القدس – «القدس العربي»: في الوقت الذي تحدثت فيه صحافة عبرية عن فرض عقوبات إسرائيلية «سرية» بحق المجموعات الإرهابية في «شبيبة التلال»، صعّد المستوطنون من اعتداءاتهم على الفلسطينيين وممتلكاتهم في مختلف محافظات الضفة الغربية، ما أدى إلى إصابة عدد من المواطنين وإلحاق أضرار واسعة بالممتلكات.
ففي محافظة بيت لحم، أصيب المواطن محمد هشام شلالدة بكسور في القدم ورضوض حادة في أنحاء جسده، إثر هجوم عنيف شنه مستوطنون على منزله عند مدخل قرية مراح رباح جنوب المدينة. وذكرت مصادر طبية لوكالة الأنباء الفلسطبمبة «وفا» أنه جرى نقله إلى مستشفى بيت جالا الحكومي لتلقي العلاج.
وفي جنوب الخليل، اعتدى مستوطنون متطرفون على أهالي قرية أم الخير في مسافر يطا، ومنعوهم من رعي الأغنام، في إطار سياسة تضييق مستمرة تستهدف مصادر رزق السكان.
وجاءت هذه الاعتداءات عقب ليلة شهدت تصعيدا لافتا، تركز في ريف نابلس ورام الله، حيث نفذت الهجمات تحت حماية مباشرة من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
وفي بلدة قصرة جنوب نابلس، أصيب الشاب زهراب محمد شنابلة بجروح وصفت بالبليغة، جراء تعرضه للضرب المبرح من المستوطنين، فيما أقدم مهاجمون على إحراق «بركسين» مخصصين لتربية الدواجن، ما أدى إلى خسائر مادية جسيمة.
كما أصيب عشرة مواطنين بحالات اختناق، بينهم سبعة أطفال، نتيجة إطلاق قوات الاحتلال قنابل الغاز المسيل للدموع لتأمين انسحاب المستوطنين.
وفي محافظة رام الله، تصدى أهالي قرية المغير لمحاولة مستوطنين اقتحام منطقة السهل الشرقي، قبل أن تتدخل قوات الاحتلال لتوفير غطاء لانسحابهم.
وفي الأغوار، هاجم مستوطنون تجمعا بدويا قرب الأطراف الغربية لقرية العوجا شمال أريحا، حيث سرقوا عربة جرار زراعي و»حمالة»، إضافة إلى تخريب ممتلكات خاصة تعود للمواطنين. في موازاة هذا التصعيد، كشفت صحيفة «معاريف» العبرية أن المجلس الوزاري الأمني–السياسي أقر «بهدوء» سلسلة إجراءات ضد عنف المستوطنين، خصوصا مجموعات «شبيبة التلال»، دون إعلان رسمي.
وذكرت الصحيفة أن هذه الخطوات تشمل فرض القانون على البناء في مناطق «باء»، والإخلاء الفوري لأي بناء مخالف، وفرض عقوبات اقتصادية وغرامات على المخالفين.
وأوضحت أن القرار جاء نتيجة ضغوط أمريكية متزايدة، حيث نقلت واشنطن رسالة واضحة إلى تل أبيب مفادها أن «التصريحات لم تعد كافية، بل مطلوب خطوات ملموسة على الأرض». وأضافت أن إسرائيل استوعبت هذه الرسالة، وصادقت قبل نحو أسبوع، في نقاش غير معلن، على حزمة قرارات للتعامل مع الظاهرة.
وأشارت الصحيفة إلى أن القرار أبقي بعيدا عن الأنظار لأسباب سياسية، إلا أنه جرى إبلاغ الإدارة الأمريكية به فورا، التي عبّرت عن رضاها عن هذا التوجه.
وحسب مصادر مطلعة، فإن هذه الخطوة جاءت في ظل تصاعد الانتقادات الأمريكية لعنف المستوطنين، الذي بات يُنظر إليه على أنه قضية سياسية حساسة وليست مجرد ملف أمني أو إنساني.
وفي هذا السياق، قال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن الولايات المتحدة «قلقة من ذلك»، مؤكدا أن الرئيس دونالد ترامب «أوضح بشكل قاطع معارضته لأي تغيير في الوضع القائم في الضفة الغربية».
كما أشار ترامب نفسه، في تصريحات سابقة عقب لقائه مع بنيامين نتنياهو، إلى وجود خلاف بين الجانبين، قائلا: «لا أستطيع القول إننا متفقون بنسبة 100% بشأن الضفة الغربية».
بالتوازي مع التصعيد الميداني، تواصل سلطات الاحتلال الإسرائيلي إغلاق المسجد الأقصى المبارك وكنيسة القيامة لليوم السابع والثلاثين على التوالي، بذريعة «حالة الطوارئ» والأوضاع الأمنية.
وللمرة التاسعة منذ عام 1967، أُغلق المسجد الأقصى يوم الجمعة، حيث خلت ساحاته من المصلين، باستثناء أعداد محدودة من موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية.
وفي شوارع القدس، أدى الفلسطينيون الصلاة في الطرقات والأزقة، بعد منعهم من الوصول إلى المسجد، وسط انتشار مكثف لقوات الاحتلال التي لاحقت المصلين ومنعت إقامة الصلوات قرب أسوار البلدة القديمة.
وفي المقابل، تستغل «جماعات الهيكل» فترة «عيد الفصح» العبري للتحريض على اقتحام المسجد الأقصى، والدعوة إلى أداء طقوس دينية داخله، ما يثير مخاوف من تصعيد خطير.
وأكد المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان أن القيود المفروضة على حرية العبادة في القدس لا تمثل مجرد انتهاك للحريات الدينية، بل «أداة قمع ممنهجة ضمن بنية أوسع من الاستعمار الاستيطاني والفصل العنصري».
وأوضح أن هذه الإجراءات تهدف إلى إعادة تشكيل الوجود الفلسطيني في المدينة على أسس تمييزية، في وقت تُمنح فيه الامتيازات للمستوطنين، وتبقى مرافقهم مفتوحة دون قيود مماثلة.
وفي الخليل، وثقت وزارة الأوقاف والشؤون الدينية تصاعد الانتهاكات في الحرم الإبراهيمي الشريف، حيث جرى منع رفع الأذان عشرات المرات، وتشديد القيود على دخول المصلين، إضافة إلى تفتيش مهين وإساءات لفظية.
كما شهد الحرم إغلاقا لعدة أيام، وفرض قيود صارمة على أعداد المصلين، ما حد بشكل كبير من حرية العبادة.
وسجلت الوزارة أيضا اعتداءات من قبل المستوطنين، شملت إقامة حفلات صاخبة والتشويش على المصلين، إلى جانب استمرار أعمال داخل مرافق الحرم دون توضيح طبيعتها.
في المقابل، سمحت المحكمة العليا الإسرائيلية بتنظيم مظاهرة مناهضة للحرب على إيران في تل أبيب، شارك فيها نحو 600 شخص، في وقت تواصل فيه السلطات منع المصلين المسلمين والمسيحيين من الوصول إلى المسجد الأقصى وكنيسة القيامة.
وتبرز هذه المفارقة حجم التمييز في تطبيق الإجراءات، حيث يُسمح بالتجمعات السياسية داخل إسرائيل، بينما تُقيد بشدة حرية العبادة للفلسطينيين في القدس.