المنطقة اليوم عالقة بين احتمالين متناقضين: اختراق دبلوماسي تقوده باكستان يفتح الباب أمام التوصّل إلى «اتفاق إطاري» للمفاوضات وآلياتها مترافقة مع إعلان نوايا حول النقاط التي يطالب بها كلٌ من الطرفين، أو انهيار المفاوضات وعودة الحرب بصورة أكثر اتساعاً وتعقيداً وخطورة على المنطقة والعالم. ورغم ما أُشيع إعلامياً عن أجواء تفاؤلية، مصدرها تسريبات باكستانية، فإن المواقف المعلنة من الجانبين الأمريكي والإيراني لا تعكس انفراجات فعلية قد تُبعد شبح عودة الصراع العسكري. فوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تحدَّث عن «تقدُّم طفيف» في المحادثات مع طهران عبر الوساطة الباكستانية، من دون المبالغة في التوقعات، فيما قال المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إنه «لا يمكن الحديث عن مرحلة أصبح فيها الاتفاق قريباً».
الرسائل الأمريكية ما زالت حادة، وتُشدِّد على أن مستقبل الاتفاق يرتبط مباشرة بمصير اليورانيوم الإيراني المخصَّب بدرجات عالية، وبضمان عدم استخدام مضيق هرمز كورقة ضغط جيوسياسية، وسط تحذير روبيو من أنّ تنفيذ إيران لخطتها فَـرْض رسوم على السفن المارة عبر مضيق هرمز، سيجعل التوصل إلى اتفاق مستحيلاً، ويجب أن يظل هذا الممر مفتوحاً وحراً كونه ممراً مائياً دولياً، فيما الرسائل الإيرانية ما زالت تتمسَّك بأنهاء الحرب أولاً، قبل البحث بالملفات الشائكة؛ ويعتبر بقائي أنه لا يمكن الوصول إلى نتيجة في هذه المرحلة إذا أصرَّت واشنطن على مناقشة مخزون إيران من اليورانيوم المخصّب.
ما هو جلي أنَّ الوسيط الباكستاني يكثّف تحركه في سباق مع الوقت، فقد جاء إعلان دونالد ترامب أنه أجَّل – بناء على طلب ثلاث دول خليجية هي: السعودية والإمارات وقطر – ضربة عسكرية أمريكية كانت مقررة خلال الأيام الماضية، وذلك لإعطاء فرصة إضافية للمفاوضات، بعدما أبلغوه بأنَّ الاتفاق مع إيران بات قريباً جداً، ليعكس حجم القلق الخليجي من انفجار واسع في المنطقة من جهة، وليؤكد عزم الرئيس الأمريكي العودة إلى التصعيد العسكري بعدما بدا أن المسار الدبلوماسي يترنَّح بممارسة إيران سياسة تمرير الوقت الذي تتقنه جيداً، من جهة أخرى.
يُكرِّر ترامب أنه راغب بالذهاب إلى اتفاق شامل مع الإيرانيين على قاعدة رئيسية وهي أنَّ إيران لا يمكنها أن تمتلك برنامجاً نووياً، وأن لا مفر من إخراج ما تمتلكه من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60 في المئة إلى خارج البلاد، فيما ترفع طهران سقف مواقفها بما تمَّ نقله عن رفض المرشد مجتبى خامنئي نقل اليورانيوم المخصّب إلى الخارج، وتتمسّك بحقها ببرنامج نووي تقول إنه سلميّ لكن كثير من الدول تُشكّك بنواياها.
تُحرِّك باكستان وساطتها بقوة اليوم. ثمة تاريخ فاصل بين المرحلة الأولى من الوساطة والمرحلة الثانية، وهذا التاريخ هو زيارة ترامب إلى الصين. في المرحلة الأولى، نجحت باكستان في التوصل إلى وقف إطلاق النار وإلى الإتيان بالطرفين إلى المفاوضات في إسلام آباد، وكانت المرة الأولى التي تحصل فيها المفاوضات على مستوى رفيع بين البلدين، والتي ضمَّت نائب الرئيس الأمريكي جي.دي. فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. لكنها باءت بالفشل. واعتبر كثير من المراقبين أن طهران لم تتعامل بجدية مع المفاوضات وأنها أضاعت فرصة ثمينة.
تذهب القراءات اليوم إلى أنَّ المشهد بدأ يتغيَّر خلال زيارة ترامب إلى بكين، حيث ظهر بوضوح وقوف الصين إلى جانب التحرُّك الباكستاني، مع تشجيعها إسلام آباد على تكثيف جهودها وإعادة تفعيل قنوات الاتصال بين الأمريكيين والإيرانيين. ووفق تقديرات دبلوماسية، فإنَّ الموقف الصيني يعني عملياً أنَّ بكين قرَّرت ممارسة ضغط هادئ من خلف الستارة على طهران لدفعها للعودة إلى طاولة المفاوضات والتعامل بمرونة أكبر مع الوساطة الباكستانية، انطلاقاً من خشيتها من تداعيات أي حرب واسعة على أمن الطاقة العالمي والمصالح الاقتصادية الصينية. وبالتالي، فإن هذه المرحلة الثانية من الوساطة الباكستانية لإعادة إطلاق المسار التفاوضي، تقودها إسلام آباد بدعم صيني وغطاء خليجي واضح، بهدف إعادة واشنطن وطهران إلى خطوط التفاوض ومنع الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مفتوحة.
هل تفلح المحاولات الباكستانية، والتي تترافق أيضاً مع محاولات دول أخرى منها قطر التي كان موفدون منها في طهران قبل أيام؟
التقديرات أنَّ احتمال توصل طهران وواشنطن إلى اتفاق هي بنسبة «خمسين – خمسين» (50-50) والقلق هو أن الإيرانيين يبالغون دائمًا في التفاوض. هذا ما قدَّره المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات العربية المتحدة، أنور قرقاش، محذرًا من أن جولة جديدة من الصراع العسكري قد تجعل الأوضاع في المنطقة أكثر تعقيدًا. ويُشاطر كثيرٌ من المتابعين قرقاش في هذا التقييم.
ليس هناك من شك بأن طهران ترفع منسوب التهديد السياسي والعسكري، في محاولة واضحة لتحسين شروطها على طاولة المفاوضات ومنع واشنطن من الاعتقاد بأن إيران تفاوض من موقع الضعف. ولكن لا يمكن التقليل من تحذير مجتبى خامنئي من أنَّ أي حرب جديدة أو اعتداء جديد على إيران «لن يبقى إقليمياً كما في السابق»، بل سيتحوَّل إلى مواجهة «خارج نطاق المنطقة» وأن طهران ستثبت «مَن يعرف الحرب»، مؤكداً أن «إيران والإيرانيين لن يستسلموا أبداً»، وأن «تاريخنا وحضارتنا يقولان ذلك». ولم يقتصر التصعيد على الموقف السياسي، بل توازى مع تهديدات مباشرة من «الحرس الثوري» الإيراني، الذي أعلن في بيان له أن أي تكرار للهجوم على إيران سيؤدي إلى اندلاع «الحرب الإقليمية الموعودة»، و«ستتجاوز حدود المنطقة». وتُقرأ هذه الرسائل في سياق محاولة إيرانية لإيصال معادلة واضحة إلى واشنطن وحلفائها، مفادها أنَّ أي ضربة جديدة لن تبقى محصورة داخل الجغرافيا الإيرانية أو الخليجية، بل قد تدفع نحو توسيع ساحات الاشتباك بصورة غير مسبوقة، بما يُهدِّد أمن الطاقة والممرات البحرية والاستقرار الدوليّ برمته.
لا يُنظر إلى الحرب الأمريكية – الإيرانية على أنها مواجهة إقليمية في «محور الشرق»، بل هي جزء من الصراع الدولي على شكل النظام العالمي الجديد وتوازنات الطاقة والممرات البحرية. فزيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى بكين عكست تقاطعاً واضحاً بين موسكو وبكين على ضرورة منع توسُّع الحرب ضد إيران، ومنع الولايات المتحدة من تحويل الأزمة إلى منصة لإعادة تكريس هيمنتها الكاملة على الخليج وأمن الطاقة العالمي. وفي حين لم تُظهر الصين وروسيا استعداداً للدخول في مواجهة مباشرة مع واشنطن دفاعاً عن طهران، فإنهما في المقابل لا تريدان انهيار إيران أو تدمير بنيتها الاستراتيجية بصورة كاملة، لما يمثله ذلك من تعزيز للنفوذ الأمريكي في المنطقة. ولهذا، ركزت المحادثات على دعم مسار التهدئة والعودة إلى المفاوضات، مع إعطاء غطاء سياسي ودولي أكبر للتحرُّك الباكستاني الذي بات يُنظر إليه على أنه القناة الأكثر قدرة على منع الانفجار الكبير. كما أظهرت الزيارة توافقاً صينياً – روسياً على ضرورة إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية، إنما من دون منح واشنطن الفرصة لتحويل ذلك إلى مبرر لبناء تحالف عسكري دائم يكرِّس سيطرتها على الخليج.
تريد الصين، ومعها روسيا، من حليفتهما إيران العودة إلى التفاوض وعدم الرهان على حرب استنزاف طويلة مع الولايات المتحدة، خصوصاً أن بكين تعتبر أن أي تعطيل طويل للملاحة أو انفجار واسع في الخليج سيشكل تهديداً مباشراً لأمن الطاقة والاقتصاد الصيني. وعكست محادثات بوتين مع شي جين بينغ، حول آليات مواجهة الضغوط والعقوبات الأمريكية، سواء عبر تعزيز التبادل التجاري بالعملات المحلية أو عبر بناء شبكات طاقة ونقل تقلل الاعتماد على النظام المالي الغربي، استعداد البلدين لمرحلة طويلة من الصراع الاقتصادي والجيوسياسي مع الولايات المتحدة، لكن من دون الذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة معها في الملف الإيراني.
وإذا نجحت إسلام آباد في رسم «اتفاق إطاري» بين واشنطن وطهران، فسيكون بداية مرحلة جديدة من المفاوضات الشاملة ضمن إطار زمني محدّد على الأغلب بشهر، يشمل الملف النووي، وترتيبات مضيق هرمز، والعقوبات، والضمانات الأمنية. غير أن هذا الطرح يثير في المقابل مخاوف متزايدة داخل واشنطن وتل أبيب من أن يؤدي فتح مسار تفاوضي جديد إلى منح إيران ما تريده أساساً: كسب الوقت، وتخفيف الضغوط، وتأجيل أي مواجهة عسكرية، وإعادة ترتيب أوراقها الداخلية والإقليمية. غير أن ثمة اعتقاداً متزايداً لدى المراقبين بأن هامش المماطلة الإيرانية لم يعد مفتوحاً كما في الماضي، وأن إدارة ترامب تتعامل مع المرحلة الحالية بوصفها «لحظة الحقيقة»، وفق وصف ترامب الذي كان يفضل تجنب حرب واسعة ومكلفة، لكنه لا يريد في المقابل أن تتحوَّل المفاوضات إلى غطاء مفتوح لإطالة الوقت.
وترى أوساط أمريكية أن رهان طهران على عامل الوقت قد يكون خاطئاً. فإيران تحاول استخدام أسلوب التعويل على الضغوط الداخلية الأمريكية والانقسامات السياسية والاقتصادية لإجبار ترامب على التراجع. إلا أن مؤشرات الداخل الأمريكي لا توحي، حتى الآن، بأن هذا السيناريو يتحقق فعلاً.
فالحسابات الأمريكية، ولا سيما الترامبية لا تنطلق من أن الأزمة الإيرانية تحوَّلت إلى عبء سياسي داخلي حقيقي على ترامب. وحتى مع ارتفاع أسعار الطاقة، لا تزال الإدارة تعتبر أن الوضع تحت السيطرة، وأن أسعار البنزين لم تصل بعد إلى مستوى يهدد شعبية الرئيس أو يخلق انقساماً جدياً داخل الحزب الجمهوري. بل إن نتائج الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري أظهرت تقدماً واضحاً للمرشحين المدعومين من ترامب على حساب خصومه داخل الحزب، ما عزَّز قناعة «البيت الأبيض» بأن الرئيس لا يزال يمتلك هامشاً سياسياً واسعاً للاستمرار في سياسة الضغط على إيران.
يقول أحد الجمهوريين المقرَّبين من مراكز القرار، إن هناك انقساماً بين الجمهوريين حول كيفية التعامل مع إيران في هذه المرحلة. فداخل الإدارة الأمريكية ومراكز القرار، تبرز وجهتا نظر متناقضتان حيال ما إذا كان ينبغي استكمال المسار العسكري أو إعطاء الدبلوماسية فرصة أخيرة.
التيار الأول يعتبر أن الرئيس ترامب كان يُفترض أن يُكمل الضربة العسكرية التي كانت مطروحة، وأن يستهدف بصورة أوسع البنية التحتية الإيرانية، سواء المنشآت النووية أو منشآت الطاقة والقدرات العسكرية، بهدف تدمير الجزء الأكبر من القدرة الإيرانية على إعادة بناء مشروعها النووي أو تهديد الملاحة في الخليج. ويعتقد أصحاب هذا الاتجاه أن التراجع الآن يمنح طهران فرصة لإعادة تنظيم أوراقها العسكرية والسياسية، ويُعيد إنتاج النموذج نفسه الذي سمح لإيران، برأيهم، بكسب الوقت في جولات تفاوض سابقة.
في المقابل، تدافع وجهة النظر الثانية عن خيار منح التفاوض فرصة إضافية، انطلاقاً من أن الضغوط العسكرية والسياسية التي تعرَّضت لها إيران خلال الأشهر الماضية دفعتها للمرة الأولى إلى الاقتراب من خطوط تفاوضية أكثر مرونة. ويرى أصحاب هذا الاتجاه أن فتح نافذة للحل الآن لا يعني التخلي عن الخيار العسكري، بل استخدامه كورقة ضغط أخيرة لفرض شروط أفضل على طهران. وبحسب هذا المنطق، فإن ترامب يستطيع دائماً العودة إلى الخيار العسكري إذا فشلت الوساطة الباكستانية أو رفضت إيران تقديم تنازلات في ملف اليورانيوم عالي التخصيب ومضيق هرمز، لكن هذه المرة من دون أن تواجه واشنطن موجة اعتراض دولية أو اتهامات بأنها استعجلت الحرب أو رفضت الحلول الدبلوماسية. ولذلك، ترى هذه المقاربة، أنَّ منح التفاوض فرصة أخيرة قد يوفر للإدارة الأمريكية غطاءً سياسياً ودولياً أوسع في حال قررت لاحقاً العودة إلى التصعيد العسكري. تعتقد واشنطن أن بإمكانها الاستمرار في سياسة الحصار والضغط الاقتصادي لفترة طويلة من دون أن تتحمل أثماناً استراتيجية كبرى. فالإبقاء على الضغوط القصوى والعقوبات والحصار المالي والنفطي كأداة استنزاف طويلة الأمد ضد إيران سيؤتي ثماره وهو يفعّل اليوم.
وبين كل اللاعبين، تبقى العين على إسرائيل التي لا تزال تميل إلى خيار استكمال الحرب بدل الاكتفاء بتجميدها أو إدارتها دبلوماسياً. فداخل إسرائيل يبرز اتجاه يعتبر أن اللحظة الحالية تشكّل فرصة استراتيجية نادرة لضرب البنى الحيوية الإيرانية، من المنشآت النووية إلى البنية التحتية للطاقة والقدرات العسكرية، ثم إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات وهي في موقع أضعف بكثير سياسياً واقتصادياً وعسكرياً.
والتساؤل داخل دوائر القرار، في دول عدة، يتعلق بقدرة إيران نفسها على تحمّل هذا النوع من الضغوط المركبة: ضغوط اقتصادية خانقة، وتراجع في هامش المناورة السياسية، وتبدّل نسبي في المزاج الدولي الذي لم يعد يتعامل مع طهران بوصفها «الضحية» كما قبل فترة، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بمخزوناتها النفطية واستمرار حالة «الحرب واللاحرب».
يبدو لهؤلاء أن طهران اليوم وكأنها تواصل اللعب على حافة الهاوية، محاولة الجمع بين التصعيد والتفاوض في آن واحد، لكن السؤال الذي يشغل العواصم المعنية هو: إلى أي مدى تستطيع الاستمرار في هذا التوازن الهش، وإلى متى؟
ألغى ترامب حضوره زفاف ابنه في جزر البهاما في عطلة الأسبوع، مشيراً إلى أنه من الضروري أن يبقى في واشنطن خلال «هذه اللحظات التاريخية». وخلال خطاب في مدينة سوفيرن بولاية نيويورك، قال إن الصراع مع إيران «سينتهي قريباً»، وإن «أسعار النفط ستنخفض»، من دون تفاصيل. هو كلام مفتوح أكثر على الاتفاق… فهل سيحصل ذلك أم سنكون أمام مناورة أمريكية لضربات جديدة؟