منال هيكل رحيل مُفاجئ يجدد أحزان الإذاعة المصرية


كثيرة هي القامات الإذاعية التي رحلت وتركت أثراً قوياً لا يزال باقياً برغم مرور السنوات وتوالي القيادات، آمال فهمي وصديقة حياتي وحكمت الشربيني وصفية المهندس وفضيلة توفيق وأخريات كثيرات، صدحت أصواتهن عبر الأثير فملأت الأرجاء صدىً ونغماً وأضافت للإنسانية علماً ومعرفه ووعياً وفكراً.
عند استقبال الصوت الإذاعي من خلال برنامج أو فترة مفتوحة أو نشرة أخبار، تتكون صورة افتراضية في خيال المُستمع بشكل تلقائي تتحدد على أثرها مُعطيات الصدق ومن ثم تتوطد العلاقة بين طرفين لا يربط بينهما غير الصوت والحدث.
وكثيراً ما يتعلق جمهور المُستمعين بشخصيات لم يرها رأي العين، لكنه يؤمن بما تقول اعتماداً على حدسه الخاص وما يستفتي فيه قلبه عن مصدر المعلومة وقائلها وتأثير الصوت والإحساس الداخلي بما يُفنى في سبيل الرسالة الإعلامية من وقت وجهد.
وبتراكم أرصدة الثقة تعبر الأصوات الإذاعية بحار ومُحيطات بغير عوائق ويكتسب أصحاب الأصوات المُتميزة شهرة واسعة باستحقاق تام وبدون وساطة أو محسوبية.
وللإذاعة في ذلك أمثلة عديدة للأصوات الواثقة والراسخة، كجلال معوض وأحمد سعيد وفهمي عُمر وسعد لبيب وصلاح زكي وإيناس جوهر ونُهى العلمي وسعدية مبروك وأمينة صبري وحلمي وأسمهان البُلك، وعمر بطيشة وهاجر سعد الدين وكامل البوهي وسامية صادق وحافظ عبد الوهاب ومحمد محمود شعبان ووجدي الحكيم وكامل البيطار ومشيرة كامل وإبراهيم مصباح ونادية صالح وآخرين كُثر كان لهم دور ريادي بارز في مسيرة الإذاعة المصرية ومهمتها التثقيفية والتنويرية المتنوعة.
وبامتداد الرحلة الإذاعية والعطاء الدائم لكافة المحطات النموذجية المُتفانية في رسالتها، إذاعة البرنامج العام وصوت العرب والشرق الأوسط والبرنامج الثقافي والشباب والرياضة وإذاعة الأغاني وصوت الدلتا وإذاعة فلسطين وإذاعة الوادي الجديد وبقية الإذاعات الإقليمية ذات الأهمية المعرفية القصوى.
من خلال كل هذه المحطات تعرف المُستمعون على أصوات جديدة ومؤثرة، زهدت في الشهرة والأضواء وعكفت على وظيفتها ودورها المهني.
ومن بين الأصوات المُتميزة ظهر عبر الميكروفون صوت منال هيكل في أواخر الثمانينيات، صافياً رقراقاً مُعبراً، فقد تتلمذت فور تخرجها في كلية الإعلام على يد الكبار وزاملت قامات سامقة في مجالها الإذاعي، ربما نذكر منهم الدكتورة لمياء محمود، الرئيس الأسبق لشبكة إذاعة صوت العرب والتي خلفتها منال في المنصب بعد بلوغها سن المعاش فأضافت ما يُثري وما يُفيد، إذ قدمت خلال موقعها كرئيس لشبكة صوت العرب والإذاعات المحلية برنامجها الشهير لقاء السبت والذي طرحت من خلاله عشرات القضايا الاجتماعية والثقافية والسياسية.
وبموجب تميزها حصلت الإذاعية الكبيرة على الجائزة الفضية في مسابقة اتحاد الإذاعات العربية فئة نشرات الأخبار.
كما أنها تولت منصت مدير عام البرامج القومية بشبكة صوت العرب قبل توليها المنصبين السابقين، وقدمت حزمة من البرامج من أهمها مساحة للحوار والبانوراما الإخبارية والموسوعة السياسية وبيت العرب ومجلة الوطن العربي والمُنتدى الاقتصادي.
وقد عملت الإذاعية الراحلة في مجال الإخراج قبل التحاقها بمحطة صوت العرب، غير أنها عملت بإذاعة الشرق الأوسط لمدة عام وتولت خلال هذه الفترة القصيرة منصب مدير عام البرامج الثقافية، وبرز برنامجها الأسبوعي «بنات أفكاري» كأحد أهم البرامج الناجحة جماهيرياً.
ولم تنطفئ شُعلة النشاط عند منال هيكل حتى بعد خروجها من الخدمة بُمقتضى السن لإصرارها على العطاء والإسهام التنويري ولو بمساحات محدودة، لذا ظلت مُستمرة حتى الأيام الأخيرة من عمرها في تقديم المعلومة بطريقة جذابة ومشوقة من خلال برنامج «الموسوعة»، ففي نحو خمس دقائق فقط استطاعت أن تلفت النظر وتشد الانتباه بطريقتها المؤثرة وصوتها الوقور النافذ للقلوب بما تقدمه من معلومات في كبسولة إذاعية سريعة ومُتخصصة شملت كل المجالات العلمية والثقافية والإنسانية، فجاء أثرها القوي مُتمثلاً في ارتباط المُستمعين بالبرنامج كوجبة سريعة مُشبعة وغنية.
اهتمت منال هيكل أيضاً بالقضية الفلسطينية وأولت أحداث غزة الأخيرة اهتماماً خاصاً، فجاء تكريمها من مهرجان العودة للسينما الفلسطينية برئاسة المخرج الفلسطيني سعود مهنا كرد فعل يعكس مشاعر الامتنان والمودة، حيث حصلت على شهادة تكريم ودرع التميز لدعمها المتواصل للأنشطة الثقافية بمُختلف أنواعها.
وقد تضمنت حلقات كثيرة من برنامج لقاء السبت الذي قدمته الراحلة على مدار سنوات طويلة وانتهت رسالته بوفاتها مُتابعات دقيقة للفعاليات الثقافية والمهرجانات السينمائية والمسرحية والأنشطة والمعارض التشكيلية، فالفنون الراقية كانت على رأس أولويات المذيعة الاستثنائية التي أمضت رحلتها في سلام وفارقت الحياة بهدوء.



Source link

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *