«هذه ليست رصاصة» رواية السعودي عبد الله ناصر: تفكيك اليقين وزعزعة المعنى


أحيانا ما تخالف بعض الأعمال الأدبية توقعاتنا، وتذهب بنا عكس اتجاهات تفكيرنا، فنحن في الغالب نخضع لبعض التصورات المسبقة التي تضع لنا معايير جامدة لا يطالها التغيير إلا بصعوبة بالغة، وتجعلنا نركن إليها، متكاسلين عن البحث عن نصوص أدبية جيدة في بعض البلدان الأخرى. فقد تم تكريس بعض المقولات والامتثال لها من قبل الشوفينيات الثقافية، مثل أن الرواية والقصة والمسرح من نصيب مصر، والشعر من نصيب بلاد الشام والعراق، أما النقد والفكر فهما درة التاج في الثقافة المغاربية.
لكن يبدو أن عصر السماوات المفتوحة حرّك كثيرا من المسلمات، وفكك هذه المقولات، وعبث باستقرار الجغرافيات الثقافية المكرسة، وذلك عن طريق الأجيال الجديدة التي أثبتت حضورها في كثير من الأقطار. هؤلاء الذين هضموا جيدا الموروث الإبداعي العربي والعالمي، وراحوا ينسجون أعمالا تستحق الالتفات إليها ومتابعتها، بل والاستمتاع بها أيضا.
فمصر لديها شعراء كبار قديما وحديثا، ومفكرون رفيعو المستوى، وبلاد الشام والعراق لديهم أعمال سردية عظيمة، أما المغرب العربي فصار يعج بالشعراء والروائيين وكتاب القصة القصيرة، بينما أتاحت الثورة الرقمية الاطلاع على إنتاج كثير من الأسماء، ووفرت العديد من الإصدارات، وجعلت كتابات الجميع في متناول اليد.
أتحدث هنا عن التغيير، وعن التحولات التاريخية التي طالت كل مناحي الحياة. وليس الأدب بمعزل عنها، فهو في القلب منها، والمنوط به رصد هذه التحولات وتتبعها وسبر أغوارها.
ما دفعني إلى هذه المقدمة هو مطالعتي لرواية «هذه ليست رصاصة» للكاتب السعودي عبد الله ناصر، والتي جاءت مخالفة لتوقعاتي. فقد بدأت هذا العمل بدون رهانات تذكر، لا آمل في شيء: عمل عابر لن يترك أثرا على ذائقتي، ولن يثير دهشتي. لكن ما حسبته عاديا وجدت فيه تجربة ثرية تتجاوز الانطباع الأول وتستحق المتابعة. فهذا عمل أداره الكاتب بطاقة تعبيرية لافتة بدت واضحة مع التقدم في القراءة. فقد استطاع أن يخفيها وراء بساطة ظاهرية، على نحو شديد الذكاء، وبمهارة واضحة، بما يمتلك من وعي فني قادر على توظيف أدواته بقدر من الوجازة والتكثيف، وبما يخالف أحكامنا المسبقة ويجعلنا نراجع آليات التلقي ذاتها، بعد أن كنا نركن إلى استبعاد إبداعات بعض الدول من المنافسة، مستريحين إلى هذه التصنيفات المتوارثة.
يبدأ عبد الله ناصر في إلقاء نظرة على دور السلاح في المجتمع السعودي، تحديدا المسدسات والبنادق بأنواعها. يصفها من خلال مرحلة عمرية صغيرة، إذ يبدأ من زاوية الطفولة. لكن الراوي المشارك هنا يبدو أنه يتمتع بخبرة عميقة في مجال هذه الأسلحة الصغيرة، يصفها بدقة وهو يستعيد الأحداث، ملقيا الضوء على المجتمع المحلي من خلال والده وأسرته. هذا المجتمع المغلق الذي لا نعلم عنه شيئا لقلة الأعمال السردية عنه، وعدم بروز أعمال كبرى قادمة من بيئته، باستثناء أعمال الكاتب السعودي الكبير عبد الرحمن منيف، الذي كان يكتب من الخارج منفيا، واضعا الشأن السياسي في صدارة أعماله، مثل خماسيته الشهيرة «مدن الملح» التي تعالج مشكلة الحكم من وجهة نظر نقدية ومعارضة، وتلقي الضوء على أثر الطفرة النفطية، وانهيار القيم التقليدية المتوارثة.
