هتلر وتشارلي شابلن في زمان واحد


يكافئ المرء نفسه بمشاهدة تشارلي شابلن، وتحلو العودة إلى أفلامه التي لا نستطيع أن نفضل بعضها على البعض الآخر، فلكل فيلم أهميته وخصوصيته وأثره الفني والجمالي، تماماً كفيلم «الديكتاتور العظيم»، فيلمه الناطق الطويل الذي يمتد إلى ساعتين تقريباً. صدر الفيلم عام 1940 عندما كانت الحرب العالمية الثانية لا تزال في بدايتها بعد أحداث سبتمبر/أيلول 1939 وستمتد حتى عام 1945، وكانت ألمانيا في ذروة المد القومي تتقلب في النازية، وكان على رأسها هتلر.
اجتمع تشارلي شابلن مع هتلر في زمان واحد، ومن سوء حظ الفنان أن يجمعه زمانه مع ديكتاتور، وما أكثر الأمثلة والنماذج لفنانين صاروا من ضحايا الديكتاتورية بشكل أو بآخر، لكن شابلن لم يكن من ضحايا هتلر، بل إن شابلن حوّل هتلر إلى أضحوكة خالدة لن تمحى أبداً. صدر الفيلم عندما كان هتلر في أوج جبروته وسلطانه يعبث بالعالم مغتراً بقوته، فشاهد العالم ذلك الديكتاتور المرعب بشكل جديد على شاشة السينما، شكل مضحك يثير التأمل والتفكير العميق، وينبه لخطورة ما كان يجري من خلال التشريح الكاريكاتيري الدقيق لشخصية الديكتاتور. تشارلي شابلن وأدولف هتلر، كان كل منهما يمضي في طريقه في خطه الزماني والمكاني، جمعهما الزمان وفرقهما المكان، تشابها مصادفة في أشياء قليلة واختلفا في كل ما هو دون ذلك القليل. شابلن فنان عبقري الموهبة، منح حياته للفن فمنحه الفن مجداً لا تحده حدود، أدولف هتلر شخص عادي أراد أن يكون فناناً، وأن يدرس فنون الرسم والتصوير، ولما أغلقت في وجهه الأبواب اتجه إلى الجيش لينضم إلى فرقة عسكرية بافارية، ثم صار الديكتاتور العظيم، وحظي بالمجد أيضاً كأحد أكبر مبدعي الشر والعنف والكراهية. في زمن واحد كان كل منهما علماً تردد اسمه الدنيا وتسمعه الآفاق، ولد كل منهما في شهر أبريل/نيسان عام 1889، وكان لكل منهما الشارب نفسه تقريباً، وأحب كل منهما موسيقى فاغنر.

عندما نطق الفنان الصامت

لم يجمعهما مكان واحد أبداً، لكنهما التقيا على أغرب نحو ممكن، عندما أبدع شابلن تحفته السينمائية والإنسانية الخالدة بحق، كان هتلر يعرف شابلن بكل تأكيد، ومن في الدنيا لم يسمع بشابلن؟ ربما شاهد هتلر بعضاً من أفلامه وربما كان معجباً بفنه. وفي مرحلة ما عرف شابلن بوجود هتلر وسمع بجرائمه، ومن في الدنيا لم يسمع بجرائم هتلر؟ كانت تلك الجرائم آخذة في التصاعد، وتوحشت إلى أقصى درجاتها بعد صدور الفيلم، وتحول الأمل الذي حاول الفيلم خلقه من لا شيء عن طريق الخيال إلى كابوس مفزع روّع البشرية. ألف شابلن الفيلم وكتب حواره، وأخرجه وأنتجه وأعد بعضاً من موسيقاه أيضاً، وهكذا يجد المرء نفسه محاطاً بعبقرية شابلن ومواهبه المتعددة، وما كان يمتلكه من رؤية فنية وإنسانية تتجاوز زمنه وزمننا. ذلك الفنان الصامت الذي ظل مخلصاً للصمت منتصراً له حتى بعد أن نطقت السينما، قرر أن ينطق فسمعنا صوته وأصغينا إلى كلماته، وهل هناك أجمل وأعمق وأصدق مما نطق به شابلن في هذا الفيلم؟
تلك المقابلة أو المفارقة التي صنعتها الحياة بين هتلر وشابلن، صنعها شابلن في فيلمه، فوضع في مقابلة الديكتاتور العظيم حلاق يهودي بسيط يعيش تحت وطأة النازية، لتخبرنا الحياة ويخبرنا الفيلم أيضاً، أنه يمكن للفرد الواحد أن يسعد البشر، وأنه يمكن للفرد الواحد أيضاً أن يشقي البشر ويهلكهم. فها هو هتلر في الحياة ينشر جحيمه، وها هو شابلن ينثر فنونه، وها هو الديكتاتور في الفيلم يحقق الرعب ويمارس الجنون، وها هو الحلاق البسيط يبعث الأمل. وظف الفيلم تلك الثيمة الشهيرة التي تعتمد على التشابه الشكلي بين شخصين هما أبعد ما يكونان عن بعضهما، كالأمير والفقير، والرئيس والصعلوك على سبيل المثال، كما في فيلم «سي عمر» لنجيب الريحاني الذي صدر عام 1941، والتي نجدها أيضاً في مسرحية «الزعيم» لعادل إمام. لكن شابلن لم يوظف تلك الثيمة بشكلها التقليدي، حيث تداخل أو تبادل الأدوار، فكل شخصية ظلت تلعب دورها الحقيقي طوال الفيلم، ولم يتم التبادل إلا في اللحظات الأخيرة منه، حيث تتوارى شخصية الديكتاتور، ويصبح الحلاق في مكان هتلر فقط لأنه يشبهه شكلاً، وعندما يتحدث لا يتحدث بلسان الديكتاتور، وإنما ينطق بكلمات الخير النابعة من قلب إنسان ينشد السلام والحرية.

خلاصة التمثيل

مع تشارلي شابلن نكاد نكون أمام خلاصة التمثيل وروحه المركزة، حيث قطرة واحدة يستلهمها ممثل آخر فتفيض عليه فنا وإبداعاً، وفي مصر نجد الأثر الكبير لشابلن على السينما والمسرح وفن التمثيل عموماً في ما مضى، ولا يخفى ما استعاره هذا الممثل، أو ذاك من شابلن، ولا بأس في ذلك، فالمصدر معروف معلوم للجميع ولا يمكن إخفاؤه، فشابلن هو المرجع الكبير، الذي يعود إليه كل فنان حقيقي، وما أجمل أن يقتبس الممثل من شابلن، أو حتى أن يقلده في إشارة أو إيماءة، فالممثل الذي يتطلع إلى شابلن وينظر إليه كمثال رفيع، يدعونا نحن إلى أن نحترم ذوقه وأن نثق في رؤيته وفهمه لفن التمثيل، وما بالك بممثل لا يعرف تشارلي شابلن ولا يفهم فنه ولا يدرك قيمته! من شابلن استلهمت أفكار وثيمات وحركات ومشاهد، ومن فيلم «الديكتاتور العظيم» تحديداً يذكرنا مشهد الطائرة الحربية المقلوبة بمشهد في أحد أفلام إسماعيل ياسين، وكذلك مشهد الجندي المرتبك أمام المعدات العسكرية، يذكرنا بمشاهد مشابهة في سلسلة أفلام إسماعيل ياسين في الجيش والبحرية والطيران. كما أن شخصية الديكتاتور في الفصل الأخير من مسرحية «تخاريف» للفنان محمد صبحي، كان شابلن أحد المراجع للأداء الحركي لتلك الشخصية إلى حد ما، خصوصاً عند تعثر خطوات الديكتاتور عندما تصطدم ساقاه ببعضهما أثناء المشي، وكان الشكل الهتلري ملهماً للشخصية أيضاً.
لعب شابلن بأسماء البلدان والأشخاص لعبة كانت ضرورة له كمبدع وكانت تسلية للمتفرج، فألمانيا النازية صارت تومينيا، وأدولف هتلر صار أدينويد هينكل، وإيطاليا الفاشية صارت باكتريا، وبنيتو موسوليني صار بنزينو نابالوني، والنمسا صارت أوسترليش وهو اسم قريب من النطق الألماني للنمسا، وغوبلز صار غاربيتش الاسم القريب من النطق الإنكليزي لكلمة قمامة. كان هتلر/ هينكل يتحدث الإنكليزية في الفيلم بطبيعة الحال، لكن شابلن اعتمد على اللغة الألمانية أو ألمانية هتلر تحديداً، من أجل الإضحاك وخلق الكوميديا في بعض أجزاء الفيلم. يحاكي شابلن طريقة إلقاء هتلر وإيقاع حديثه وأسلوبه في التنغيم، فيرسل الكلمات السريعة المتلاحقة التي توحي بأنها كلمات ألمانية، لكنها معظم الوقت في الحقيقة مجرد أصوات لا تقول شيئاً على الإطلاق، ولتأكيد تلك الفكرة يحول شابلن الكلمات إلى سعال متقطع في النهاية. ولا شك في أن شابلن نطق بعض الكلمات الألمانية بالفعل، فتستطيع الأذن مثلاً أن تلتقط كلمة شكراً باللغة الألمانية.
الفيلم ناطق لكنه يحتفظ بأسلوب شابلن في السينما الصامتة في كثير من أجزائه، حيث يعتمد الإضحاك على التعبير الجسدي والأداء الحركي فقط، كمشهد الحرب في بداية الفيلم والحركة أمام الصاروخ، ومشاهد مراوغة الجنود النازيين، والكثير من مشاهد هتلر أيضاً. ويعد مشهد الحلاقة على وقع موسيقى برامز من أجمل المشاهد العبقرية، حيث أداه شابلن بتطابق مذهل بين حركات يديه وإيقاع الموسيقى، كما لو أننا نستمع إلى المقطوعة من خلال يديه. أما المشهد الأشهر في الفيلم بلا شك فهو مشهد الكرة الأرضية، عندما ينفرد هتلر، أو هينكل بمجسم الكرة الأرضية في مكتبه، بعد أن يقول له أحد رجاله، إن الناس سوف يعبدونه كإله، فيشعر هتلر بالخوف من نفسه ويخلو بها في مكتبه، ثم يداعب مجسم الكرة الأرضية على وقع موسيقى فاغنر، ويتحول المجسم إلى بالون منفوخ بالهواء، يلعب هتلر بالبالون الذي هو العالم، يديره فوق إصبعه ويضحك ضحكة هستيرية، يركلها بقدمه ويدفعها برأسه إلى أعلى في الهواء، يقذفها ويلتقطها، يستلقي فوق المكتب ويدفعها بمؤخرته، ويظل يلهو حتى يفرقع البالون وينفجر العالم ويتحول إلى مزقة مهلهلة.

كاتبة مصرية



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *