لا يمكن قراءة تجربة الفنان التشكيلي ستار لقمان بوصفها مسارا تقنيا أو تحوّلا أسلوبيا فحسب، بل بوصفها تراكُما نوعيا للذاكرة البصرية، حيث تتداخل المدينة، والعائلة، والتعليم، والمكان، لتصوغ لغة تشكيلية خاصة لا تشبه سواها. فمعرضه الأخير (إطلالات الذاكرة) الذي أقيم في أوائل يناير/ كانون الثاني 2026 في قاعة أكد البغدادية، لا يستعيد الماضي بوصفه حنينا، بل يعالجه بوصفه بنية داخلية تتسرّب إلى السطح اللوني، وتعيد تشكيل التجريد من الداخل. مجموعة لوحات متجاورة تقوم على فكرة الذاكرة، بوصفها موضوعا، وآلية بناء تشكيلي. فالعنوان نفسه لا يعد باستعادة كاملة، بل يكتفي بـ»لمحات»، شذرات زمنية، آثار حسّية، وبقايا إحساس تتشكّل ثم تنسحب، تاركة أثرها على سطح اللوحة.
وُلد ستار لقمان في بغداد عام 1944، وعاش في محلاتها القديمة، في فضاءٍ مشبّع بالحكايات والأساطير والموروث الشعبي، والعلاقات اليومية البسيطة. هذه البيئة لم تكن خلفية محايدة، بل شكّلت المخزون البصري الأول الذي ظلّ فاعلا في أعماله، حتى في أكثرها تجريدا. فبغداد، بتاريخها الحضاري وتكوينها الاجتماعي، لا تظهر في لوحاته كصورة، بل كإحساس متراكم، وإيقاع داخلي يحرّك اللون والفراغ.
كان للعائلة دور جوهري في تكوين هذه الحساسية. والده، البنّاء الذي يعرف القراءة والكتابة، يرسم خرائط البيوت ويزيّنها بالآجر والنقوش، واضعا الشكل في خدمة السكن والمعنى. أما والدته، التي لم تدخل مدرسة ولم تتعلّم الرسم، فكانت ترسم لأطفالها أواني المنزل البسيطة وأقداح الشاي. بين الرسم الوظيفي للأب والرسم الغريزي للأم، تشكّلت لدى الفنان علاقة مبكرة مع الصورة بوصفها حاجة إنسانية. هذه الثنائية ستعود لاحقا في أعماله على شكل توازن بين البنية والحدس، بين النظام والحرية.
في المراحل الدراسية الأولى، ظهرت موهبته بوضوح، خصوصا حين كان أستاذه أثناء دراسته المتوسطة الفنان الرائد سعد الطائي. شارك لقمان في معارض المدارس، ونال جوائز عدّة، ما أهّله لدخول معهد الفنون الجميلة عام 1963، حيث كان متميّزا ومتفوقا. هناك، تعرّف بعمق على تجارب الروّاد، وتأثر بجواد سليم وبالفنان الواسطي، بوصفهما مرجعين لفهم العلاقة بين التراث والحداثة. غير أن ستار لقمان، منذ بداياته، كان واعيا في اختيار أسلوبه. سعى مبكرا إلى بناء هوية خاصة لفنّه، تقوم على المزج بين المحلية والعالمية، بين بغداد والأهوار، بين المدينة والريف. هذا المزج لا يظهر بجمع عناصر متجاورة، بل كتحويل للمكان إلى حالة لونية. فالأفق، الماء، القارب، البيت، لا تعمل كمفردات سردية، بل كعلامات عبور، وآثار ذاكرة.
تجريد ستار لقمان ليس انفصالا عن الواقع، بل إعادة صياغته بصريا. السطح في لوحاته ليس حاملا محايدا، بل حقل أثر: طبقات تُمحى لتظهر، ألوان تترك ما تحتها مرئيا جزئيا، كأن اللوحة تحتفظ بتاريخها الخاص. الأزرق لا يعني الماء فقط، بل الامتداد والسكينة المهددة. الأخضر لا يصف الخضرة، بل الحياة بوصفها ذكرى. أما الألوان الترابية، فتعمل كبصمة مكان، لا كتمثيل له. اختياره أحيانا للشكل المثلث ليس بحثا عن غرابة شكلية، بل موقف جمالي واعٍ. المثلث يخلخل استقرار العين، ويفرض قراءة مختلفة، ويمنع التلقي الكسول. إنه شكل مشحون بالدلالة: صعود، وتوازن صعب، يقابل الأشكال الأفقية الهادئة في أعمال أخرى، ليؤكد أن التجربة تتحرك بين التكثيف والانفراج، بين التراكم والصمت. حين يظهر الإنسان في لوحاته، فإنه لا يحتلّ مركز المشهد. الوجوه مختزلة، والملامح متداخلة، والأجساد تتحول إلى كتل لونية. الإنسان هنا أثر وجود، لا بطل حكاية. هذه المقاربة تحرّر العمل من العاطفة المباشرة، وتمنحه بعدا إنسانيا.
تتكرر في المعرض مفردات مثل الأفق، القارب، البيت، القوس، والماء، غير أنها لا تدخل في بناء سردي. القارب لا يعني رحلة، بل حالة عبور. البيت لا يعني استقرارا، بل أثر انتماء هشّ. الأفق ليس منظرا طبيعيا، بل حدّا بصريا بين ما يُستعاد وما يُعاش. بهذه المقاربة، يتجنب الفنان المباشرة الرمزية، ويحرّر المفردة المحلية من وظيفتها التوصيفية، ليعيد دمجها داخل بنية تجريدية مفتوحة. في مقابل ذلك، تأتي الأعمال الأفقية لتؤسس فضاء أكثر هدوءا وامتدادا، وكأن المعرض يتحرك بين حالتي: التكثيف والانفراج، والتراكم والصمت.
شارك ستار لقمان في عشرات المعارض داخل العراق وخارجه، ونال جوائز عديدة، لكنه ظلّ حريصا على التجديد. ففي أغلب معارضه، ثمة محاولة واعية للانتقال إلى مرحلة جديدة، بأسلوب مختلف وتقنيات جديدة. هذا الوعي بالتطوّر يرتبط أيضا بدوره التربوي الفني، فقد قدّم خبراته وأفكاره حين عمل معلّما ومشرفا فنيا في مدارس بغداد، مؤمنا بأن التجربة لا تكتمل إلا حين تُنقل وتُناقَش. يعبّر عن موقف نقدي واضح حين يتحدث عن الحركة التشكيلية العراقية اليوم: فالقلة فقط، في رأيه، تسعى إلى خلق أسلوبها الخاص، فيما يقع كثيرون في فخ التكرار، أو تقليد تجارب جاهزة. هذا الموقف ينسجم تماما مع مساره الشخصي، القائم على المحاولة، والبحث، وتأصيل التجربة. ما يميز تجربة ستار لقمان هو بعدها عن الاستعراض التقني والضجيج البصري. نحن أمام فنان يشتغل باقتصاد بصري واعٍ، ويؤمن بأن المعنى لا يُمنح دفعة واحدة، بل يُبنى عبر التأمل. اللوحة لا تقول كل شيء، لكنها تترك أثرا طويل الأمد، وتفتح مجالا للتفكير لا للاستهلاك.
في المحصلة، يكشف معرض لقمان عن تجربة ناضجة في الفن التشكيلي العراقي المعاصر، تجربة ترى في التعبيرية وسيلة للإصغاء العميق للذاكرة، لا للهروب منها. اللون ليس زخرفة، والشكل ليس حيلة، والفراغ ليس غيابا. كل عنصر يعمل داخل شبكة دقيقة من العلاقات، وفي التجريدية الرمزية مساحة للتأمل، ومكانا لإعادة التفكير بالعلاقة بين الإنسان والمكان والزمن. وبهذا المعنى، يقدّم ستار لقمان إضافة هادئة، لكنها راسخة، إلى مسار الفن العراقي المعاصر.

