لندن- “القدس العربي”:
نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرا أعده إدواردو بورتر، قال فيه إن الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية، قد تقود إلى هزيمة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وأضاف أن الحرب لا تحظى بشعبية واسعة بين الأمريكيين وسيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى ارتفاع كلفة المعيشة على الأمريكيين في المدى الطويل.
وقال إن ترامب لا يزال منتشيا لنجاحه في القبض على نيكولاس مادورو، فلم يمنح اختطاف الرئيس الفنزويلي بسهولة ترامب السيطرة على موارد النفط والمعادن الإستراتيجية في البلاد فحسب، بل مكنه أيضا من خنق حكومة كوبا بحرمانها من الطاقة، مما أثار احتمال إمكانية إسقاط نظام شيوعي أزعج واشنطن منذ عام 1959.
وعليه، فالرئيس الأمريكي واثق بأن حملته العسكرية المشتركة مع إسرائيل في إيران ستحقق النجاح نفسه. ولم تغير الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية الموجهة إلى إسرائيل وجيران إيران العرب شيئا من قناعة ترامب بأنه قادر على الانتصار، بغض النظر عن تعريفه للانتصار.
ويعتقد ترامب أنه مهما كانت تداعيات الحرب على أسواق الطاقة، فإن الاقتصاد الأمريكي قادر على تحملها. وكتب على وسائل التواصل الاجتماعي: “أسعار النفط على المدى القصير، والتي ستنخفض بسرعة عند انتهاء تدمير التهديد النووي الإيراني، هي ثمن زهيد جدا تدفعه الولايات المتحدة الأمريكية والعالم، من أجل الأمن والسلام. وحدهم الحمقى من يعتقدون خلاف ذلك!”.
ويعود شعور ترامب بالمناعة إلى أن سياساته المتقلبة، لم تتسبب، حتى الآن، بالضرر الذي كان يخشاه في البداية. فعلى الرغم من فرضه سلسلة من الرسوم الجمركية وتقليصه للقوى العاملة الفيدرالية وترحيله للعمال المهاجرين وهجماته المتواصلة على الاحتياطي الفدرالي، طرح الاقتصاديون قبل أسابيع قليلة سؤالا حول قدرة الاقتصاد الأمريكي على تحقيق الإنجاز الأصعب: الخروج التدريجي من حقبة التضخم المرتفع.
وربما تكون الولايات المتحدة أيضا الأكثر تحصينا من بين اقتصاديات العالم المتقدمة ضد ارتفاع أسعار الطاقة. فقد انخفضت واردات النفط الخام بشكل ملحوظ مع ازدياد الإنتاج المحلي منذ أوائل العقد الأول من الألفية الثانية. وفي المقابل، باتت الولايات المتحدة تعتمد وبشكل كبير على الغاز الطبيعي، الذي لا يتأثر سعره المحلي بتقلبات الأسواق العالمية، في إمدادات الطاقة.
واليوم، يغطي النفط حوالي 38% من استهلاك الطاقة في الولايات المتحدة، أي أقل بنحو 10% مما كان عليه خلال أزمة النفط عام 1973، عندما أوقف منتجو النفط العرب الشحن إلى الولايات المتحدة لمعاقبتها على دعمها لإسرائيل في حرب تشرين الأول/ أكتوبر. في غضون ذلك، ارتفعت حصة الغاز الطبيعي من 30% إلى 36%.
وفي المقابل، اهتزت الأسواق الأوروبية عندما أغلقت إيران مضيق هرمز، الذي يمر عبره 20% من شحنات النفط العالمية، وتراجعت بشدة عندما أغلقت قطر منشآت الغاز المسال. أما على الجانب الآخر من المحيط الأطلنطي، فلا يزال مؤشر ستاندرد آند بورز 500، وهو المقياس المفضل لدى ترامب للاقتصاد الأمريكي، يحوم قرب أعلى مستوياته على الإطلاق.
ومع ذلك، يرى إداوردو أنه مهما بلغت شعبية ترامب، فإنه يواجه هزيمة لا محالة. وبالطبع، ليست هزيمة عسكرية أمام ما تبقى من القوات المسلحة الإيرانية، بل هي هزيمة على يد القوة الوحيدة القادرة على إيقاف المغامرات العسكرية الأمريكية: معارضة الرأي العام الأمريكي.