يلتزم عبد الله ناصر تقنية التقطير والنسق التشويقي البوليسي، ويدخل إلى حكايته بحرفية بالغة، فلا يكشف أوراقه دفعة واحدة، بل يسحب القارئ معه إلى عالمه كأنه يحمل كشافا مضيئا يعمل ببطارية جافة، وهو يفتح بابا وراء الآخر. وراء كل باب/ فصل، حكاية تقودك إلى الحقيقة البعيدة المغلفة بالغموض، دون أن يفسد هذا التمهل إيقاع الرواية، ودون أن يشعرنا بالملل أو يفقدنا التركيز. إنه يعلم جيدا كيف يكتب رواية مستوفاة الشروط الفنية، على قدر كبير من الصقل، غير مصابة بالترهل. يبدو الحذف على أغلب صفحاتها، ونادرا ما نتعثر في ثرثرات لا لزوم لها، أو لجوء إلى الوصف المطول، الذي يبدو كحشو لا يضيف شيئا حقيقيا، ويضرب السرد في مقتل، فيثقله ويوقف حركة الأحداث وتقدمها. إنه يلجأ إلى الوصف الذي يخدم الأحداث ويكشف عن الشخصيات، ويعزز الجو العام الذي عمل على تصويره وتصديره لنا، على الرغم من حجم المعلومات المهمة التي سرّبها عبر الرواية عن المسدسات وأنواعها، وعن المعلومات الطبية، والإيضاحات الجغرافية للأماكن التي دارت فوقها الأحداث، والتأصيل التاريخي لها، حتى بدا في كثير من الفصول كنسابة عتيد، على علم بأصول شخصياته، مؤرخا لعوائلهم. حتى اعتقدت للحظة أنه يتعمد ذلك مخاطبا قارئا غير سعودي، مضيئا له جوانب مجتمع ظل لفترة طويلة مغلقا على مواطنيه، لا يتسرب منه سوى النزر اليسير من الأسرار، ومن الحكايات العادية أيضا.
انظر إليه وهو يصف بدقة لحظات احتضار «أبو نعير»، أحد شخصيات الرواية: «يُصدم الجسد عندما يتعرض لعيار ناري، وتتفاوت درجة الصدمة وخطورتها ـ ما لم تكن الإصابة قاتلة ـ تبعا لما ينزفه من دم. الدرجة الرابعة هي الأخطر، إذ ليس ثمة درجة خامسة. يحتوي جسم الرجل على نحو خمسة لترات من الدم، فإذا تجاوز النزيف لترين يفقد أكثر من ثلث دمه. عندما يخسر الجسد هذا المقدار الهائل من الدم يبدو العقل مشوشا، ويتناقص الوعي تدريجيا حتى ينتهي به المطاف في غيبوبة».
أو وهو يلقي محاضرة سريعة عن المسدسات، أو السيارات، أو النخيل والجمال وطرق التجارة… إلخ. تلك الملاحظات الثاقبة التي يلقيها الراوي في طريقنا، وتجعلنا نكتشف بسهولة كم هو دقيق الملاحظة، وهو يضعنا في قلب الحكاية لنملأ الفراغات المتروكة عن طريق الخيال، في نوع من المشاركة في صناعة ما تم إخفاؤه، وتركه لفطنة المتلقي أثناء متابعته لهذا النثر المتماسك، الذي يعطي صورة مقربة وليست مجهرية للمجتمع في هذا البلد مترامي الأطراف، موليا معظم شخصيات الرواية الأهمية، حتى إنها تقف على قدم المساواة في مجرى السرد. لا تستطيع إغفال دور أي منهم أو تجاوزه، فالجميع يتواجدون في قلب النص لتحريك الأحداث، والعمل على تسلسلها المنطقي من نقطة إلى التي تليها، في تصعيد رأسي، حتى وإن جاء على هيئة حكاية من الماضي تستعاد بتقنية الفلاشباك، من خلال راو مشارك في الأحداث، يشحذ ذاكرته كشاهد ملك حتى لا تسقط المشاهد المؤثرة من تاريخه الشخصي وتغيب في النسيان.
تلخص الفقرة القادمة لعبة الإعماء التي لجأ إليها الكاتب، والإخفاء العمدي الذي ظل يراوغنا به طوال الوقت للإمساك بالسر الذي يطويه بين جوانحه، وينثر تلميحات منه تضيف ظلا من الشكوك على ما توصل إليه القارئ:

«توافد أهل القرية على مركز شرطة القطيف، وانتظم طابور طويل أمام غرفة الاستجواب. كلما دخل أحدهم على الملازم راح يحدثه بما رأى، فإن لم ير شيئا حدثه بما سمع. قالوا جميعا إن أبي هو الذي أطلق الرصاص.
سألهم الملازم:
لماذا؟
قص عليه الأخوال والأعمام القصة مذ خرجوا له بعد أن ضرب ابنهم نعير.
وما الذي فعله نعير؟ لا بد أنه فعل شيئا، أليس كذلك؟
ران عليهم الصمت، رجعوا إلى أنفسهم فتذكروا أنهم لم يسألوه، ثم قالوا في عنت:
لم يفعل شيئا».

أيضا نعير، الذي تكالب عليه والد الراوي وأقاربه، راح يلف ويدور عندما سأله الملازم عن أسباب الاعتداء عليه، مفضلا الصمت والكذب، كأنه يخفي سرا. حتى إطلاق الرصاص على والده الذي جاء يثأر له دون أن يعرف لماذا ضُرب ابنه، لم تبن الحقيقة الدامغة التي قد تنهي هذه الرواية وتغلق الأبواب أمام الاستعراض السوسيولوجي الكاشف والمضيء لمحيطه، وكأننا بصدد تحليل أنثروبولوجي للعادات والتقاليد والأعراف القبلية داخل هذا الحيز، لإماطة اللثام عن بعض ما يجري في تلك البوادي.
بداية من منتصف الرواية تقريبا، يبدأ الكاتب في الذهاب بعيدا، قافزا إلى عالم مغاير، إلى الفن التشكيلي، مع واحد من كبار هذا العالم؛ البلجيكي رينيه ماغريت، فاردا مساحة واسعة للوحته الشهيرة «الناجي»، ملقيا الضوء على تاريخ اللوحة، رابطا بين حضور البندقية وغياب الطبيعة، مستدركا ما ذكره عن اللوحة في أول سطور الرواية عندما أحصى الأسلحة التي يملكها والده: ثلاثة مسدسات وبندقية صيد وترخيص قديم لحمل السلاح. البندقية إلى جانب المجلس القديم تستند إلى الجدار، مثل البندقية التي رسمها رينيه ماغريت في لوحة «الناجي»، غير أن الأرض تحتها تخلو من بقعة الدم. إنه مثل ماغريت ذهب في اتجاه آخر، كما فعل الفنان في العام 1950، عام التحولات بالنسبة له، عندما فتحت له أمريكا معارضها، في الوقت الذي تصدعت فيه جماعته السوريالية وابتعد عنه أقرب أصدقائه. ذلك العام الذي رسم فيه اللوحة الشهيرة. إنه الفنان الذي يضع الأشياء في غير مواضعها ويسميها بغير أسمائها، كأن يرسم كأسا فوق مظلة، أو يرسم حذاء ويسميه قمرا، ليزعزع الأشياء ومسمياتها. لذلك فإن لوحة «الناجي» تحديدا ما كان لها أن تحمل غير ذلك الاسم حسب الراوي. فالعنوان كما يرى ماغريت لا يجب أن يكون دليلا أو مرشدا يزودنا مثلا باسم المدينة أو المرأة التي في اللوحة، فهي ليست رسما توضيحيا للعنوان، فالعلاقة بينه وبين اللوحة علاقة شعرية. وكأن العنوان لا يأتي من إدراكه التصويري لما يرسم، إنما يأتي من الفكرة أو العاطفة التي دفعت يده إلى الرسم.
هنا يتم اللعب مع القارئ أثناء توغله في دروب الرواية، كأن الكاتب يقول: ها أنا رسمت لك الصورة كاملة، لكني لم أنطق بالحقيقة المباشرة، وأنت بالتأكيد علمت ماذا أقصد وعما أتحدث، حتى لو لم أضع على لساني كلمة تشير إليه. إنها إيماءات لا أكثر، لذلك تركت لك لوحة ماغريت كي تأولها كما تشاء، وربما كان فنه ينوب عني. إن استدعاءه داخل الرواية ليس إحالة فنية، وإنما هو إعلان ضمني عن طبيعة العمل: نص يرفض أن يكون مرآة صادقة للواقع، ويصر على أن يثير الأسئلة حوله.
فالرصاصة هنا ليست مجرد أداة قتل، ولكنها استعارة للعالم الذي نعتقد أننا نراه بوضوح، بينما هو في الحقيقة مغطى بطبقات من الصمت والتواطؤ وسوء التأويل. فكما زعزع ماغريت ثقتنا في العلاقة بين الصورة والحدث، راح عبد الله ناصر يزعزع ثقتنا في العلاقة بين الحدث وحقيقته، محولا الرواية من قصة جريمة إلى نقد للذاكرة القبلية.

عبد الله ناصر: «هذه ليست رصاصة»
دار الكرمة للنشر، القاهرة 2025
176 صفحة.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *