الرباط ـ «القدس العربي»: رغم الإقرار بأن النضال من أجل حقوق المرأة يندرج ضمن الدينامية الحقوقية العامّة التي تنشُد الكرامة والإنصاف والعدالة الاجتماعية لجميع المواطنات والمواطنين المغاربة، فإن المنظّمات النسائية تشدّد على خصوصية وضعية المرأة في البلاد، من حيث طبيعة المشكلات التي تعاني منها، قانونيًا واجتماعيًا وإداريًا وعمليًا.
وانخرطت الهيئات النسائية المغربية في احتفال المنتظم الدولي بيوم المرأة العالمي، يوم 8 آذار/ مارس، الذي اختير له هذه السنة شعار «الحقوق، العدالة والعمل من أجل جميع النساء والفتيات»، وحُدّد له هدف «وضع وتنفيذ تدابير حاسمة لتفكيك جميع العوائق التي تحول دون إرساء العدالة المتكافئة، بما في ذلك القوانين التمييزية، وضعف الضمانات القانونية، والممارسات الضارّة والمعايير الاجتماعية التي تنتقص من حقوق النساء والفتيات وتقوّضها».
وشهدت الساحة المقابلة للبرلمان المغربي في الرباط، الأحد، وقفة احتجاجية كان أبرز المشاركين فيها نساء من مدينة فجيج (شرق البلاد) كنّ يرتدين لباسًا تقليديًا أبيضَ يُطلق عليه «الحايك»، وذلك للمطالبة باحترام الحق في الماء والكرامة لسكان المدينة الواقعة على الحدود مع الجزائر. وجاءت الوقفة التي دعا إليها «الائتلاف الوطني لدعم حراك فجيج» استمرارًا لنضال سكان هذه المدينة، ورفضًا لتفويت تدبير قطاع الماء الصالح للشرب إلى شركة جهوية، واحتجاجًا على التدهور الكبير الذي تشهده الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية في الواحة ومحيطها.
نضال النساء الأمازيغيات
في سياق متصل، وضعت جمعية «صوت المرأة الأمازيغية» للاحتفال بيوم المرأة العالمي شعار «النساء الأمازيغيات: قيادة، مقاومة، وحقوق غير قابلة للتجزئة»، موضحةً أن النساء الأمازيغيات لَسْنَ فاعلات اجتماعيات فقط، بل هُنّ أيضًا «حاملات للغة والثقافة والذاكرة الجماعية، وفاعلات في مسارات النضال من أجل الحقوق الاجتماعية والعدالة المجالية، والحق في الأرض والصحة والتعليم والماء والولوج إلى العدالة».
وأوردت أنه «رغم المكتسبات الدستورية والاعتراف الرسمي بالأمازيغية، ما تزال الفجوة قائمة بين الإطار القانوني والتفعيل الفعلي، مما يستدعي سياسات عمومية أكثر عدالة وإنصافًا، تضمن التمكين الحقيقي والمشاركة السياسية الفعلية للنساء»، وفقًا لبيان اطلعت عليه «القدس العربي».
وأعطت الجمعية أمثلةً على «النضال النسائي الأمازيغي» في المغرب خلال السنوات الأخيرة، ما جعله عنصرًا أساسيًا في دينامية التغيير الاجتماعي، من ذلك تنظيم مسيرات وحركات الاحتجاجية، وإطلاق مبادرات ميدانية في مختلف المناطق، الشيء الذي أتاح للمطالب الحقوقية للنساء الأمازيغيات أن تكون مرئية داخل المجال العام، وحوّلها من قضايا محلية إلى مطالب ذات بعد وطني.
وكشف البيان أنه في منطقة «سوس» (جنوب البلاد) تمحورت التعبئة حول الحقوق العقارية والحق في الأرض، ودور النساء الأمازيغيات في الحفاظ على البيئة، باعتبارها مسألة مرتبطة بالعدالة الاقتصادية والتمكين الاجتماعي والحقوق البيئية.
وفي أزيلال (وسط)، ركّزت المطالب على الحق في الصحة والتعليم، في ظل ضعف البنيات التحتية وصعوبة الولوج إلى الخدمات الأساسية؛ وكذلك ظاهرة تزويج القاصرات وآثارها السلبية على المجتمع.
أما في «الحوز»، يضيف البيان، فقد ارتبط العمل الميداني بالدفاع عن الحقوق الاجتماعية ومواجهة الهشاشة والحرمان من الحماية الاجتماعية ومواجهة الأزمات والكوارث الطبيعية. وفي فكيك، تمحورت التعبئة حول الحق في الماء، باعتباره موردًا حيويًا يواجه تحديات مرتبطة بالتدبير والاستدامة البيئية. في حين تركزت المطالب في الريف (شمال) على الحق في العدالة الاجتماعية والمجالية والمساواة في الولوج إلى الخدمات العمومية وفرص التنمية والحق في الشغل.
واستطرد البيان قائلاً إن نساء الواحات في «واد زيز» و»طاطا» (جنوب شرق البلاد) يواجهن تحديات متزايدة نتيجة التغيرات المناخية، بما في ذلك الجفاف وتدهور المنظومات البيئية وندرة المياه، ما يؤثر بشكل مباشر على سبل العيش التقليدية وعلى الأمن الغذائي للأسر. وتتحمل النساء الأمازيغيات في هذه المناطق أعباء إضافية في تدبير الموارد الطبيعية والحفاظ على النظم البيئية للواحات، رغم محدودية الإمكانيات وضعف الدعم المؤسساتي.
