انطفأ نجمٌ آخر من زمننا ذاك، زمن الوعد والخيبة. رحل مهموما يحمل معه سبعة عقودٍ من المرتجى، غير هيابٍ من الانتظار مع ما تراكم من عسفٍ وإجحافٍ ورثاثةٍ، رغم ما يلاقيه من ضيمٍ وتآكلٍ وإحساسٍ باغتراب أولئك الذين كرس لهم حياته بما تنطوي عليه من عذاباتٍ أمضاها بمقاومة الخيبة من تسلل اليأس إلى أرواح الذين ظل يحمل لهم وعد التبشير بالتغيير لعالم يزهو بالإنسان وبما يطمح له من قيم تسمو به في مواجهة تشويه صورته وسويته!
رحل إلى السكينة الأبدية، مهموما دون يأس، حزينا بلا خيبة من ضيع معالم الطريق، وباب الرجاء والأمل إلى لحظة التحول حيث الوطن الذي ينتظر حرّا سيدا مضيئا بكل ما أفنى حياته لكي يصبح جديرا بشعبه ورفاقه وكل الذين أضناهم الانتظار والخشية من يأس الخيبة.
لم يكن رحيله فقدان علمٍ آخر من أعلام الحزب الشيوعي العراقي والحركة التقدمية، بل أحد رموز الزمن الجميل العصي على الانكسار..
رحل حميد مجيد بصمت، بعيدا عن وطنه، بجسده محولا روحه إلى رسالة لرفاقه ومحبيه تحرض على المضي دون يأس في وطنه المبتلى بالرثاثة والخيانة والتفاهة، ليطوي صفحة مجيدة أخرى من تاريخ حزبنا وشعبنا وحركتنا الوطنية، مذكرا بأن المآثر والتضحيات مهما بدت ماضيا منسيّا – كما يتوهم الطغاة وأشباه الرجال – لن تتآكل، لن تصبح مجرد احتفاء، وإنما ذلك الشبح الملائكي الذي “يغري الوليد بشتمهم والحاجب”.
رحل حميد مجيد موسى مودعا بعهدٍ على المواصلة دون انقطاع إلى أن يتحول العراق إلى ما كان يتطلع إليه من وعدٍ بحياةٍ حرةٍ سعيدةٍ..
إلى السكينة الأبدية الخالية من عسف الطغاة ونكرانهم!