نجيب سرور والموت المجاني في الحروب الكاذبة


ألّف نجيب سرور قصيدة «طوبى للجبناء» عام 1955، من وحي حديث الجنرال مايك وست قائد فرقة الكومنولث البريطاني في كوريا، قال فيه: «إنه كانت هناك عدة حالات تشتمل على الجبن في كوريا، وإنه أجريت بشأنها محاكمات عسكرية. واستطرد قائلاً: إنه ليس في الأمر ما يدعو إلى الدهشة، فقد حوكم جنود كثيرون في الحربين العالميتين بتهمة الجبن، وكان الحكم أحياناً هو الإعدام رمياً بالرصاص». قرأ الشاعر كلمات العسكري فألهمته تلك القصيدة الرائعة، وأخذ يتأمل في حقيقة الحروب والدفع بالجنود للموت في المعارك، وأخذت الأسئلة تتلاحق على ذهنه، هل كل الحروب صادقة وشريفة وضرورية؟ أم أن معظمها أكاذيب وشرور وأطماع؟ ولماذا يكون البشر وقوداً لنزوات الساسة؟
لم يكن نجيب سرور ليترك تلك الكلمات تمر، فهو الشاعر الثائر، الذي احتجزه الأمن في السجون والمعتقلات والمصحات العقلية، والمشاغب الذي تمرد على قوانين وأعراف القبيلة الثقافية أو العصابة الثقافية وفضح فسادها. ولم يتحرر من أسر السجون والمصحات وحظه العاثر إلا بموته المبكر عام 1978 عندما كان في السادسة والأربعين من عمره، تاركاً لنا مجموعة رائعة من الأعمال الشعرية والمسرحية والنقدية، فهو شاعر فذ وناقد حصيف ومسرحي بارع. في جميع أحواله وألوان إبداعاته اختار نجيب سرور أن يكون قلمه مع الناس، لا مع العصابات السياسية أو الثقافية، ودفع ثمن ذلك غالياً.
ولد نجيب سرور عام 1932 والتحق بكلية الحقوق بما كان لها من مكانة رفيعة في العهد الملكي، قضى فيها ثلاث سنوات ثم تركها ليلتحق بمعهد التمثيل، حيث وجد عالمه في دنيا الشعر والمسرح. ثم ذهب ليكمل دراسته المسرحية في روسيا، وهناك التقى بالحبيبة الروسية التي تزوجها وأنجب منها ولديه شهدي وفريد، بعد ذلك اضطر إلى أن يفر إلى المجر هرباً من زملائه المبتعثين معه، أو المخبرين المتلصصين كتبة التقارير. ومن المجر عاد إلى مصر لتبدأ دوامة الاعتقالات التي انتهت بالموت. كتب نجيب سرور الشعر بالفصحى والعامية على القدر ذاته من الجودة والبراعة، واقترب كثيراً من كلام الناس وثقافتهم السائدة، ونقل إلى شعره ملامح الغنائية الشعبية ومواويل الفلاحين وأساطيرهم وقصصهم الخاصة.
تهمة الجندي وتهمة الشاعر
وقف نجيب سرور أمام تهمة «الجبن» في حديث الجنرال وقال «طوبى للجبناء»، لكن استخدامه للوصف ذاته لا يعد تأكيداً له، وإنما هو استنكار للوصف والتهمة معاً، ومراجعة عميقة يدعو القارئ إليها، ليتفكر من جديد في الفرق ما بين الجبن والشجاعة والخط الفاصل بينهما، هل يعد الجندي الذي يساق إلى الموت صامتاً مطيعاً في معركة ليست معركته، شجاعاً؟ وهل يعد الجندي الذي يرفض أن يكون أداة ظلم واعتداء في يد السياسي جباناً؟ هوجم نجيب سرور بسبب هذه القصيدة كسوء حظه دائماً، واتهم بتقديس الجبن والتخلف عن حمل السلاح في وجه العدو، في حين أنه كان يدافع عن ذلك الجندي الذي يموت مجاناً من أجل أصحاب المصالح، ومن أجل القيم الباطلة الكاذبة والأوهام، التي يصنعها الساسة لتبرير الموت.
تبدأ القصيدة كما لو أننا نصغي إلى حديث بدأ قبل أن نستمع إليه، كما لو أننا جئنا في منتصف الحكاية، حيث نظم نجيب سرور أبياته على لسان جندي يحكي، يسرد لنا ما عاشه ورآه، ويرسم الصور المأساوية لما يلاقيه الجنود الذين يساقون إلى الحروب. أول تلك الصور جعلها الشاعر في مستهل قصيدته شديدة القسوة، فلا تدرج في الألم ولا رؤية عاطفية خيالية عن الحروب، فالكلمات تقف على أرض الواقع، أو في كواليس الحروب إذا أمكن القول، وسط بؤس الجنود الضعفاء الفقراء وقود الحروب وحطب نيرانها، الذين يلقون إليها بلا هوادة لتلتهمهم، بينما يسلم الساسة وأصحاب المصالح ويغنمون من تلك الحروب. ومنذ بداية القصيدة أيضاً يستحضر الشاعر الدين كأهم عنصر يستغله الساسة كمبرر للحروب وأكاذيبها، في تناقض كبير بين صورتين متضادتين، الصورة الأولى ترسم ساحة مغطاة بالجيف، تتناثر فيها قطع وأشلاء أجساد البشر، ذراع هنا وفخذ هناك، وساق ورسغ، وألوف الجماجم في بحيرات الدم. تلك الساحة البشعة المرعبة، يقاد إليها القطيع من الجنود الذين سماهم الشاعر «خراف الفداء»، لكن من يقودونهم إليها يقولون عنها: «هنا قبلة الصالحين.. هنا المعبد.. هنا تستجاب صلاة العبيد.. وتؤتى الزكاة». يستمر الجندي في سرده وينقلنا إلى توتر درامي كبير: «وضج الفضاء بقصف الرعود.. ودمدمت الريح تذرو الجنود.. وثار الدخان.. مضوا يقصبون وهم ينشدون نشيد الدمار لرب الدمار». تنتقل القصيدة بعد ذلك إلى جانب أكثر إنسانية وأشد خصوصية، عندما يفقد الجندي زميله ويرى موته بعينيه ويستمع إلى آخر كلماته، يقول الجندي: «سمعت الرفيق بأذن الرفيق يثير السؤال: لماذا نموت؟ ومن أجل من؟ ومن للعيال؟ وجاء الرصاص.. فمات على شفتيه السؤال». بعد موت الرفيق يثور ذهن الجندي صاحب صوت القصيدة، وتهيج بخاطره الذكريات وتتجسد أمامه مئات الصور، يراجع من خلالها واقع الظلم والقهر واستغلال البشر في ساحات الحروب وخارجها، تذهب به الصور إلى قريته حيث «يدقون أرض الشقاء العنيد.. يبثون للأرض حقد العبيد بفأس حديد.. وقد يعثرون وهم يحفرون بجمجمة في الثرى ساجدة.. وفي محجريها بقايا دموع وهول وجوع.. وفي عظمها بصمات النعال.. وفي صمتها صرخات المسيح: لماذا أموت؟».