وختمت جمعية «صوت المرأة الأمازيغية» بيانها بالتأكيد على أن الترافع من أجل تحقيق تلك المطالب لا يمثّل مجرد احتجاجات محلية، بل يعكس تحوّلاً في طبيعة المشاركة السياسية للنساء الأمازيغيات، حيث انتقلن من أدوار تقليدية مرتبطة بالحفاظ على اللغة والثقافة والهوية إلى فاعلات حقوقيات، يُطالبن بالحقوق الإنسانية للنساء داخل المجال العام.
المساواة في قاعة الانتظار
واعتبرت «الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب» أن مسار المساواة لم يعد يقبل المد والجزر بين رافض ومؤيّد؛ داعيةً كل الأطراف المعنية، برلمانًا وحكومة، إلى أن تبرهن على أن المساواة «لا يمكن أن تظلّ في قاعة الانتظار إلى الأبد».
وفي بيان أصدرته بمناسبة يوم المرأة العالمي، سلّطت الجمعية الضوء على واقع وضعية نساء المغرب، فلاحظت أن الحكومة التي أوشكت ولايتها أن تنتهي، رفعت شعار «الدولة الاجتماعية»، لكنها لم تضع إجراءات ملموسة كفيلة بتمكين النساء والنهوض بحقوقهن الإستراتيجية، كما أنها تبنت تقرير «النموذج التنموي» بدون التخلص من تصور ذكوري منغرس للعلاقات بين الرجال والنساء، وفق تعبير البيان الذي تلقّت «القدس العربي» نسخة منه.
وبعدما سجّلت «هزالة» الأرقام والإحصائيات المرتبطة بالخدمات المباشرة لفائدة النساء، أفادت الجمعية بأن عددًا من القوانين التي صودق عليها في المغرب حافظت على تكريس التمييز بين الرجال والنساء، مثلما هو الحال بالنسبة لقانون المسطرة الجنائية الذي بقي مفتقرًا للضمانات القانونية الحمائية للضحايا، وقانون محاربة العنف ضد النساء. كما جرى تغييب اعتماد مقاربة النوع الاجتماعي والاستجابة للحاجيات الخاصة للنساء في قانون الشغل والنظام الأساسي العام للوظيفة العمومية وباقي القوانين التنظيمية.
وانتقد البيان أيضًا «ضعف» تفعيل قانون الاتجار بالبشر للحد من ظاهرة استغلال النساء والفتيات في العمل المنزلي والدعارة القسرية، مشيرًا إلى أن قانون التعليم المدرسي ظلّ مفتقدًا لبُعد النوع الاجتماعي ولا يتضمن أي مقتضى صريح يهمّ محاربة الصور النمطية في المناهج، وكذا حماية الفتيات من العنف المدرسي، والمناصفة في المجالس التعليمية.
ودعت «الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب» إلى إعادة النظر في المنطلقات والخلفيات التي يحاول أصحابها الدفاع عن «تعديلات بسيطة»، لا ترقى إلى مستوى مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها الأسر والنساء اليوم، وتنفصل عن الديناميات الديمقراطية المعلنة والخطاب المتعلق بحقوق الإنسان، ولا تستجيب لمطالب الحركة النسائية.
كما طالبت بوضع آلية مؤسساتية تُعنى بالمراجعة الشاملة لجميع القوانين، كي تتلاءم مع المقتضيات الدستورية ومع التزامات المغرب ووضع قانون إطار للمساواة؛ علاوة على سنّ قانون خاص بمناهضة التمييز ضد النساء، يتطرق إلى الجانب الحمائي والجزائي، وإلى إعادة تأهيل الضحايا وتعويضهن عن الضرر.
حماية النساء
على صعيد آخر، وجّه «الائتلاف من أجل كرامة وحقوق النساء» نداءً إلى الحكومات والمؤسسات الدولية من أجل اتّخاذ خطوات حاسمة من أجل تعزيز الإطار القانوني لحماية النساء من جميع أشكال العنف والتحرش، وضمان ولوجهن الفعلي إلى العدالة.
وأكد، في بيان اطلعت عليه «القدس العربي»، ضرورة تعزيز الحماية القانونية للنساء المدافعات عن حقوق النساء والعمل على تطوير واعتماد آليات وقوانين دولية تضمن سلامتهن الجسدية والمعنوية، وتمكنهن من القيام بدورهن في الدفاع عن حقوق الإنسان دون خوف من العنف أو التهديد أو الترهيب.
وقال «إن القضاء على العنف والتحرش ضد النساء، وضمان الحماية للمدافعات عن حقوق النساء، يشكلان شرطًا أساسيًا لتحقيق المساواة والعدالة الاجتماعية، وبناء مجتمعات أكثر إنصافًا وكرامة للجميع».
تبقى الإشارة إلى أن «المنظمة المغربية لحقوق الإنسان» أحيتْ بدورها يوم المرأة العالمي، تحت شعار «المرأة شريك في البناء الحقوقي»، وأعلنت عن إطلاق الإصدار الأول من مجلتها الرقمية «أقلام صحافية من أجل حقوق الإنسان»، حيث خصّصت العدد الافتتاحي لقضايا المرأة، تقديرًا للأدوار الطلائعية التي اضطلعت بها المرأة المغربية في مسارات الإصلاح والبناء الديمقراطي، وإسهامها التاريخي في ترسيخ الممارسة الحقوقية في المغرب.