ويضيف إدواردو أن الحرب على إيران لم تحظ بشعبية واسعة منذ البداية، وهذا أمر غير عادي لدولة ترسل أبناءها دائما إلى الخارج للقتال، تحت مبررات مثيرة للشك.
كما لا يمكن للاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة أن يحمي الولايات المتحدة تماما، فأسعار النفط تحدد في الأسواق العالمية، سواء أكان مصدره تكساس أم الشرق الأوسط.
وقد ارتفع سعر البنزين العادي بالفعل إلى أعلى مستوى له منذ تولي ترامب منصبه، متجاوزا 3.50 دولار للغالون. وتتوقع الحكومة الآن عدم عودة أسعار البنزين بالتجزئة إلى مستويات عام 2025 إلا في خريف عام 2027، بينما سيبقى سعر الديزل بالتجزئة أعلى من مستواه قبل الحرب حتى نهاية العام المقبل على الأقل.
وستقوم شركات النقل بالشاحنات بتمرير الزيادات في الأسعار إلى المستهلكين. كما سيضيف المزارعون، الذين يواجهون ارتفاع أسعار الوقود والأسمدة، هذه الزيادات إلى أسعار المواد الغذائية، وسيتأثر تجار التجزئة وشركات الطيران أيضا بارتفاع تكاليف الوقود. وسينعكس كل هذا بلا شك على قراءة التضخم لشهرآذار/ مارس، والتي رغم استقرارها في شباط/فبراير عند نسبة 2.4%، مقارنة بالعام السابق. وسيعيق كل هذا خفض أسعار الفائدة من قِبل الاحتياطي الفدرالي. في الوقت نفسه، من المرجح أن يؤثر ارتفاع أسعار البنزين على مبيعات سيارات الدفع الرباعي المحبوبة لدى الأمريكيين. كل هذه التطورات ستضرب شعبية ترامب في العمق.
ويدرك الرئيس هذه المخاطر، ولذا يبذل قصارى جهده لخفض أسعار النفط. فقد كشفت الإدارة عن خطة لتأمين ناقلات النفط ومرافقتها عبر المضيق. كما رفعت العقوبات عن بعض صادرات النفط الروسية. وتدرس سبل توسيع إنتاج النفط الفنزويلي لسد أي نقص في الإمدادات.
ولكن السيطرة على أكبر ارتفاع في أسعار النفط منذ أكثر من ثلاثة عقود تحتاج إلى أكثر من هذه الإجراءات. إما أن تنتهي الحرب أو أن تدمر الولايات المتحدة قدرات إيران إلى بشكل لا تستطيع فيه الأخيرة تهديد ناقلات النفط العابرة لمضيق هرمز.
ويعتقد ترامب، وبناء على منشوراته وتصريحاته، أنه قادر على جعل إيران تستسلم “بدون شروط، وأن الحرب باتت شبه محسومة”. لكن كان ينبغي لمستشاريه في واشنطن أن يدركوا الآن أنه حتى لو قصفت دولة بالأرض من الجو، فلن يتم حسم المعركة وتحقيق الانتصار. وعلى المدى البعيد، لن يتخلى الحرس الثوري الإيراني ولا قوات الباسيج عن أسلحتهما. ومهما بلغت نسبة تدمير البنية التحتية الإيرانية، فإن هناك آلاف المقاتلين المسلحين على الأرض قادرون على الرد ودعم نظام معاد في طهران.
وربما تراجع ترامب عن مطالبه بـ”استسلام غير مشروط”، واختلق ذريعة بديلة لإعلان النصر وإعادة أسطوله إلى أمريكا، ولن يكون هذا في صالحه، وربما لجأ إلى نشر قوات برية، وهو خيار لم يستبعده. وربما استمر في القصف وتحول إلى استهداف المدنيين بعد الانتهاء من تدمير البنية التحتية العسكرية الإيرانية.
إلا أن أيا من الأساليب لن يحقق نتائج سريعة، مما يعني أن التداعيات الاقتصادية لهذه الحرب ستطول.
وفي النهاية قد يكتشف ترامب أن سهولة القبض على مادورو لبيست بالضرورة استراتيجية رابحة لهزيمة خصوم أمريكا في كل مكان في العالم.