موت متلاحق وحروب لا تتوقف
يعود الجندي إلى طفولته ويتذكر صور البيت والأم والأب، والأشباح التي كان يخاف منها صغيراً، يتذكر الأب الذي كان فلاحاً: «سيأتي أبي حاملاً فأسه.. على وجهه بسمة المنتصر وغار العرق.. ففي قريتي يعيشون والموت في معركة». لكن الأب أيضاً يساق إلى ساحة الحرب كما سيساق إليها ابنه من بعده، فالحروب لا تتوقف ولا يعدم الساسة أسبابها، يمضي الأب إلى المعركة ولا يعود أبداً. ومن أجمل مقاطع القصيدة ذلك المقطع الذي عبر فيه نجيب سرور عن مشاعر الجندي الذي فقد زميله للتو، وفقد من قبل أباه في معركة سيق إليها مع كثيرين ولم يعد منهم أحد. يقول الشاعر: «وأسمع دقاً على بابنا ويجيء القدر.. أبي والرفاق يساقون قهراً إلى المجزرة.. من الدار للنار للمقبرة.. وأمي تشق الكساء الجديد.. وتلطم بالراحتين الخدود.. وطيناً على وجهها تلصق.. وتصرخ.. تصرخ.. واجملاه.. وأصرخ.. أصرخ.. وأبتاه.. ترى هل يعود؟ وكيف يعود؟ وعيد مضى.. ثم عيد.. وعيد.. وعيد.. ولكنه لم يعد.. وجاء النبأ: أبي لن يعود ككل الرفاق».
يمضي الشاعر في المزيد من وصف أجواء الحزن في القرية وطقوس النساء من عديد يشبه الغناء الحزين وغيره، ثم تنتقل الصورة إلى ساحة الحرب مرة أخرى حيث يوجد الجندي، ويبدو أن الموت قد اقترب منه، حيث يقول: «رأيت أبي من خلال الغبار.. يسير إليّ بخطو وئيد.. بجلباب دم.. وأمي تشق الكساء الجديد.. تريد أعيش.. وزوجي تصرخ واجملاه.. تريد أعيش.. وابني يصرخ واأبتاه.. يريد أعيش.. لماذا أموت؟ ومن أجل من؟ أريد أعيش.. وكل القطيع يريد يعيش.. رميت السلاح.. وأخفيت رأسي في راحتي.. وقلت: كفرت بما تعبدون.. فقالوا: جبان.. جبان أنا؟
رفض الجندي أن يموت في معركة ليست معركته، لكنه سيموت في ساحة محاكمة ظالمة، رفض أن يموت ويحظى ببطولة زائفة، لكنه سيموت مكللاً بالعار الذي يقرره أصحاب الدمار. في المقطع الأخير من القصيدة نكون مع ساحة المحاكمة، وقد جعلها الشاعر أشبه بساحة تقام فيها طقوس شيطانية، حشود تصلي وترقص «رقص السعار»، وتوقد النار وتشعل البخور، وتنشد أنشودة الدمار لإله الدمار، ثم يأتي هذا الإله يباركهم ويسألهم ما ترفعون؟ فقالوا: «جباناً أحب الحياة وألقى السلاح.. وقال كفرت بما تعبدون». يصدر إله الدمار حكمه على الجندي بالموت: «مع الفجر يمضي الجناز.. يزف الجبان بعار وذل إلى حيث كان يعاف الذهاب بغار البطل». لا خيار إذن أمام الجندي سوى الموت، إما الموت ببطولة متوهمة أو الموت بعار لا يستحقه، فتكون آخر كلماته وهو في طريقه إلى الموت المكلل بالعار: «فسرت أجرجر أذياليه.. أسند بعضي إلى بعضيه.. وغطيت وجهي بأسماليه.. وهم يبصقون.. وهم يصرخون.. جبان.. جبان.. جبان أنا؟».



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *