثة إنسانية تلوح في الأفق”، بعد ارتفاع عدد النازحين جراء الهجمات الإسرائيلية المكثفة على جنوبي لبنان. حسب رأي سلام فإن “”جزءا من اللبنانيين يدفع ثمنا باهظا” لكن “كل لبنان هو ضحية”. رد الحكومة اللبنانية على هذه الكارثة هو التأكيد على قرارها الذي لم ينفّذ لـ”حصر السلاح بيد الدولة”، وهو ما عززته أخيرا بإعلان حظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ”حزب الله”، وكذلك بمطاردة عناصر “فيلق القدس” التابع لـ”الحرس الثوري” الإيراني على الأراضي اللبنانية.
في حال تصاعدت أعداد النازحين، وازداد الضغط على مواقع الإيواء والملاجئ والمرافق العامة التي ستضطر الدولة لتأمينها، أو يقوم النازحون باللجوء إليها مرغمين، فإن التوتّر الاجتماعي سيتكاتف مع التوترات العسكرية والأمنية، سواء عبر القصف الإسرائيلي، أو الاغتيالات، توتّر عسكري وأمنيّ يترتّب على قرار الحكومة بتنفيذ قرار حظر أنشطة الحزب العسكرية والأمنية، والذي باشر الجيش اللبناني، بحدود معينة، في تطبيقه.
تتجه هذه المعادلة لتصبح “مستحيلة الحل” فالتوغّل البرّي الإسرائيلي الجديد في جنوب لبنان يُعطي الحزب مبرر القتال ضد جيش الاحتلال، ولكنّه، من جهة أخرى، يدفع بالمزيد من سكان الجنوب إلى النزوح هربا من معارك لا تبدو، في الظروف اللبنانية، والإقليمية، والعالمية، قادرة على صنع “تحرير” جديد للجنوب، وربما تقديم “إسناد لإيران”.
رغم نجاح “حزب الله” في تسديد ضربات مؤلمة لجيش الاحتلال، على شاكلة ما حصل أمس الجمعة، بجرح عناصر من لواء “جيفعاتي” الإسرائيلي، كان بينهم نجل وزير المالية سموتريتش، واستهداف مواقع عسكرية لإسرائيل، فإن نتائج هذه المعارك، في ظل التغوّل الإسرائيلي، والانفلات المسعور، تنعكس بشكل شديد الخطورة على الشيعة، واللبنانيين، وعلى الكيان برمّته.
تطاول هذه الأحداث، وتراكمها، من دون حلّ، في بلد يعاني من انهيار مالي غير مسبوق، ومن هبوط لا يمكن التحكم فيه في موقع لبنان في العالم، تزداد احتمالات المواجهة بين الجيش والحزب، والأسوأ من ذلك، أن احتمالات “الحرب الأهلية”، أيضا، ستزداد فعلا.
تراهن إيران، التي ما يزال لبنان يتأثر بمجال نفوذها، على الوقت وعلى ما قد تفضي إليه التحولات الإقليمية والدولية، فيما يتمسك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بخطاب “الاستسلام غير المشروط”. وفي المقابل، يأمل لبنان في أن تنجح تدخلات القوى الكبرى في الحد من تداعيات التصعيد الإسرائيلي الجديد، وهي تداعيات قد تمتد آثارها إلى مدى غير قريب. وفي هذا السياق، تبرز مبادرة فرنسية جديدة تتعلق بمستقبل “حزب الله” ودوره. غير أن السؤال يبقى مفتوحاً حول مدى قدرة هذه المساعي على تخفيف الأزمة، ومنع التوترات الداخلية من التفاقم.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *