الكثيرون انتظروا خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي كان مقررا بثه في الثامنة مساء بتوقيت الولايات المتحدة الأمريكية، وكانوا يعتقدون طبقا للمسار الذي درجت عليه تصريحاته الأخيرة بشأن الحرب على إيران إعلان وقف الحرب ولو من جانب واحد، ومحاولة تسويق نصر أمريكي وتحقيق مجمل الأهداف من الحرب، لكن الذي حدث أن طهران ربطت قرار وقف الحرب، بتهدئة شاملة في المنطقة، تكف فيها تل أبيب عن سياستها التي تنتهك سيادة وأمن وأراضي دول المنطقة، وهو ما أفسد خطاب الرئيس الأمريكي، وأفقده جاذبيته، وجعله خطابا مكررا من غير طعم.
لا يهمنا كثيرا في هذا المقال مناقشة الأبعاد العسكرية، وما إذا كان في جعبة واشنطن مزيد من الأهداف العسكرية في إيران ستقوم باستهدافها أو كان لديه تخطيط لشن هجوم بري، فالجيش الأمريكي، والجيش الإسرائيلي معا، سبقا أن تحدثا عن ضرب كل الأهداف، وأن المهمة انتهت أو أوشكت على ذلك، لكن ما يهمنا هنا، هو تحليل أبعاد أخرى في الصراع والحرب، تؤثر ليس فقط على مستقبل الحرب، ولكنها تغير بشكل كامل ملامح المنطقة والأجندات التي كانت تنتظمها أو تنتظرها في المدى القصير والمتوسط.
إيران وحلفاؤها، كما يبدو رتبوا لمعركة طويلة، وتكتيكاتهم الحربية، تخالف بشكل كبير التكتيكات التدميرية الأمريكية الإسرائيلية، فهم يضربون بحساب، ويختارون الأهداف بشكل مدروس، ويقصدون أن يحصل الاستنزاف في نهاية المطاف في كل المستويات العسكرية والاقتصادية لاسيما بعد أن فشلت واشنطن في جر حلفائها الأوروبيين إلى مربع الحرب.
في واقع الأمر، لا أحد اليوم يستطيع أن يتوقع مستقبل الحرب، وتأثيراتها على خارطة المنطقة، فالمعطيات الحاسمة، يلفها الغموض وعدم اليقين، ودرجة التعقيد والاشتباك تجعل رسم أي تصور عن مستقبل المنطقة أمرا صعبا، فواشنطن وتل أبيب اللتان تبدوان فاقدتين لأي أفق للخروج من المأزق، يملكان خيار الحرب البرية للسيطرة على معبر هرمز وهو ما يبدو مكلفا، ويملكان خيار المجهول: التحول من الأهداف المرتبطة بالبنية التحتية المدنية، إلى المدنيين، وقد رأينا هذا النموذج في غزة، والذي بلغ حد استعمال الجوع والعطش والمرض سلاحا تدميريا، ويملكان أيضا خيار الدمار النووي، ولا أحد يمكن أن يستبعد هذا الخيار، فقد تم التهديد به بلغة فيها كثير من الإشارة في تصريحات وزير الحرب، وأيضا في تصريحات الرئيس الأمريكي نفسه.
خارج خيار الهجوم البري الناجح، وخيار المجهول والدمار، تبدو الأمور متشابكة، فطهران لا تستطيع أن تلعب بورقة “هرمز” طويلا، لأنها لا تضر فقط واشنطن وتل أبيب، ولكنها تضر الأوروبيين الذين رفضوا الانجرار إلى فخ المشاركة في الحرب، وتضر بدرجة أولى الآسيويين، ومنهم حلفاء إيران وأصدقاؤها، وتضر دول الخليج، التي لا يمكن لإيران أن تعيش في المستقبل بدون علاقة طبيعية معهم.
طهران تعول على أفق قريب أو متوسط، يحصل فيه الاستنزاف الذي يلجئ واشنطن وتل أبيب إلى النزول على بعض مطالبها، وخاصة وقف شامل للحرب، وضمانات دولية بعدم خوض حرب أخرى عليها، مع تعويضات لها على تدمير منشآتها المدنية، لكن هذا الرهان يتوقف على قدرة الفاعلين الآخرين على تحمل الاستنزاف الاقتصادي الذي يمسهم ويضر بمصالحهم، وهنا تكمن المعضلة.
في جميع الأحوال، لا واشنطن تتحمل استمرار الحرب، لأن ذلك سيلجئها إلى خيارات المجهول، ولا إيران تريد أن تديم الحرب لوقت أطول فتصير عدوا للجميع، والأقرب إلى التصور، أن تستمر الحرب لبعض الوقت، أسبوعا أو أسبوعين، تختبر فيها ما تبقى من الأوراق التي يمتلكها الطرفان لإخضاع بعضهما البعض.
طهران لا تستطيع أن تلعب بورقة “هرمز” طويلا، لأنها لا تضر فقط واشنطن وتل أبيب، ولكنها تضر الأوروبيين الذين رفضوا الانجرار إلى الفخ
تل أبيب التي تتعرض لضربات غير متوقعة من حزب الله، تعيش على تحديين: تحد عسكري داخلي، يضغط عليها لإنهاء مغامرة توسيع المنطقة العازلة في جنوب الليطاني بعد شعور الجيش بواقع الاستنزاف، وتحد سياسي، يضغط عليها في حال أقدمت واشنطن على إنهاء الحرب من طرف واحد، فذلك يتركها في مواجهة مباشرة مع طهران وحلفائها، بما يعرض مكتسباتها التي تحققت في المنطقة للتهديد والزوال.
دول الخليج، الأكثر هشاشة في هذه الحرب، تدرك أن استحقاقات ما بعد الحرب ستكون جد مكلفة، ولذلك فهي تأمل أن تنتهي الحرب سريعا، حتى توقف النزيف وتشرع في إعادة النظر بشكل كامل في منظومة أمنها القومي الجماعي، وتحركات السعودية تجاه مصر وتركيا وباكستان، تعطي صورة عن بداية التفكير العميق في تغيير العقيدة الأمنية، لجهة عدم وضع البيض كله في كفة واشنطن، ويستوي الأمر بالنسبة لقطر والكويت وعمان.
الإمارات والبحرين، تواجهان تحديات مكلفة، لاسيما أبو ظبي، التي وضعت نفسها في مشروع جد متقدم لتفكيك المنطقة، وتحقيق رهانات إماراتية إسرائيلية مشتركة، والأقرب إلى التقدير، أنها ستكون الأكثر هشاشة في المنطقة، خلافا للبحرين، التي تمتلك أوراقا لاستعادة المبادرة أو تصحيح الوضع.
استمرار عزلة الرئيس الأمريكي خاصة من قبل حلفائه الغربيين، وخروجه من الحرب من غير تحقيق أهدافه، سيرسم أفقا سلبيا لكل رهاناته الاستراتيجية، وسيجعل من مشروعه لتوسيع الاتفاقات الإبراهيمية فاقدا لأي مشروعية، لاسيما إن اضطرت للضغط على إسرائيل لإنهاء الحرب، والتنازل عن أجندتها في توسيع المنطقة العازلة في جنوب لبنان.
إذا حصل هذا السيناريو، ومؤشراته ربما هي الظاهرة اليوم، على الأقل فيما تسمح به واقع الحرب العسكرية الجارية، فإن السعودية ستجد المبرر الكافي للاستمرار في ممانعة الانخراط في الأجندة الإبراهيمية، وسيدفع البحرين للتفكير ألف مرة قبل العودة إلى مسار أوصلها إلى مواجهة خطر وجودي يتهددها، وسيجعل الأردن، تتنفس الصعداء، لأنها كانت تعتبر أن المدار عليها بعد الانتهاء من لبنان، فإسرائيل الكبرى في التصور الإسرائيلي، تبدأ بالتوسع في الضفة الغربية ثم في الأردن، والأمر أيضا يصدق على مصر، التي واجهت طيلة سنتين أعقبت طوفان الأقصى تحدي تهجير فلسطينيي غزة إلى سيناء.
بكلمة، لقد أيقنت كل دول المنطقة، وخاصة التي وقعت الاتفاقات الإبراهيمية، أنها هي التي دفعت الثمن أكثر من غيرها، من أمنها، واستقرارها ومصالحها الاقتصادية، وهي التي توضع في مقدمة الأجندة الإسرائيلية، وهي أول من يطحن في معركة التدافع بين مشروع توسيع الاتفاقات الإبراهيمية ومشروع إيران في المنطقة.
التفكير المستقبلي لدول المنطقة، ينبغي أن ينصب على ثلاثة آفاق استراتيجية، الأفق الأمني، بالتفكير في ميثاق أمن جماعي يقلل من الارتهان إلى واشنطن ويبعدها عن دائرة الاشتباك بين واشنطن وطهران، وأفق سياسي، يبتعد تماما عن الأجندة الإسرائيلية واتفاقات أبراهام، ويبحث خيارات تطبيع سياسي وأمني مع إيران بضمانات مشاركة قوى إقليمية منافسة (تركيا وباكستان)، ويهدئ من جبهات الانقسامات والتوترات العربية الإقليمية، وأفق اقتصادي، يجعل الطاقة وسيلة لتقوية الوجود العربي الإسلامي وتوطيد التعاون الإقليمي، لا سلاحا يهدد أمن الأمة العربية الإسلامية.
٭ كاتب وباحث مغربي