عمان- «القدس العربي»: إن الإعلام الأمريكي والتصريحات الرسمية الصادرة عن مسؤولين أمريكيين وزملاء لهم من كوريا الجنوبية تحديدا بعنوان «السعي لاستبدال رادار مهم» استهدفته الصواريخ الإيرانية، ساهم في تسليط الضوء مجدداً على «التموقع الجيوسياسي» الأردني في معادلة الحرب التي تحولت إلى حرب مفتوحة الآن مع إيران.
صيغة أو معادلة «الحياد العملياتي» التي يربطها وزير الخارجية أيمن الصفدي بعبارة «حسب قدراتنا»، قد لا تصبح مؤهلة للثبات أكثر خلال الأسابيع المقبلة ما دامت أضواء الإعلام الأمريكي تطارد كل صغيرة وكبيرة في «تفاصيل وحيثيات المعركة» ميدانياً، وما دام الأمريكيون باحثين بشدة عن إيحاء بوجود شركاء لهم في المواجهة مع إيران.
الأهم في الواقع بالنسبة للأردن وعدة دول عربية، أن الإصرار الإيراني على هجمات بالمسيرات والصواريخ لا يسمح بهوامش مناورة إضافية يمكن أن تساعد في جهد «خفض التصعيد»، حيث لا قيمة سياسياً أو عسكرياً مضافة، برأي غرفة القرار في عمان، لسيناريو استهداف دول عربية والاعتداء عليها إلا جعل خفض التصعيد بعيد المنال.
هنا حصراً يمكن ملاحظة أن حكاية «الرادار الأردني» الذي ضربته إيران ابتكرها الإعلام الإسرائيلي بالمقام الأول، ثم تبعه الأمريكي قبل أن تعلن كوريا الجنوبية «تحريك نظام رادار» أمريكي بالقرب منها ونقله إلى «الشرق الأوسط».
جزئية الرادار هي التي ساهمت في إلقاء كل الأضواء على «الموقع الأردني» من حرب تقول عمان رسمياً وبكل اللهجات إنها خارجها ولن تكون طرفاً فيها، بالرغم من الإعلان رسمياً عن «تفعيل بروتوكولات التعاون مع الدول الصديقة» عسكرياً.
أما الإعلان بأن صواريخ إيران «ليست عابرة» بل تستهدف الأراضي الأردنية، فهو أمر لا يرضي القواعد الشعبية في الأردن، بل يقلقها ويتسبب أو تسبب بموجة لا يستهان بها من الانتقاد لطهران بالعودة لسجلها في الماضي بشأن الأداء الطائفي في العراق وسوريا.
والتفعيل المشار إليه لا أحد يحاجج به أو يعارضه؛ لأن نتائجه مثمرة عملياتياً في «حماية الأردن» بالمقام الأول، دون أن يمنع ذلك الاسترسال في طرح تساؤلات عن رصد «اختلاف بسيط لكنه مهم في الرواية» في الأسبوع الثاني للحرب وإطلاق الصواريخ عنها -أي الرواية الرسمية- في الأسبوع الأول.
الأردن ليس طرفاً في الصراع، وقراره العلني عبر عنه الوزير الصفدي «لا نريد أن نكون» و«الساحة الأردنية لن تتحول إلى موقع صراع بين طرفين».
تلك قاعدة مستقرة طوال الوقت في ذهن الأردنيين، لكن الرواية الإعلامية الخارجية، وحصراً الإسرائيلية، سعت لتفكيكها ليس فقط في قصة «الرادار» فحسب، بل بغيرها أيضاً.
أين الإشكال؟ في الوقت ذاته، أنتجت مجموعة كتاب محسوبين على السلطات في عمان «تشويشاً» لا أحد يعلم بعد ما إذا كان «قد سمح به قصداً» على مفصل الرواية الرسمية المعلنة عندما تدفقت مقالات بالجملة «تتهم وتدين وتشيطن» إيران ومن يتعاطف معها، دون أدنى عبور على حقائق ووقائع «الاعتداء الأمريكي والإسرائيلي» على الجمهورية الإيرانية.
تلك مؤشرات خلل في «السردية»، برأي الناشط السياسي محمد حجوج، والمصلحة الوطنية تتطلب معالجتها؛ لأن الاعتبارات عموماً معقدة.
الأهم قد يكون التأثير الخارجي ثم تأثير «التشويش الداخلي» على مبدأ «الحياد العملياتي» الذي يعجب الشارع ويصفق له وشكل سياقاً ذكياً في التعاطي مع تأثيرات الحرب على عقل الجمهور، علماً بقناعة المؤسسة العميقة بأن الحديث الآن عن «حرب قد تمتد وتطول» وليس عن «مجرد معركة».
لذلك، رصد بعض «الالتباس» عند محاولة الإجابة عن سؤال مركزي يردده الجميع: من الذي خطط لتوريط الأردن في تلك الحرب المحرجة.. إسرائيل أم الولايات المتحدة أم إيران؟
الإجابة عن مثل ذلك السؤال أصبحت محورية الآن، لأن «الخيارات» ستضيق بالضرورة قريباً إذا لم تنجح خطة «خفض التصعيد»، ولأن «الجغرافيا الأردنية» محكومة بوقائع جيوسياسية لا يستهان بها، وإن بقيت وستبقى معادلتها -أي الجغرافيا- بين مزدوجي «نعمة أم نقمة؟».
والخلاصة أن ترديد الأسئلة الحساسة في بلد مثل الأردن ثبتت قدرته على الاشتباك والاحتواء والتكيف مع «أصعب الظروف» هو في جذره جزء حيوي من تساؤلات «النظام الرسمي العربي» هذه الأيام عن «مستقبل ومصير القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة؟».
ذلك يشكل -وفقاً للمحل السياسي الأمريكي سنان شقديح- «عبئاً» لا يستهان به على «الدول العربية» التي تمتعت تاريخياً بعلاقات «دفاعية» عميقة مع بروتوكولات الولايات المتحدة، ليس لأن وقائع التعاون مع الأمريكيين -بتقدير شقديح- قابلة للنفي والطي أو الكتمان، ولكن لأن ملف الوجود الأمريكي العسكري بالمنطقة برمته قيد المراجعة في واشنطن حالياً في الكثير من مفاصل النقاش الداخلي.
ويمكن لعمان أن تشعر بهذا العبء أيضاً لأسباب «ليست أردنية» في كل الأحوال؛ لأن المواجهة العسكرية مرحلياً «تتحول» في الفهم الأردني العميق من «معركة» إلى «حرب شرسة» قابلة للامتداد وتفريخ الأزمات أفقياً في المسار الإقليمي ما لم يفلح ما يقترحه الأردن على الفرقاء الآن وهو «الانحياز فوراً وبأسرع وقت»، إلى سيناريو «وقف الصدام وخفض التصعيد».
واحدة من إشكالات عمان هذه الأيام أن «صوت العقل العربي لا تسمعه واشنطن». والأخيرة، حسب شقديح، «لا تسمع نفسها»؛ فالإدارة الحالية لا تسمع حتى للخبراء في الاستخبارات والبنتاغون، والسلطة برمتها تدار عبر «سلسلة المبعوثين» والوزراء المقربين من الرئيس دونالد ترامب المتميزين بالجهل الشديد.