“هر بزي كرد وعرب فد حزام”!


لم أكن كرويّاً في يوم ما إلا إذا اعتبرنا المراوحة الصبيانية بالكرة في مقتبل العمر، والتعرض لضربةٍ خلّفت أثراً رافقني حتى الآن، من علامات حب الكرة ومتابعتها، وهو ما لم أكنه في الحقيقة. إذ بقيت اللعبة بالنسبة إليّ زمناً طويلاً على هامش حياتي، تمرّ بي كما تمرّ أصوات المدن البعيدة دون أن تستوقفني.

ربما ذلك أثرٌ من آثار التزمت الحزبي، يوم كان الانتماء فضيلةً موجبةً على كل المستويات والميادين. ويكاد ذلك التزمت، يشبه من وجهة نظر محافظة ما يسود اليوم، غير أنه كان يتميز بالأخلاق الحميدة، وحسن السيرة، والسرية، لا بالتحريم ورفض الآخر، ولا بتضييق الأفق الإنساني..

لقد حرمت مثل آخرين ممن جابلوني في ذلك الزمن الجميل، من متعٍ “فاضلة”. فقد فاتتني، على سبيل المثال متعة حضور حفلات أم كلثوم، أو نجاة الصغيرة، أو عبد الحليم حافظ، وتجنبت الاقتراب منهم حين كنت في زيارات إلى القاهرة برفقة شخصيات ثقافية وفنية بارزة كان بإمكانها أن تؤمّن لي تلك اللقاءات بسهولة ويسر، وكأنني كنت أؤجل متعتي الشخصية دائماً لصالح فكرةٍ أكبر كنت أظنها تستحق ذلك الحرمان، والاستثناء الوحيد هو تعرفي إلى الفنانة الكبيرة تحية كاريوكا، وكان ذلك تأثراً دون شك بما قيل عنها سياسياً، كونها كانت “شيوعية” ومناصرة للفدائيين المصريين أيام الملكية وأثناء العدوان الثلاثي على مصر، وكذلك الفنانة الراحلة نادية لطفي والتي احتفظت معها بعلاقة صداقة أخوية حتى رحيلها، فضلاً عن فنانين آخرين محسوبين سياسياً على اليسار، كانوا بالنسبة إلينا أقرب إلى رفاق دربٍ ثقافي لا نجوم فن وحسب.

لم أمنح نفسي فرصة الاستمتاع بمتابعة الكرة وصنوف الرياضة الأخرى، لا بسبب ذلك وحده، بل أيضاً لانشغالي، حد الاستغراق بالنشاط السياسي والحزبي السري والعلني. حتى غدت الحياة اليومية نفسها تبدو وكأنها امتداد لاجتماع طويل لا ينتهي، أو مهمة مؤجلة لا يجوز التفريط بها.

اليوم فاضت دموعي وأنا أستيقظ على أفراح عارمة بفوزٍ مهيب للمنتخب العراقي، اختلط فيه العراقيون، متناسين همومهم وخلافاتهم ومخاوفهم مما يمكن أن يتعرض له وطنهم بسبب التسلط على إرادتهم ومقدراتهم، وحرمانهم من أبسط حقوقهم. لم أشعر بمثل هذا الفرح الطاغي – الا ما ندر – طوال سنوات القحط التي لازمتنا بلا فكاك، ولم أتحسر على شيء كما تحسرت على تفويت متابعة هذه اللعبة، مشاركاً ركلات التسديد من داخل الملعب، مع الجمهور الذي تجشم عناء السفر، خارجاً من كل فج عميق وذاهباً إلى أقاصي الدنيا “المكسيك”، لكي يوقظ فينا الإحساس بالانتماء إلى وطن يحتفي به الفريق الوطني الكروي الذي يضم أفضل وأبرع لاعبي الكرة، لا لهوياتهم الفرعية، بل ليجمع الجميع: عرباً وكرداً وتركماناً، ومن كل المكونات.

ولأشاهد، لأول مرة العلم العراقي يحتضن علم إقليم كردستان، ويجمعهما الفرح بانتصار المواطنة العراقية بوصفها هوية وطنية جامعة، هوية تسبق السياسة وتتجاوزها وتعيد تعريف العلاقة بين الناس بوصفها علاقة مصير مشترك لا مجرد تعايش مؤقت.

ولشباب كردستان أقول إن الذين يقصفون أرضكم لا يحملون علم العراق، فالعلم عهد شراكة لا غطاء سلاح، وميثاق مصير لا ذريعة قصف. هؤلاء لا يصدرون عن وطنيةٍ عراقية، ولا عن فكرةِ دولة، ولا عن معنى انتماء، إنما يصدرون عن إراداتٍ تقع خارج تخومه ويتحركون بوصفهم أدواتٍ لقوى لا ترى في العراق وطناً انما ساحة، ولا ترى في علمه عهداً انما ستاراً. ثم إن الهوية العراقية الجامعة، التي تؤمن بالشراكة بين العرب والكرد وسائر المكونات تمثل ضمير الأكثرية من أبناء هذا البلد، لا صوت هذه الجماعات المعزولة عنه. وهؤلاء أنفسهم الذين يوجهون النار نحو كردستان هم الذين وجهوها من قبل إلى صدور شباب تشرين، اعتقالاً وتعذيباً وقتلاً، فلم يكن الأذى الذي أصابكم منفصلاً عمّا أصاب سائر هذا الشعب انما كان امتداداً للعنف ذاته الذي طال حتى بيئتهم القريبة، لأن من يعادي فكرة الوطن يعادي أبناءه جميعاً بلا استثناء.

لم تهتز مشاعري والدموع تغسل أحزاني الكامنة، كما اهتزت وأنا أتابع صراخ المعلق الكردي، بلهجة لم أفهمها، قبل أن ينتقل إلى إلقاء الشعر بحماسة طاغية، مغنياً لانتصار العراق، وكأن اللغة نفسها كانت تبحث عن طريقها إلى القلب دون حاجة إلى ترجمة.

لقد شعرت، كما كتب لي الصديق ضياء، أننا ينبغي أن نحتفي بهذا المعلق الذي حول الفوز الكروي إلى انتصار للوطنية العراقية، ولتطلعات تتجاوز الرثاثة التي نغرق في مكباتها السياسية، تلك التي شوهت قيمنا وآمالنا، وكادت تأتي على ما تبقى من أمل بالتغيير والتحول.

وتذكرت، وأنا أرتقي بمشاعري إلى مستوى تطلعات شعبنا، أحمد الخليل وهو يغني:

هر بژي كرد وعرب… فد حزام



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *